
📘 سرّ العائد : حين يعود الإنسان إلى نفسه 🌌 الجزء 01 : صحوة الغريب
🌌 سرّ العائد / حين يعود الإنسان إلى نفسه 📖 الجزء 01 : صحوة الغريب ✍️ بقلم : الكاتب والمؤلف عبد المجيد قناوي ✨ رجلٌ يغيب ثلاثين عامًا بلا أثر … ثم يعود فجأة بالثياب البالية نفسها ، وكأن الزمن مرّ من حوله دون أن يمسّه ! لكن اللغز الأكبر لم يكن أين ذهب ، ولا كيف عاد … بل ما قاله بكلمات هزّت من حوله : « لم أذهب قط … لقد استيقظتُ للتو ! » 🕊️ ماذا لو كان أغرب أنواع الغياب ألا يختفي الإنسان عن أعين الناس ، بل يغيب عن نفسه وهو بينهم ؟ في رحلة رمزية مشوّقة ، يصحبنا عم منصور وآدم في مواجهة أسئلة تتجاوز لغز العائد ، لتلامس أعماق الإنسان ، وما يورثه من أفكار ، وما يعيشه من عادات ، وما قد يمضي عمره دون أن يتوقف لمراجعته . فقد لا يكون الضياع أن تفقد الطريق … بل أن تسير فيه طويلًا حتى تظن أنك وصلت ! 🌿 « سرّ العائد » … رحلة فكرية وروحية في الغفلة واليقظة ، وفي اللحظة التي يجرؤ فيها الإنسان على مساءلة نفسه ، واكتشاف الطريق إلى ذاته . 📖 اقرأ الرواية … فقد لا يكون السؤال الأهم : أين كان العائد طوال ثلاثين عامًا ؟ بل : أين كنا نحن طوال هذه السنوات ؟
🌌 سرّ العائد
حين يعود الإنسان إلى نفسه
✍️ بقلم : الكاتب والمؤلف عبد المجيد قناوي
رحلة رمزية في الغفلة واليقظة … والعودة إلى الذات
📖 الجزء الأول : صحوة الغريب
رحلة اللغز وصدمة الغفلة
🕊️ مقدمة الرواية
في زمنٍ تغيّرت فيه المفاهيم ، واختلط فيه القديم بالجديد ، يعيش الإنسان بين تيارين : أحدهما يدفعه إلى ترديد ما ورثه وسمعه منذ الصغر دون وعي أو مراجعة ، وآخر يدفعه إلى طرح الأسئلة الكبرى ، وربما بلا رحمة :
« مَن أنا ؟ ولماذا أعيش ؟ وإلى أين أمضي ؟ »
في هذا العالم المتقلّب تبدأ حكاية عم منصور ، رجل عادي يعيش بين الناس ، يعمل ، ويحلم ، ويحب … لكنه لم يعد يكتفي بما يراه على السطح . كأن الحياة من حوله تمضي بسرعة خاطفة ، بينما هو يبحث عن إجابة ، عن معنى أعمق ، وعن بوصلة يثق بها وسط رياح الحيرة .
ولأن اللقاءات في الحياة ليست كلها مصادفات عابرة ، فإن لقاءً سيحدث ذات مساء ، في مقهى هادئ ، ويقلب أشياء كثيرة في داخله . سيجد عم منصور نفسه أمام رجل مختلف ؛ رجل يسأل ويستمع ، لا ليفرض رأيًا ، ولا ليفوز بجدال ، بل ليوقظ شيئًا ظل نائمًا في أعماق النفس .
هذه الرواية ليست درسًا في الفلسفة ، ولا حكاية وعظ مباشر ، بل رحلة فكرية وروحية نعيشها مع عم منصور ورفاقه . نسير معهم ، ونتساءل معهم ، ونقترب من الأسئلة التي كثيرًا ما نؤجل مواجهتها ، لعلنا نصل إلى نور … أو نكتشف أن شرف البحث نفسه بداية الطريق .
« فكلنا عم منصور في لحظة ما … وكلنا ننتظر لقاءً يوقظ فينا شيئًا نسيناه . »
🎭 المشهد الأول : بين الغيب والعقل
صوت الغياب وهمس العودة
📍 المكان : مجلس عم منصور .
🎬 الجو العام : مساء هادئ ، وصمت ثقيل لا يقطعه سوى حفيف ريح تتسلل من نافذة نصف مفتوحة . في وسط الغرفة ، يتكئ عم منصور على كرسيه الخشبي ، وقد استقرت عصاه إلى جواره . تبدو ملامحه هادئة ، لكن عينيه توحيان بأن وراء هذا الهدوء أسئلة لم تجد طريقها إلى الكلام بعد .
أمامه يجلس آدم ، وقد بدا عليه اضطراب لم يستطع إخفاءه . كان يحك كفيه ببعضهما بين حين وآخر ، ثم يرفع رأسه كأنه يريد أن يقول شيئًا ، قبل أن يتراجع وتعود عيناه إلى الأرض .
وعلى مقربة منهما ، يجلس منير ممسكًا بمصحف صغير . يقلّب صفحاته بأصابع مترددة ، كأنما يبحث بين الآيات عن جواب يبدد الحيرة التي استقرت في المجلس .
آدم ، بصوت مضطرب ، يتنهد بعمق :
« يا جدي … لا أستطيع استيعاب ما سمعت ! رجل يغيب ثلاثين عامًا كاملة ، ثم يعود فجأة ، بالملابس نفسها ، وكأن الزمن لم يمر عليه يومًا واحدًا ! والأغرب أنه لا يتذكر شيئًا ؛ لا مكانًا ، ولا زمانًا ، ولا حتى وجوه من حوله !
هل يُعقل هذا ؟ هل يمكن لإنسان أن يغيب كل هذه السنوات ، ثم يعود وكأن شيئًا لم يحدث ؟ عقلي يرفض استيعاب هذا الغياب … وهذه العودة ! »
رفع عم منصور عينيه إلى حفيده ، وتأمله لحظات . لم يتعجل الإجابة ، بل أراح ظهره إلى الكرسي ، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتكلم .
عم منصور ، بهدوء :
« يا بني … العقل نعمة عظيمة ، ومن دونه نضلّ في كثير من أمور حياتنا . لكنه ، مهما اتسعت قدرته ، لا يحيط بكل شيء .
الكون أوسع من معارفنا ، والحياة لا تكشف لنا أسرارها كلها دفعة واحدة . قد يكون ما حدث لهذا الرجل لغزًا لم نعثر على تفسيره بعد ، وقد نكتشف يومًا أن وراءه أسبابًا لم نكن نعرفها .
لكن دعني أسألك : هل يكفي أن نعرف كيف حدث الأمر ، حتى نفهم ما الذي يمكن أن نتعلمه منه ؟ »
رفع آدم رأسه ، وبدا أنه لم يتوقع السؤال .
آدم :
« أليس فهم ما حدث هو البداية ؟ »
عم منصور :
« بلى ، ولكنه ليس النهاية دائمًا . أحيانًا نبحث عن تفسير لشيء وقع أمامنا ، ثم نكتشف أن السؤال الأهم هو ما كشفه ذلك الشيء في داخلنا . »
حرّك آدم رأسه في حيرة ، بينما اعتدل منير في جلسته ، ورفع المصحف الصغير كأنه عثر على مدخل يطمئنه .
منير ، بحماسة متعجلة :
« صدق الله العظيم ! يقول ربنا في كتابه الكريم :
﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [ الزخرف : 36 ] .
لعل الأمر واضح يا آدم ! ربما غفل الرجل عن ذكر الله ، فكانت غفلته سببًا في ضياعه ! »
تغيّرت ملامح آدم . نظر إلى منير طويلًا ، ثم التفت إلى جده ، كأنه ينتظر منه أن يفصل في الأمر .
آدم ، بنبرة تجمع بين الاعتراض والقلق :
« ولكن ، يا منير ، كيف عرفت أن هذا ما حدث له ؟ وهل كل من ضاع أو غاب كان بسبب شيطان ؟ وهل كل مصيبة تصيب الإنسان عقوبة على غفلته ؟
أنا لا أنكر الآية ، لكنني أسأل عن تطبيقها على رجل لا نعرف شيئًا عن ظروفه !
يا جدي ، أنا أبحث عن الطمأنينة ، عن جواب يهدئ هذا الغليان في صدري . أشعر أنني تائه وسط سيل لا ينتهي من الأسئلة والمعلومات . أريد أن أفهم دون أن أخدع نفسي بتفسير لا دليل عليه .
فهل يستطيع الإنسان أن يطمئن حقًا ، وهو لا يعرف كل شيء ؟ »
تأمل عم منصور وجه حفيده ، ثم مد يده برفق نحو منير .
عم منصور :
« ناولني المصحف يا بني . »
سلّمه منير المصحف في هدوء ، وقد خفّت حماسته قليلًا . أخذه عم منصور بكل توقير ، وفتحه على صفحة بعينها . مرّر عينيه على الآيات ، ثم رفع رأسه .
عم منصور ، مخاطبًا منير :
« بارك الله في حفظك لكتاب الله يا بني . الحفظ نعمة ، والعلم فضل ، لكنهما يبلغان غايتهما حين يقودان الإنسان إلى الفهم والعمل .
دعني أسألك سؤالًا : حين تحفظ آية ، هل تقف عند ترديد ألفاظها ، أم تسأل نفسك عمّا تدعوك إليه ، وكيف يمكن أن يظهر أثرها في حياتك ؟
ليس المقصود أن نقلل من شأن الحفظ ، حاشا لله ، وإنما أن ننتقل من حفظ الكلام إلى تدبّر معناه ، ومن معرفة الحق إلى محاولة العمل به .
فالقرآن لا نقرؤه لنملأ ذاكرتنا فحسب ، بل لنتدبر آياته ، ونراجع بها أنفسنا ، ونبحث عن أثر هدايته في سلوكنا . »
خفض منير بصره إلى المصحف . لم يردّ ، لكن أصابعه توقفت عن تقليب الصفحات .
صمت عم منصور لحظات ، ثم قرأ بصوت خاشع ، هادئ ، كأنما يمنح الكلمات فرصة لتستقر في القلوب :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾
[ فصلت : 30 – 31 ]
ساد المجلس صمت عميق . حتى الريح التي كانت تحرك طرف الستارة بدت كأنها هدأت .
رفع عم منصور رأسه ، ونظر إلى الشابين .
عم منصور :
« تأمّلا الترتيب في الآية يا أبنائي .
قالوا : ﴿ رَبُّنَا اللَّهُ ﴾ ، ثم استقاموا .
فالإيمان ليس كلمة يقولها اللسان ثم يتركها صاحبها خلفه ، بل حقيقة ينبغي أن يظهر أثرها في اختيارات الإنسان ، وفي معاملاته ، وفي عدله ورحمته وصدقه .
والاستقامة ليست ادعاء الكمال ، ولا تعني أن الإنسان لا يخطئ ، بل أن يعرف طريقه ، ويجاهد نفسه ، ويعود إلى الحق كلما ابتعد عنه .
ثم تأتي البشارة : ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ .
تأمّلا يا أبنائي : ما أوسع الفرق بين أن يعرف الإنسان كلمات الإيمان ، وأن يسعى إلى أن يعيش بمقتضاها !
كم من مسافة يمكن أن تنشأ بين ما نقوله وما نفعله ؟ وكم من إنسان يحتاج إلى أن يعيد النظر في هذه المسافة قبل أن يحكم على غيره ؟ »
كان آدم يصغي هذه المرة دون أن يقاطعه . أما منير ، فقد أعاد المصحف إلى حجره ، وأخذ يتأمل الغلاف في صمت .
آدم ، بصوت خافت :
« ربما كنت أبحث عن الجواب في الخارج وحده . كنت أريد تفسيرًا لكل شيء ، وكأنني لن أطمئن ما لم أمتلك إجابة عن كل سؤال .
لكنني بدأت أفهم أن الإيمان لا يعني إلغاء العقل ، وأن الاعتراف بحدود معرفتي ليس هزيمة له . »
ابتسم عم منصور ابتسامة خفيفة .
عم منصور :
« أحسنت يا بني . ليس المطلوب أن تتوقف عن السؤال ، ولا أن تسلّم لكل تفسير تسمعه ، بل أن تعرف متى يكون السؤال طريقًا إلى المعرفة ، ومتى يكون إصرارك على امتلاك جواب فوري سببًا لمزيد من الحيرة .
بعض الأسئلة تحتاج إلى بحث ، وبعضها يحتاج إلى صبر ، وبعضها يذكّرنا بأن معرفتنا محدودة ، وأن التواضع أمام ما نجهله جزء من الحكمة . »
ثم أطرق قليلًا ، قبل أن يضيف :
« انظر إلى الكون من حولك . أشياء كثيرة لا تراها بعينك مباشرة ، ومع ذلك قد تعرف آثارها ، أو تستدل عليها بما يظهر لك منها . وليس كل ما غاب عن حواسك معدومًا ، كما أن كل ما تخيلته ليس حقيقة لمجرد أنك عجزت عن تفسيره .
علينا أن نميّز بين ما نعلمه ، وما نستدل عليه ، وما لا نزال نجهله . »
تبدلت ملامح آدم . لم تختفِ حيرته تمامًا ، لكنها لم تعد الحيرة نفسها . كانت عيناه تبحثان عن شيء آخر ، لا عن إجابة جاهزة هذه المرة ، بل عن طريقة أصدق في النظر إلى الأسئلة .
آدم :
« إذن ، يا جدي ، يمكن للإنسان أن يؤمن ويبحث في الوقت نفسه ؟ »
عم منصور :
« بل إن البحث الصادق لا ينبغي أن يخيف المؤمن ، ما دام يطلب الحقيقة بأمانة ، ولا يحوّل ظنونه إلى حقائق ، ولا يجعل جهله حجة على ما لا يعرف .
الإيمان ليس ستارًا نخفي وراءه أسئلتنا ، والعقل ليس سلاحًا نستخدمه لرفض كل ما لم نفهمه بعد . لكل منهما موضعه ، وعلى الإنسان أن يتحرى الصدق في كليهما . »
ثم وضع المصحف على الطاولة برفق ، ونظر إلى آدم نظرة أبوية دافئة .
عم منصور :
« نحن نبحث عن السكينة في الدنيا ، وعن رضوان الله في الآخرة . وقد يجد الإنسان في الإيمان والاستقامة ما يعينه على مواجهة الخوف والحزن ، ويمنحه معنى يصبر به على تقلبات الحياة .
طهّر نيتك ، وراجع سلوكك ، وتفكّر ، وافهم ، وافتح مصحفك بقلب حاضر وعقل متدبر .
ولا تكتفِ بأن تسأل : ماذا تقول الآية ؟ بل اسأل أيضًا : ماذا تعلّمني ؟ وكيف أستطيع أن أكون أصدق وأعدل وأرحم بعد أن فهمتها ؟
عندها يصبح الإيمان أثرًا في الحياة ، لا مجرد كلمات نرددها . »
لم يتكلم آدم . كان ينظر إلى المصحف ، ثم إلى جده ، كأن شيئًا في داخله بدأ يتحرك ببطء .
أما منير ، فظل صامتًا . وللمرة الأولى منذ بداية الحديث ، لم يحاول أن يقدّم جوابًا سريعًا .
كان في المجلس ثلاثة أشخاص ، وثلاثة أسئلة مختلفة ، لكن سؤالًا واحدًا بدأ يتشكل في أعماقهم جميعًا :
هل نعرف حقًا ما نقول ، أم أننا اعتدنا قوله حتى كففنا عن التأمل في معناه ؟
ولم يكن أحد منهم يعلم أن هذا السؤال لم يكن سوى الباب الأول في حكاية أكبر .
📚 لمن أراد التوسّع
بعض الأسئلة الفكرية والروحية التي أثارتها هذه الحكاية تناولتها في مقال فكري نُشر على شبكة الألوكة بعنوان :
« حاجة الإنسان إلى الدين » ، بجزأيه الأول والثاني .
🔍 يمكن البحث عنه عبر محرك Google باستخدام العبارة التالية :
حاجة الإنسان إلى الدين - عبد المجيد قناوي - شبكة الألوكة
🎭 المشهد الثاني : مواجهة اللغز
بداية الصدمة وذروة الغموض
📍 المكان : منزل عائلة العائد ، بعد أيام قليلة من عودته المفاجئة .
🎬 الجو العام : كان الهواء داخل البيت مثقلًا برائحة الأثاث القديم ، وبصمت لم تستطع الأسئلة المتراكمة أن تخترقه . الوجوه شاحبة ، والعيون تتنقل بين بعضها بعضًا ، كأن كل واحد ينتظر من الآخر أن ينطق بما يعجز هو عن قوله .
في ركن بعيد من الغرفة ، يجلس العائد على أريكة قديمة . ظهره مستقيم ، ويداه ساكنتان فوق ركبتيه ، ونظراته معلقة في نقطة لا يراها أحد سواه .
يرتدي الملابس البالية نفسها التي اختفى بها قبل ثلاثين عامًا . لا تبدو على وجهه آثار الزمن التي كان يفترض أن تتركها تلك السنوات الطويلة ، لكن في عينيه شيئًا يصعب وصفه ؛ عمقًا غامضًا ، وهدوءًا لا يشبه هدوء رجل عاد لتوه إلى أهله بعد غياب طويل .
انفتح الباب ببطء .
دخل عم منصور أولًا ، تتبعه خطوتا آدم ومنير المتردّدتان . توقّف آدم عند العتبة لحظة ، وألقى نظرة سريعة على أفراد الأسرة ، ثم انتقلت عيناه إلى الرجل الجالس في الركن .
شعر بشيء بارد يسري في ظهره . لم يكن المشهد مخيفًا في ظاهره ، لكن سكون الرجل كان أشد إرباكًا من أي حركة غير متوقعة .
تقدم عم منصور بخطوات هادئة ، ثم حيّا الحاضرين .
عم منصور ، بصوت مطمئن :
« السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . جئنا نطمئن عليكم ، ونرجو أن نجد معكم بعض الهدوء وسط هذه الحيرة التي أثقلت الجميع . »
ردّ أفراد الأسرة السلام بصوت خافت . تبادلوا نظرات قصيرة ، ثم عاد الصمت يملأ المكان .
اتجه عم منصور نحو العائد ، بينما بقي آدم واقفًا للحظات ، يتأمل وجه الرجل كأنه يحاول العثور على علامة صغيرة تثبت له أن ما يراه ممكن .
آدم ، هامسًا لمنير :
« انظر إليه يا منير … كأن الزمن لم يمرّ من هنا قط ! ثلاثون عامًا كاملة ، ثم يعود بهذه الهيئة !
كيف يمكن للعقل أن يقبل هذا دون تفسير ؟ »
شدّ منير المصحف إلى صدره ، ثم نظر إلى الرجل الجالس في الركن .
منير ، بصوت خفيض :
« الله أعلم بحقيقة ما حدث له . لكنني أعترف أنني لا أملك تفسيرًا لما أراه . »
التفت آدم إليه ، وكأنه فوجئ باعترافه ، ثم عاد ببصره إلى العائد .
كان عم منصور قد جلس على كرسي خشبي قبالة الرجل . لم يقترب منه أكثر مما ينبغي ، ولم يحاصره بالأسئلة . اكتفى بأن ينظر إليه باهتمام ، تاركًا له الوقت ليستوعب وجود الغرباء أمامه .
عم منصور :
« مرحبًا بك يا أخي . الحمد لله على عودتك إلى أهلك . أعلم أن الجميع يريد أن يفهم ما حدث ، وأن السنوات الطويلة التي غبتها تركت وراءها أسئلة لا تحصى .
إن استطعت أن تخبرنا بشيء ، فقل لنا : أين كنت طوال هذه السنين ؟ وماذا تتذكر من تلك الفترة ؟ »
لم يتحرك الرجل .
ظل ينظر إلى عم منصور ، ثم انخفض بصره قليلًا إلى يديه . مرت لحظات بدت أطول مما تحتملها الغرفة . تحرك أحد أفراد الأسرة في مقعده ، ثم توقف ، كأنه خشي أن يقطع شيئًا لا يعرف ماهيته .
رفع العائد رأسه ببطء .
كانت عيناه ثابتتين ، لكن وجهه لم يحمل خوفًا واضحًا ولا دهشة عابرة . بدا كمن يحاول فهم السؤال نفسه ، لا استرجاع جواب نسيه .
فتح شفتيه ، ثم أغلقهما . ابتلع ريقه ، وأطلق زفيرًا خافتًا .
وأخيرًا ، خرج صوته أجشّ ، متقطعًا ، كأنه لم يستخدمه منذ زمن بعيد :
العائد :
« لم … أذهب … قط . »
تجمّد آدم في مكانه .
ظلّ فمه مفتوحًا لحظة ، ثم تراجع نصف خطوة دون أن يشعر . أما منير ، فقد انخفضت يده التي كانت تضم المصحف ، وتعلقت عيناه بالرجل في ذهول .
حتى أفراد الأسرة تبادلوا نظرات مضطربة ، وكأن العبارة أعادت فتح جرح قديم لم يلتئم .
لم يذهب قط ؟
لكنهم بحثوا عنه سنوات . سألوا عنه في كل مكان خطر لهم . انتظروا عودته ، ثم فقدوا الأمل شيئًا فشيئًا ، حتى صار غيابه جزءًا من حياتهم .
كيف يقول الآن إنه لم يذهب ؟
عم منصور ، وقد ارتسمت الدهشة على وجهه رغم محاولته الاحتفاظ بهدوئه :
« لم تذهب ؟! لكن أهلك بحثوا عنك طويلًا ، وانتظروك سنوات . ظنّ الجميع أنك فُقدت ، أو أن مكروهًا أصابك !
كيف تفسّر ما تقوله ؟ »
لم يجب الرجل فورًا .
أدار رأسه ببطء نحو النافذة ، حيث كانت ستارة خفيفة تتحرك مع الهواء . ظلّ يتأملها لحظات ، ثم عاد ببصره إلى الحاضرين .
كانت نظراته غريبة ؛ لا تحمل اتهامًا ، ولا استغاثة ، ولا رغبة في الدفاع عن نفسه . ومع ذلك ، شعر آدم أن الرجل لا ينظر إلى وجوههم وحدها ، بل إلى شيء أبعد منها .
العائد ، بصوت خافت :
« كنت هنا … دائمًا … »
توقف .
ارتجفت أصابع آدم ، وشعر بأن قلبه يدق بعنف في صدره . أراد أن يقاطعه ، أن يسأله عن المكان ، عن السنوات ، عن الملابس التي لم تتغير ، لكنه لم يستطع إخراج كلمة واحدة .
أمال العائد رأسه قليلًا ، ثم أضاف :
« لكن لم يرني أحد … »
ساد صمت كثيف .
لم يعد أحد يتحرك . حتى منير ، الذي كان قبل أيام يجد لكل سؤال جوابًا جاهزًا ، بدا عاجزًا عن العثور على كلمة واحدة .
اقترب آدم خطوة دون أن ينتبه إلى حركته . كانت عيناه معلقتين بوجه الرجل ، وقد امتزج فيهما الخوف بالفضول ، والشك برغبة ملحّة في أن يسمع بقية الكلام .
رفع العائد عينيه نحوهما جميعًا .
وللمرة الأولى ، ظهر على وجهه شيء يشبه الابتسامة ، لكنها لم تكن ابتسامة فرح . كانت ابتسامة رجل تذكّر أمرًا لا يعرف الآخرون عنه شيئًا .
ثم قال ببطء ، كلمةً كلمة ، كأنه يخرج من صمت طويل :
العائد :
« لقد استيقظت … للتو ! »
لم يتحرك أحد .
ظلّت العبارة معلّقة في الهواء ، أثقل من أن تُنسى ، وأغرب من أن تُفهم على عجل .
نظر آدم إلى عم منصور ، ثم إلى العائد ، وعاد السؤال يتردد في رأسه بعنف :
إذا كان الرجل قد استيقظ الآن … فأين كان طوال ثلاثين عامًا ؟
ولماذا يقول إنه كان هنا دائمًا ؟
أطرق عم منصور رأسه لحظة ، ثم رفع عينيه إلى الرجل . لم يسأله هذه المرة عن المكان ، ولم يحاول أن يضع تفسيرًا لما سمعه .
كان يدرك أن السؤال الذي دخل به إلى هذا البيت لم يعد هو السؤال نفسه .
أما آدم ، فقد شعر للمرة الأولى أن اللغز لم يعد يقف أمامه في صورة رجل غريب فحسب ، بل صار يقترب منه هو أيضًا .
وهنا انتهى الكلام … وبدأ اللغز الحقيقي .
🔚 نهاية الجزء الأول : صحوة الغريب
يتبع …
📖 الجزء الثاني : العودة إلى الذات
من لغز المكان إلى يقظة الوعي
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.