📘 ظل المستطيل الأخضر ⚽
رواية

📘 ظل المستطيل الأخضر ⚽

10 أكتوبر 2026145 مشاهدة15 دقائق للقراءة

🌿 ظل المستطيل الأخضر ⚽ 📖 من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم 👴👦 بقلم : الكاتب والمؤلف عبد المجيد قناوي ✍️ « هل كرة القدم مجرد أرض ورفاق وهدف... أم أنها مرآة تكشف خبايا نفوسنا ؟ » حين يتحول صخب الشاشات وجدل « الكواليس » إلى نار تكوي ألفة الأصدقاء ، وحين تحسم المعارك في المكاتب قبل الملاعب... يجلس « آدم » حائرًا أمام هاتفه المشتعل بالتعصب ، ليجد عند جده « العم منصور » وتحت ظل شجرة الليمون الهادئة حكمة وزن الأمور بميزان الحق والإنسانية . رحلة شائقة بين براءة أطفال الحي وصراعات الكبار ، تضعنا أمام سؤال حاسم : « ما قيمة كأس نرفعها بأيدينا... إذا أسقطنا في الطريق ما هو أثمن منها ؟ » 📜 غوصوا في أعماق هذه الحكاية المؤثرة ، واكتشفوا كيف يصبح الملعب ميدانًا للأخلاق قبل الفوز والخسارة .

🌿 ظل المستطيل الأخضر ⚽

🖋️ بقلم : الكاتب والمؤلف عبد المجيد قناوي

📚📖من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم

🏷️رواية قصيرة : أدب اجتماعي تربوي (حكمة وأخلاق)

الفصل الأول :

صخب الشاشات ودفء الفناء 🌳

كان المساء هادئًا في فناء الدار ، إلا من صوت المذياع القديم ، وخرير الماء في النافورة الصغيرة ، وحفيف أوراق شجرة الليمون التي زرعها العم منصور منذ سنوات طويلة .

جلس الرجل على كرسيه الخشبي ، يحرّك مسبحته بين أصابعه ، ويرتشف الشاي على مهل . وعلى مقربة منه ، كان حفيده آدم يتنقل بعينيه بين شاشة هاتفه وتعليقات المشجعين التي لا تكاد تتوقف .

مرة يبتسم ، ومرة يعبس ، ثم يطلق ضحكة قصيرة سرعان ما تتحول إلى تنهيدة .

راقبه جدّه قليلًا ، ثم سأله :

- ما بك يا آدم ؟ أراك تخاصم الهاتف وكأنه أخذ منك شيئًا !

رفع آدم رأسه وقال :

- ليت الأمر يا جدّي بهذه البساطة ! انظر إلى ما يحدث . مباراة واحدة جعلت الناس يتبادلون الاتهامات والشتائم . فريق يقول إن الفوز حقه لأنه كان الأفضل في الملعب ، وفريق آخر يقول إن القانون هو الفيصل ، وإن البطولات لا تُحسم بالعاطفة .

ثم أضاف وهو يمرر إصبعه على الشاشة :

- بعضهم لا يعترف بما حدث فوق العشب ، وبعضهم لا يريد أن يسمع كلمة عن القانون . كل واحد يرى الحقيقة عنده وحده ، وكأن بقية الناس لا يفهمون شيئًا !

ابتسم العم منصور ، ومد يده إلى كأس الشاي ، ثم قال :

- وهل تركوا وقتًا لمشاهدة المباراة أصلًا ؟

ضحك آدم وقال :

- بعضهم يشاهد المباراة ، وبعضهم يشاهد الحكام ، وبعضهم لا يشاهد إلا تعليقات الآخرين !

ضحك الجد بدوره ، ثم أشار بعصاه نحو باب الدار المفتوح :

- تعال ، انظر إلى هؤلاء الصغار .

كان عدد من أطفال الحي يلعبون في الزقاق القريب . لم يكن لهم ملعب حقيقي ، ولا قمصان تحمل أسماء النجوم ، ولا حكم يطلق صافرة البداية . وضعوا حجرين مكان المرمى ، واختاروا كرة قديمة ، ثم انطلقوا يركضون خلفها .

سجل أحدهم هدفًا ، فرفع ذراعيه وقفز فرحًا . اعترض الآخرون لأن الكرة مرت بين الحجرين من جهة لم يتفقوا عليها ، فبدأ النقاش ، ثم تدخل طفل صغير وقال :

- نعيدها ونلعب ! المهم أن نكمل المباراة .

لم تمر دقيقة حتى عادوا إلى الركض والضحك .

ظل آدم يتابعهم ، ثم قال :

- هؤلاء لا يملكون شيئًا ، ومع ذلك يفرحون أكثر من أولئك الذين يتحدثون عن الملايين والكؤوس .

وضع العم منصور مسبحته في كفه وقال :

- لأنهم يلعبون من أجل الفرحة يا بني . لم يسأل أحدهم عن ثمن الكرة ، ولا عن اسم الشركة التي صنعتها ، ولا عن عدد المتابعين الذين يشاهدون هدفه . كل ما يريده أن يركلها فتصيب المرمى ، ثم يركض نحو أصحابه ليحتفل معهم .

سكت قليلًا ، ثم أضاف :

- كرة القدم في أصلها لعبة بسيطة . أرض ، ورفاق ، وهدف ، وفرحة . نحن الكبار نستطيع أن نعقّد أبسط الأشياء حين تدخل المصالح إلى قلوبنا .

أعاد آدم النظر إلى هاتفه وقال :

- لكن يا جدّي ، أليست البطولة مهمة ؟ أليس من حق كل فريق أن يطالب بحقه ؟

أجابه العم منصور :

- بلى يا بني . من حقه أن يطالب بحقه ، ومن حقه أن يحتفل إذا فاز . لكن عليه أيضًا أن يقبل الحقيقة إذا لم تكن في صالحه . المشكلة ليست في أن نختلف ، بل في أن نكره بعضنا لأننا اختلفنا .

ثم نظر الجد إلى الأطفال وقال :

- هؤلاء الصغار يتخاصمون على هدف ، ثم يتصالحون من أجل مباراة أخرى . أما بعض الكبار ، فيحوّلون مباراة واحدة إلى خصومة قد تستمر سنوات .

أغلق آدم هاتفه للحظة . كان يعرف أن جدّه لا يتابع أخبار الكرة كثيرًا ، لكنه شعر أن الرجل يرى في هذه اللعبة شيئًا أعمق مما يظهر على الشاشة .

الفصل الثاني :

حين تدخل الكواليس إلى الملعب 🏛️

في صباح اليوم التالي ، عاد آدم إلى فناء الدار وهو يحمل هاتفه ، وقد بدا عليه أنه لم ينم جيدًا .

وجد العم منصور يسقي شجرة الليمون ، فاقترب منه وقال :

- يا جدّي ، يبدو أن الحكاية لم تنته بعد .

وضع الجد إبريق الماء جانبًا وقال :

- وهل تنتهي حكايات الكرة عند صافرة الحكم ؟

أجاب آدم :

- أحيانًا تبدأ بعدها ! هناك من يتحدث عن قرارات غير عادلة ، وهناك من يطالب بإعادة النظر في النتائج ، وهناك من يقول إن بعض البطولات تُحسم في المكاتب بدل الملاعب .

مسح العم منصور يديه بطرف منشفة ، ثم جلس على كرسيه وقال :

- إذا شعر فريق أن حقه قد ضاع ، فمن حقه أن يبحث عنه . لكن هل يكفي أن يتهم الناس بعضهم بعضًا حتى تظهر الحقيقة ؟

أجاب آدم :

- لا . لا بد من أدلة ، ولهذا توجد القوانين والمحاكم الرياضية .

هز الجد رأسه موافقًا وقال :

- أحسنت . القانون مثل الميزان الذي نزن به الأشياء . إذا مال الميزان ، وجب أن نصلحه . لكن الميزان نفسه يحتاج إلى من يستعمله بأمانة .

جلس آدم قبالة جدّه وسأله :

- وماذا لو كان الناس لا يثقون فيمن يستعمل الميزان ؟

لم يُجب العم منصور مباشرة . أخذ حفنة من التراب من أصيص قريب ، ونظر إليها بين أصابعه :

- هل ترى هذه الأرض ؟

- نعم .

- لو زرعت فيها بذرة ، وسقيتها كل يوم ، ثم منعتها الشمس ، فهل تنتظر منها شجرة قوية ؟

- لا ، ستضعف .

- والثقة مثلها يا بني . تحتاج إلى رعاية ، وإذا أهملها الناس ، صعب أن تعود كما كانت .

ثم نفض التراب عن يده وأكمل :

- حين تكون القوانين واضحة ، والقرارات معلنة ، والأدلة متاحة ، ويُعامل الجميع بالمعيار نفسه ، يطمئن الناس ولو لم تعجبهم النتيجة . أما حين يشعرون أن هناك بابًا مفتوحًا لفريق وبابًا مغلقًا في وجه فريق آخر ، فإن الشك يكبر ، حتى لو كان القرار صحيحًا .

قال آدم :

- إذن ، المشكلة ليست في المحاكم نفسها ؟

أجاب الجد :

- طبعًا لا يا بني . لا نلوم الطبيب لأن المريض احتاج إلى العلاج ، ولا نلوم المحكمة لأن الناس اختلفوا . المهم أن يكون العلاج نافعًا ، والحكم عادلًا ، والإجراءات واضحة .

ابتسم آدم وقال :

- لكن بعض المشجعين لا يريدون انتظار التحقيق ولا سماع الأدلة . يريدون أن يصدر الحكم الذي يرضيهم ، وإلا قالوا إن كل شيء فاسد !

ضحك الجد ضحكة خفيفة وقال :

- هذه مشكلة أخرى . أحيانًا نحب فريقنا إلى درجة تجعلنا نرى أخطاءه صوابًا ، وأخطاء خصمه جريمة لا تُغتفر .

ثم نظر إلى حفيده وأضاف :

- لا تجعل قميص فريقك يغطي عينيك . شجّع من تحب ، لكن لا تطلب من الحقيقة أن تغيّر وجهها حتى ترضيك .

سكت آدم قليلًا ، ثم قال :

- يعني أن المشجع العادل هو من يستطيع الاعتراف بحق خصمه ؟

أجابه العم منصور :

- نعم يا بني . عندما تعترف لخصمك بحقه ، لا تخسر فريقك ، بل تكسب احترام نفسك .

الفصل الثالث :

طعم الملح 🧂

بعد العصر ، جلس آدم إلى جانب جدّه تحت شجرة الليمون . كانت أصوات الأطفال تصل إليهما من الزقاق ، بينما حملت نسمة خفيفة رائحة النعناع من المطبخ .

قال آدم :

- يا جدّي ، بقي سؤال يحيرني . لمن تكون الغلبة في النهاية ؟ للقانون أم للجمهور ؟

ابتسم العم منصور وقال :

- ولماذا جعلتهما خصمين ؟

أجاب آدم :

- لأن كل طرف يتحدث وكأنه لا يمكن أن يكون الحق إلا معه .

أخذ الجد رشفة من الشاي ، ثم قال :

- اسمع يا بني . لو ظلم الجمهور فريقًا ، فهل تصبح الإساءة عدلًا لأن كثيرين يرددونها ؟

- لا .

- ولو أخطأ مسؤول ، فهل يصبح خطؤه صوابًا لأنه يملك سلطة اتخاذ القرار ؟

- لا .

- إذن ، لا الجمهور وحده يكفي ، ولا المنصب وحده يكفي . نحن نحتاج إلى حقيقة نستطيع التحقق منها ، وإلى قانون يحمي الحقوق ، وإلى ضمير يمنع صاحبه من استغلال سلطته .

فكر آدم قليلًا ، ثم ابتسم وقال :

- أتعرف يا جدّي ؟ أحيانًا أشعر أن الناس لم يعودوا يبحثون عن الحقيقة ، بل عن كلام يؤكد ما يعتقدونه من قبل .

أومأ الجد برأسه وقال :

- لأن الإنسان يحب أن يكون على صواب . لكن الحكمة أن يترك في قلبه مكانًا لاحتمال أن يكون قد أخطأ .

ثم رفع كأس الشاي وقال مازحًا :

- هل تعرف ماذا يحدث لو وضعت الملح في الشاي بدل السكر ؟

ضحك آدم وقال :

- سأفسد الشاي كله !

رد الجد :

- وكذلك تفعل العداوة بالفرحة . قد تكون المباراة جميلة ، وقد يقدم اللاعبون جهدًا كبيرًا ، ثم تأتي كلمة جارحة فتعكّر كل شيء . وتتحول الفرحة إلى غضب ، والصداقة إلى خصومة ، واللعبة إلى سبب للشقاق .

ثم أشار إلى هاتف آدم وقال :

- لذلك ، ابدأ بغربال صغير لعقلك ، واستعمله قبل أن تكتب تعليقًا أو تضغط زر المشاركة .

ضحك آدم وقال :

- يبدو أنني سأحتاج إلى غربال كبير لهاتفي !

ضحك العم منصور بدوره . لكن آدم لم ينسَ العبارة ؛ ففي عالم تسبق فيه الأصابع العقول أحيانًا ، قد تكون لحظة صمت واحدة أفضل من ألف تعليق غاضب .

الفصل الرابع :

بين أوراق المحاكم وقلوب الجماهير ⚖️

حلّ المساء ، وعاد آدم إلى البيت ومعه بعض الأوراق المطبوعة . جلس إلى الطاولة ، وفتح حاسوبه ، ثم بدأ يعرض على جدّه أخبارًا عن طعون وقرارات وتأجيلات تتعلق بمنافسات رياضية .

قال آدم :

- انظر يا جدّي . هذا بيان ، وهذا ردّ عليه ، وهذه أخبار عن جلسات جديدة . كل يوم تظهر رواية مختلفة . الناس تنتظر معرفة من الفائز ، لكن الحكاية لا تنتهي .

اقترب العم منصور من الشاشة ، ثم قال :

- وهل قرأت كل هذه الأوراق ؟

أجاب آدم :

- قرأت بعضها ، والباقي ملخصات وتعليقات .

سأله الجد :

- وهل عرفت ما الذي حدث فعلًا ؟

تردد آدم قليلًا ، ثم قال :

- ليس تمامًا . كل جهة تعرض الأمر من زاويتها .

أغلق الجد عينيه لحظة ، ثم فتحهما وقال :

- إذن ، لماذا تريد أن تحكم قبل أن تعرف ؟ المحاكم وُجدت حتى لا يأخذ القوي حق الضعيف ، وحتى لا يبقى النزاع لمن يصرخ أكثر . وقد يحتاج الوصول إلى القرار العادل وقتًا ، لأن بعض القضايا ليست بسيطة كما تبدو على الشاشة .

قال آدم :

- أفهم ذلك يا جدّي ، لكن الانتظار يقتل فرحة الجماهير . الناس تريد أن تحتفل ، لا أن تظل شهورًا بين البيانات والطعون .

أومأ الجد برأسه وقال :

- الانتظار متعب ، والغموض يزيده تعبًا . لهذا ينبغي أن تكون الإجراءات واضحة ، وأن تُعلن القرارات في وقت معقول ، وأن يفهم الناس أسبابها بقدر ما تسمح به القوانين .

ثم نظر إلى حفيده وأضاف :

- لكن لا تنسَ شيئًا آخر . خلف كل مباراة لاعب تدرب في الحر والبرد ، ومدرب قضى أيامًا في الإعداد ، وعائلة تنتظر فرحة ابنها ، ومشجع ادخر من ماله ليحضر اللقاء . لذلك يجب أن يتعامل المسؤولون مع قراراتهم بجدية ، لأن آثارها لا تقف عند حدود الورق .

قال آدم :

- وماذا عن اللاعب الذي تعب طوال الموسم ، ثم وجد نفسه ينتظر قرارًا لم يكن طرفًا في تفاصيله ؟

أجاب الجد :

- هذا هو الوجه الذي يغيب عن كثير من النقاشات . لذلك يجب أن يكون العدل واضحًا ، وأن تُحترم جهود اللاعبين ، وألا يتحول مصيرهم إلى مجرد أرقام في الملفات . ومع ذلك ، لا ينبغي أن نحمّل كل موظف أو حكم أو محامٍ مسؤولية ما لا نعرفه . نحاسب على الخطأ بالدليل ، ونطلب الإصلاح بالحق ، لا بالسبّ والتشهير .

أغلق آدم الحاسوب وقال :

- يبدو أن القضية أكبر من فريق فاز وفريق خسر .

ابتسم العم منصور وأجاب :

- كل قضية تكبر حين ننسى الناس الذين يقفون خلفها . كرة القدم لعبة ، نعم ، لكنها عمل وأحلام وأرزاق أيضًا . وكلما كبرت الأموال المحيطة بها ، كبرت معها مسؤولية من يديرونها .

نظر آدم إلى الأوراق المبعثرة فوق الطاولة ، ثم جمعها ووضعها في ملف واحد . وللمرة الأولى ، شعر أن فهم القضية يحتاج إلى صبر أكثر مما يحتاج إلى غضب .

الفصل الخامس :

ذروة الميدان - مباراة الحي 🏃‍♂️

في تلك الأثناء ، تعالت أصوات صاخبة من الزقاق القريب . خرج آدم وجدّه على الفور لينظرا إلى ما يجري .

كان أطفال الحي قد انقسموا إلى فريقين في ساحة التراب الواسعة ، وقد تحولت مباراتهم الحماسية إلى شجار محتدم .

سدد أحد الأطفال كرة قوية اصطدمت بالحجر الذي يمثل القائم . ادعى فريق أن الكرة تجاوزت خط المرمى ، وأن الهدف صحيح ، بينما أصر الفريق الآخر على أنها لم تدخل المرمى . ارتفعت الأصوات ، وتبادل اللاعبون الصغار الاتهامات ، حتى كادت الأيدي تتشابك وسط ذهول المارة .

اقترب العم منصور بخطوات هادئة ، ثم قال بصوت مسموع :

- مهلاً يا أبنائي ، مهلاً ! هل تحولت كرة القدم التي تجمعكم كل مساء إلى سبب لعداوتكم ؟

توقف الأطفال عن الصراخ والتفتوا إليه . تقدم أحدهم وقال بغضب :

- يا عمّي منصور ، لقد سجلنا هدفًا صحيحًا ، وهم ينكرونه ظلمًا !

وردّ قائد الفريق الآخر بانفعال :

- هذا غير صحيح ! الكرة لم تدخل المرمى ، وهم يريدون سرقة الفوز منا !

نظر العم منصور إلى الفريقين ، ثم جلس على حجر قريب وقال :

- يا أبنائي ، لو استمررتم في الصراخ والشجار ، فلن تربحوا شيئًا سوى خسارة أصدقائكم . ألم تلاحظوا أنكم تكررون ما يفعله الكبار على الشاشات ؟

خفض بعض الأطفال رؤوسهم ، بينما ظل آخرون ينظرون إلى بعضهم بعضًا .

تابع العم منصور :

- من أراد الحق ، فعليه أن يبحث عنه بإنصاف ، لا بالصراخ . فما رأيكم أن نتفق على طريقة عادلة لحسم الخلاف ؟

سأله أحدهم :

- وكيف نفعل ذلك يا عمّي ؟

أجاب الجد :

- نختار حكمًا لا ينتمي إلى أي من الفريقين ، ونتفق جميعًا على قواعد واضحة قبل أن نكمل اللعب . أما الهدف الذي اختلفتم عليه ، فلا تجعلوه سببًا في خصامكم . يمكنكم إعادة اللعب من نقطة مناسبة ، ثم تواصلون المباراة بروح رياضية .

تبادل الأطفال النظرات . وبعد لحظات ، تقدم قائد أحد الفريقين ومدّ يده إلى خصمه وقال :

- لنعد اللعب ، ولندع الخلاف وراءنا .

صافحه الآخر ، وارتسمت الابتسامة على وجوه الصغار . عاد الأطفال يركضون خلف الكرة ، وكأن الشجار لم يقع قبل دقائق .

وقف آدم إلى جانب جدّه ، ثم قال بإعجاب :

- يا جدّي ، لقد حللت خلافهم بكلمات بسيطة ! لو تعلّم الكبار من هؤلاء الصغار ، لخفّ كثير من الصخب .

ابتسم العم منصور وقال :

- لا تستعجل يا بني . الصغار يتعلمون منا ، ونحن أحيانًا نحتاج إلى أن نتعلم منهم من جديد . المشكلة ليست في أن يختلف الناس ، بل في أن ينسوا كيف يختلفون . قد يخسر فريق مباراة ، لكنه يستطيع أن يكسب احترام الجميع بأخلاقه . وقد يفوز فريق بالكأس ، لكنه يخسر احترام الناس إذا جعل الفوز أهم من كل شيء .

ظل آدم يتأمل المشهد ، ثم قال :

- لكن يا جدّي ، ماذا عن المسؤولين الذين يبتعدون عن الجماهير ، ولا يسمعون أصواتها إلا من خلال التقارير والشاشات ؟

أجاب العم منصور بهدوء :

- المسؤول الذي يحترم الناس لا يخاف من سماع رأيهم ، حتى لو كان قاسيًا . لكنه أيضًا لا يترك الغضب يتحول إلى فوضى ، ولا يسمح للشتائم أن تحل محل المطالبة بالحق .

ثم تابع :

- لا نستطيع أن نحكم على كل مسؤول من دون معرفة ما فعله ، لكننا نستطيع أن نطالب بالشفافية ، ونرفض استغلال المال العام ، وندعو إلى المحاسبة العادلة . فالمنصب أمانة ، والمال العام حق للناس ، وليس ملكًا خاصًا لأحد .

قال آدم :

- إذن ، علينا أن نطالب بالنزاهة ، لكن من دون أن نظلم أحدًا .

أومأ الجد برأسه وقال :

- هذا هو الميزان يا بني . لا تبرر الفساد لأنك تحب صاحبه ، ولا تتهم الناس بالفساد لأنك تكرههم . اطلب الدليل ، واطلب المحاسبة ، وكن عادلًا حتى مع من تختلف معه .

في تلك اللحظة ، اقترب طفل صغير من العم منصور ، وخاطبه قائلًا :

- يا عمّي ، لقد اتفقنا على إعادة اللعب ، لكنني كنت أريد أن أفوز !

ابتسم الجد وربت على كتفه وقال :

- ومن لا يريد الفوز يا بني ؟ لكن ما قيمة الفوز إذا عدت إلى البيت وقد خسرت صديقك ؟

نظر الطفل إلى رفيقه ، ثم ابتسم له ، وركض الاثنان نحو الملعب .

تابعهما آدم بعينيه ، ثم قال :

- يا جدّي ، أحيانًا أشعر أن الناس ينسون أن كرة القدم مجرد لعبة .

أجابه العم منصور :

- هي لعبة يا بني ، لكنها تكشف أشياء كثيرة فينا . تكشف كيف نفرح ، وكيف نغضب ، وكيف نتعامل مع من يخالفنا . لهذا لا يكفي أن نتعلم كيف نفوز ، بل علينا أن نتعلم كيف نخسر أيضًا .

ثم نظر إلى حفيده وأضاف :

- لا تجعل فريقك أكبر من وطنك ، ولا تجعل خصومتك مع مشجع تنسيك أنه أخوك أو جارك أو صديقك .

سكت آدم لحظة ، ثم أخرج هاتفه وفتح صفحة التعليقات التي شغلت تفكيره طوال اليومين الماضيين .

قرأ بعض الكلمات الغاضبة ، وتوقف عند تعليق يدعو إلى الانتقام من مشجعي الفريق الآخر .

كتب ردًا ، ثم محاه . أعاد الكتابة ، وتوقف مرة أخرى .

وأخيرًا ، نشر كلمات قليلة :

« من حقنا أن نختلف على الكرة ، ومن حقنا أن نطالب بالعدل . لكن لا يحق لنا أن نخسر أخلاقنا بسبب نتيجة مباراة . شجّع فريقك كما تشاء ، وطالب بحقك كما تشاء ، لكن اترك للآخر حقه في أن يختلف معك » .

وضع الهاتف في جيبه ، والتفت إلى جدّه وقال :

- أتعرف يا جدّي ؟ أشعر أنني كنت أبحث عن الفائز في المباراة ، بينما كان ينبغي أن أسأل نفسي عمّا بقي من أخلاقنا بعدها .

ابتسم العم منصور ، وأعاد مسبحته إلى يده ، ثم نظر إلى الملعب الصغير وقال :

- هذا سؤال يستحق أن نفكر فيه يا آدم . فالعشب قد يصفرّ ، والملعب قد يُهدم ، والكأس قد تنتقل من يد إلى أخرى . لكن الفرح الذي يجمع الناس لا يموت ما دام هناك من يعرف كيف يلعب ، وكيف يفوز ، وكيف يخسر من غير أن يكره .

رفع آدم بصره نحو الزقاق ، ثم قال :

- الآن فهمت يا جدّي . المستطيل الأخضر ليس مجرد ملعب نركض فوقه خلف كرة ، بل مساحة تظهر فيها أخلاقنا ، ويُعرف فيها إن كنا نريد الفوز وحده ، أم نريد أن نبقى بشرًا ونحن نفوز ونخسر .

ابتسم العم منصور وقال :

- أحسنت يا بني . الكؤوس تبقى في الخزائن ، والأرقام تُكتب في السجلات ، أما ما تتركه في قلوب الناس من حب واحترام فيبقى أطول من كل بطولة .

ساد الصمت قليلًا ، ولم يبقَ في المكان سوى صوت الكرة وضحكات الأطفال .

وفي تلك اللحظة ، بدا لآدم أن ظل المستطيل الأخضر يمتد إلى ما وراء الملعب ، ليذكّر الجميع بأن الرياضة ليست مجرد فوز وخسارة ، بل فرصة لنتعلم كيف نكون أكثر عدلًا ، وأكثر احترامًا ، وأكثر إنسانية .

فما قيمة كأس نرفعها بأيدينا ، إذا أسقطنا في الطريق ما هو أثمن منها ؟ 🏆

🔚 نهاية الرواية

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

19 - 15 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.