📖  شرارة في شبكـة .. وحكمة في غابـة
رواية

📖 شرارة في شبكـة .. وحكمة في غابـة

24 جويلية 2026194 مشاهدة9 دقائق للقراءة

📘 رواية قصيرة : شرارة في شبكة .. وحكمة في غابة 🌲🔥 من سلسلة : حكايات عمي منصور 📖 ليست كل الحرائق تبدأ بلهيب كبير ... فبعضها يولد من شرارة صغيرة أهملها أحدهم ، ثم تكبر حتى تلتهم ما حولها . وكذلك هي حرائق الحياة ؛ قد تبدأ بكلمة عابرة ، أو مسؤولية منسية ، أو ضمير غاب لحظة عن مكانه . في زمن أصبحت فيه الشاشات تحمل أخبار العالم قبل أن تصل أصوات الناس ، صار الإنسان أمام اختبار جديد : هل يكون جزءاً من الضجيج ، أم يكون يداً تمتد لإصلاح ما أفسده الآخرون ؟ في هذه الحكاية ، يأخذنا عمي منصور برفقة حفيده آدم إلى غابة احترقت أشجارها ، لكنها لم تحترق فيها الأغصان فحسب ، بل ظهرت فيها أيضاً معادن البشر ؛ فهناك من اكتفى بلعن الدخان ، وهناك من حمل الماء ، وهناك من بحث عن بذرة جديدة تحت الرماد . إنها حكاية عن الطبيعة ، لكنها في جوهرها حكاية عن الإنسان ؛ عن الفرق بين من يكتفي بالكلام ومن يصنع الأثر ، بين من يزيد النار اشتعالاً ومن يبحث عن طريق الإطفاء والبناء . فالغابة ليست مجرد أشجار ... إنها صورة مصغرة عن مجتمعنا ، وحمايتها ليست مسؤولية رجال الإطفاء وحدهم ، بل مسؤولية كل قلب يحمل ضميراً ، وكل يد تعرف معنى الغرس . 📖 « شرارة في شبكة .. وحكمة في غابة » حكاية عن النار التي تُطفأ بالماء ، وعن النار التي لا يطفئها إلا العلم والحكمة وصدق الضمير . ✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي

📖 شرارة في شبكة .. وحكمة في غابة 🌲🔥

✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي

🛑 الفصل الأول :

بين الجمرة والشاشة 📱🔥

كانت السيارة القديمة لعمي منصور تهتز بهدوء وهي تصعد الطريق الجبلي الملتوي ، كأنها تعرف أن المكان الذي تقصده يحمل وجعاً لا يُختصر في كلمات . كان الهواء المحمل برائحة الصنوبر المحترق يلتقي بخيوط الشمس الملتهبة في ظهيرة صيفية حارقة .

على يمين الطريق ، كانت المساحات الخضراء التي طالما احتضنت ذكريات أجيال تتوشح بسواد حزين ، وعلى يساره كان آدم يقلب بين يديه هاتفه الذي لم يتوقف عن الاهتزاز .

قال آدم وهو يقرأ المنشورات بنبرة متحسرة :

" يا جدي ، المنصات تغلي ! الناس انقسموا إلى معسكرات ؛ فريق يسب ويشتم الجيران الذين شمتوا في حريقنا ، وفريق يكتفي بنشر أدعية إبراد النار دون أن يتحرك ، وفريق ثالث غاضب يتساءل بمرارة : كيف لبلد بحجم بلدنا ...ألا يملك من الوسائل الجوية ما يكفي لمواجهة حرائق باتت موسماً يتكرر كل عام ؟ ! "

ألقى عمي منصور نظرة خاطفة على حفيده من فوق نظارته ، ثم أعاد عينيه بثبات إلى الطريق قائلاً بصوته الرزين :

" هذه هي الشاشة يا بني .. تصنع من المصيبة ميداناً للجدال الفارغ بدلاً من أن تصنع منها ساحة للعمل ! الهاتف مثل السكين ؛ في يد الطبيب يكون دواء ، وفي يد الجاهل يكون أذى . المصيبة لا تكشف النار فقط ، بل تكشف معادن الناس ؛ فهناك من يزيد الدخان ، وهناك من يبحث عن الماء . "

أوقف عمي منصور السيارة عند مشارف منطقة جرجرة التي أخمِد فيها الحريق حديثاً . كانت الأشجار واقفة في صمت ، كأنها شيوخٌ تعبوا من طول الطريق ، لكنهم ما زالوا يرفضون السقوط . نزل الاثنان ؛ آدم بقامته الفتية المشدودة وحيويته ، وعمي منصور بوقاره الذي تشهد عليه التجاعيد المرتسمة على جبهته .

اقترب منهما شاب من المتطوعين ، كان وجهه ملطخاً بالسواد ، يحمل في يده قطعة زجاجية مكسورة وجدها بين الأعشاب الجافة ، وقال بمرارة :

" انظر يا عمي منصور ! النيران اشتعلت هنا بسبب هذه الزجاجة التي ألقاها أحد المتنزهين الاستهتاريين تحت الشمس ! ومع ذلك ، عندما دخلت الفايسبوك وجدت الجميع يتحدث عن الليزر والأقمار الصناعية والمؤامرات الفضائية ! لا أحد يريد أن يعترف بأننا نحن من نؤذي أرضنا بإهمالنا ! "

التفت عمي منصور إلى آدم ، وربت على كتفه قائلاً بهدوء :

" أرأيت يا آدم ؟ أحياناً لا يبدأ الحريق من جمرة كبيرة ، بل من شيء صغير لم يعطه أحد قيمة .

يا بني ، الحقيقة لا تهرب ، نحن فقط من يدير لها ظهره .. ومن اعتاد الهروب من مسؤوليته لا تنقصه الأعذار ؛ مسؤولًا كان أو مواطنًا . يبدّل أسماء الأهداف كل مرة ، ليغسل يديه من التقصير . وهكذا في حياة الناس .. كلمة طائشة ، أو مسؤولية مهملة ، قد تشعل ما يصعب إطفاؤه . "

ثم صمت برهة وأضاف بنبرة أعمق :

" يا آدم... النار لا تبدأ من الغابة ، بل تبدأ يوم يظن كل واحد أن المحافظة عليها مسؤولية غيره.. والمحافظة على الوطن لا تبدأ في الجبل، بل تبدأ في ضمير الإنسان . "

تقدم آدم نحو الشاب المتطوع ، أخذ منه قطعة الزجاج المكسورة ونظر إليها بتأمل عميق ، بينما كان أفراد الحماية المدنية يتقاسمون شربة ماء قليلة بتعب وصمت ، ثم التفت إلى جده بوعي صلب :

" عندك كل الحق يا جدي . الدعاء والدعم الروحي يمنحاننا الصبر ، وهذا عين الإيمان .. ولكن الإيمان الحقيقي يفرض علينا أيضاً الأخذ بالأسباب ؛ يفرض علينا التخطيط ، والمساءلة ، وتجهيز أسطول إطفاء حديث ، وتربية أبنائنا على المواطنة البيئية . "

ابتسم عمي منصور ابتسامة حانية وقال :

" أحسنت يا بني ! لا تحكم على الشجرة من سواد لحائها يا بني ، فكثير من الحياة يبقى مختبئاً في الجذور . التراب المسقي بدماء الشهداء يعطينا أملاً لا ينطفئ . الأعداء قد يفرحون لرمادنا ، والجهال قد يغرقون في جدالهم ، لكن الرجال الصادقين يمسحون الرماد عن جباهم ، ويصنعون من الكارثة خطة عمل . "

أخرج آدم هاتفه ليلتقط صورة لقطعة الزجاج، وللأشجار المجاورة التي أنقذتها أيدي المتطوعين، ثم نظر إلى جده بعينين امتلأتا بالعزم وقال:

" نبدأ الآن يا جدي... سنجمع شباب المنطقة ، ونكتب كلمة تصل إلى الناس ؛ كلمة لا تكتفي بعرض صورة الحريق ، بل تفتح أعينهم على الحقيقة . سنكشف ضجيج التزييف الرقمي، وندعو إلى عملٍ في الميدان؛ فالغابة لا تعود بالكلمات ، بل بسواعد تغرس وتحمي . "

🛑 الفصل الثاني :

حكمة الصابرين .. ورماد المقاعد ☕️📜

في ساحة المقهى العتيق وسط البلدة ، كان الدخان الخفيف الآتي من الجبل الممتد يسدل ظلاً كئيباً على الموائد الخشبية .

كان سي سليمان — وهو أستاذ متقاعد يملك رصيداً من الشهادات والخبرة — يجلس يرتشف شايه بنبرة يملؤها الانكسار :

" لماذا تتعبون أنفسكم بالتطوع وحملات التشجير ؟ الشكارة هي التي تسير الشأن العام ، والتسيير المحلي بيد منتخبين انتهازيين .. لقد رأيت كثيراً من الأحلام تبدأ كبيرة ثم تنطفئ أمام المصالح . أما أنا فقد أغلقت الباب على نفسي ، ' تخطي رأسي وكفى ' ! "

في تلك اللحظة ، وصل عمي منصور يتبعه آدم . تقدم آدم خطوة ونظر إلى الأستاذ المتقاعد بنبرة شاب يرفض الاستسلام :

" يا أستاذنا المحترم ! كيف تقول ' تخطي رأسي ' والنار إذا اشتعلت في الجبل لن تستأذن باب بيتك ؟ تعلمنا منكم أن العلم أمانة ، واليوم عندما احتجنا خبرتكم لتوجيه الناس وتأطير الشبان ، نجدكم أول المنسحبين إلى المقاعد الخلفية ؟ ! من للوطن إن استقال العاقل وتركت الساحة للجاهل ؟ ! "

تنحنح سي سليمان وقال وهو يلتفت إلى عمي منصور :

" يا منصور ، أنت تعلم أن بعض هذه النيران خلفها أسوار وألعاب نفوذ وتصفية حسابات أكبر منا ومن هؤلاء الشباب .. لماذا نسقي أرضاً يحرقها النافذون في كل موسم ؟ "

سحب عمي منصور كرسياً ونظر إلى الجميع بصوته الدافئ العميق :

" يا سليمان يا صديقي .. التقاعد يكون عن الوظيفة والراتب ، لكنه لا يكون أبداً عن الوطن ! وحين ينسحب أهل الحكمة من الساحة ، يظن الجاهل أنه على حق . "

ثم التفت إلى آدم وأضاف بنبرة تنبض بالذاكرة :

" أمّا عن قولك إن الناس يعلمون بوجود صراعات نفوذ ويسكتون .. فهنا يا بني يتجلى الفرق بين ' الجهل ' وبين ' الصبر الواعي ' .

شعبنا مرّ بمرحلة سوداء قاسية في التسعينيات ، ودفع مئات الآلاف من أرواح أبنائه . هذا الشعب ليس غافلاً ، هو يدرك اللعبة جيداً ، وصبره ليس غفلة ولا ضعفاً ، بل هو الماء الذي يطفئ به نار الفتنة حتى لا تحرق الدار كلها . لكن الصبر لا يعني القعود ! بل يعني أن نحول هذا الصبر إلى عمل هادئ ووعي فاعل . "

ساد المقهى صمت مهيب . نظر سي سليمان إلى الأرض متأثراً ، بينما قام شاب من الحاضرين وربت على يد آدم قائلاً :

" نحن معك يا آدم .. أعطنا الخطة ولن نترك الجبل ولا الميدان . "

🛑 الفصل الثالث :

صوت الميدان .. وحفرة في التراب 🌱🌱

مع تباشير الصباح الأولى ، جمع آدم عشرات الشباب في الساحة المحاذية لأطراف الغابة المحترقة . كانوا يحملون المعاطق والرفوش وأغراس الزيتون والخروب ، متسلحين بوعي علمي وزعه عليهم آدم عبر بطاقات تبسط طرق الغرس المقاوم للحرائق .

أثناء ذلك ، ترجل من سيارته الفارهة أحد المنتخبين المحليين ، المعروف بانتهازيته ، يحيطه عدد من المصورين ، وبدأ يلقي تصريحات خطابية :

" لا تقلقوا يا مواطنينا الأفاضل ! هذه الحرائق الناتجة عن مؤامرات خارجية وأقمار صناعية سنواجهها بالدعاء والصبر ! والمجلس المحلي يوفر المساعدات قريباً ! "

خطى آدم خطوات واثقة ، وأخرج من جيبه ورقة جمع فيها أرقاماً ومعطيات ، وقال بنبرة هادئة ، متزنة ، وخالية من التشنج :

" يا سيدي .. مؤامرات الفضاء نتركها للتثبت ، لكن ماذا عن ميزانية الوقاية وشق المسالك الغابية التي رصدت السنة الماضية ولم يُنجَز منها شبر ؟ ماذا عن صيانة صهاريج المياه ونقاط التزود التي وجدها رجال الإطفاء معطلة ؟ الشجرة تطلب منا السقي والوقاية قبل أن تطلب منا البكاء عليها ! "

ارتبك المسؤول أمام نبرة التثبت والحقيقة الناصعة ، ولم يجد ما يجيب به ، فاكتفى بابتسامة باهتة وانسحب بهدوء أمام منطق الأرقام .

كان عمي منصور يراقب المشهد بابتسامة فخر . نزل إلى الميدان حاملاً شتلة زيتون صغيرة ، ووضعها في الحفرة التي أعدها آدم وقال وهو يسوي التراب بيده :

" أرأيت يا بني ؟ النصيحة التي تخرج بوعي وأدب كالماء ؛ تطفئ الباطل ولا تجرح أحداً . إذا تكلم العلم بهدوء ، خفت ضجيج الباطل من تلقاء نفسه . الجبل لا يسمع الخطب يا بني ، لكنه يعرف اليد التي تغرس ، واليد التي تطفئ ، واليد التي تحرس . "

أجاب آدم وهو يمسح عرق جبهته بابتسامة واثقة :

" علمتني يا جدي أن الوعي سلاح ، واليوم رأيت كيف ينحني الزيف أمام عمل بسيط وصادق ! "

🛑 الفصل الرابع والأخير :

نور على الجبل .. وبذور تحت الرماد 🌧️✨

انقضت الأسابيع ، وهطلت أولى قطرات المطر الخريفي تغسل ما تبقى من رماد الحرائق .

في غرفة البيت الدافئ ، كان آدم يجلس أمام شاشته ، لكنه هذه المرة لم يكن يتابع الجدال ، بل كان يدير منصة رقمية أسسها مع رفاقه والخبراء تجمع بين التثبت الرقمي ، التوعية البيئية ، ونشر أفكار المواطنة الواعية .

دخل عمي منصور بخطاه الهادئة ، ونظر عبر النافذة حيث بدأت التلة المحترقة تكتسي بنقاط خضراء صغيرة تتحدى التراب .

قال عمي منصور بابتسامة حانية :

" كيف يبدو الميدان الرقمي اليوم يا أستاذ آدم ؟ "

قام آدم وقبل يد جده وقال بامتنان :

" يبدو أفضل بكثير يا جدي ! اليوم فهمت أن الكلمة الطيبة قد تطفئ حريقاً في العقول ، كما يطفئ الماء حريق الغابات.. عرف الناس أن الصورة المحترقة لا تُصلحها كثرة الشتائم ، بل سواعد تعرف كيف تغرس بعد الحريق . "

جلس عمي منصور ونظر إلى آدم بعينين تدمعان بفخر مكتوم ، وقال بصوته الدافئ العميق :

" يا بني .. لقد علمتك الحياة أن الوطن أمانة في عقل كل واعي ، وسواعد كل صادق . لا تخف من الرماد ، فالرماد ليس نهاية كل شيء ، بل هو المكان الذي تختبئ فيه بذرة البداية . الجبل الذي احترق لم يمت لأن جذوره حية تحت التراب .. وكذلك هذا الشعب العظيم ، جذور إيمانه وذاكرته التاريخية لا تحترق أبداً . "

ثم أردف وهو يربت على يد حفيده :

" تذكر يا بني... الوطن يشبه هذه الغابة ؛ لا يحترق في يوم واحد ، ولا ينهض في يوم واحد . لكنه يبقى بخير ما دام فيه رجال إذا رأوا جمرةً أطفؤوها ، وإذا رأوا غرسةً سقوها ، وإذا رأوا حقاً قالوه . "

ثم ختم بابتسامته المعهودة :

" فالخير يا آدم لا يصنع ضجيجاً... لكنه يترك ظلاً يستريح تحته الناس . "

وخارج البيت ، كانت قطرات المطر تنزل في صمت ، تسقي الجذور التي لم تمت . ابتسم عمي منصور ، وابتسم آدم ، وكأنهما أيقنا أن الأرض التي تحفظ جذورها... تعرف دائمًا طريقها إلى الخضرة من جديد .

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر