📖 « شجرة العلم : بين زيف البهرجة ووفاء التربية »
رواية

📖 « شجرة العلم : بين زيف البهرجة ووفاء التربية »

22 جويلية 2026177 مشاهدة17 دقائق للقراءة

📘 شجرة العلم : بين زيف البهرجة ووفاء التربية 🌳 في موسم إعلان نتائج الامتحانات الكبرى ، وبين فرحة النجاح ومرارة الإخفاق ، يجد « عمي منصور » نفسه أمام مشهدين متناقضين : مشهد التكريم الصادق الذي يرفع من قيمة العلم ، ومشهد آخر تتحول فيه إنجازات الشباب إلى مادة للاستعراض والبحث عن الشهرة . حين يكتشف حفيده « آدم » جانباً من هذه الظاهرة ، تنطلق بينهما رحلة فكرية وإنسانية تكشف المعنى الحقيقي للتكريم ، وتعيد الاعتبار للمعلم ، وللأسرة ، وللقيم التي تصنع النجاح بعيداً عن الأضواء . وعندما يتعرض الشاب « سليم » لخيبة الإخفاق في شهادة البكالوريا ، يقرر عمي منصور أن يحول الألم إلى أمل ، واليأس إلى مشروع بناء ، فتولد « مبادرة شجرة العلم » التي تجمع بين جبر خواطر المتعثرين ، وتكريم المتفوقين بصمت ، ورد الجميل لصُنّاع الأجيال ... رواية اجتماعية تربوية من سلسلة « حكايات عمي منصور » ، تدعو إلى احترام المعلم ، والإيمان بأن أعظم استثمار ليس في الحجر ولا في التجارة ، بل في الإنسان نفسه . ✍️ تأليف : عبد المجيد قناوي

📖 شجرة العلم : بين زيف البهرجة ووفاء التربية

🌿 حكاية عن تكريم العلم ، وجبر الخواطر ، ورد الاعتبار لصُنّاع الأجيال

✍️ تأليف : عبد المجيد قناوي

🌅 الفصل الأول :

ظلالٌ على عتبةِ النجاح

كانت خيوط الشمس الذهبية قبيل الغروب تتسلل عبر نافذة الغرفة ، لتستقر على جبين عمي منصور ، الذي كان يجلس في ركنه المعتاد ، يقلّب بين أنامله دفتراً قديماً تآكلت أطرافه . في هذا الدفتر ، سطر بيده أسماء تلاميذه الذين مروا عليه عبر عقود من الزمن ؛ تذكر خطواتهم الأولى ، ضحكاتهم ، ونبوغهم . كانت تقاسيم وجهه الهادئة تشي بحكمة السنين ، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق غريب؛ مزيج من فرحة غامرة تملأ أرجاء الوطن هذه الأيام بإعلان نتائج الامتحانات الكبرى ، وغصة صامتة يعلم سرها وحده .

قطع الصمتَ دخولُ حفيده آدم ، حاملاً في يده هاتفاً ذكياً لا يتوقف عن الرنين والوميض ، وعلى وجهه حيرة الشباب وعنفوانهم . استند آدم إلى حافة المكتبة الخشبية وقال بنبرة تملأها الدهشة :

— " يا جدي ! الدنيا مقلوبة في العالم الافتراضي.. النتائج الرسمية لم تصدر بعد ، لكن صور الأوائل بدأت تملأ المنصات ، والكل يتسابق لنشر الأخبار والتهاني ! "

اعتدل عمي منصور في جلسته ، ووضع نظارته الطبية على الطاولة برفق ، ثم قال بصوته الرزين الدافئ :

— " اجلس يا آدم.. واهدأ يا بني . النجاح حدث جليل ، وله في النفوس هيبة وقار . لقد عشت عمري كله مربياً ، وفرحت لكل فائز في ربوع هذا الوطن كأنه ابني ، وواسيت من لم يوفق من أبنائنا وأقاربنا لأن الإخفاق ليس نهاية العالم ، بل محطة للوقوف والمراجعة . لكن ما يقلقني يا آدم ليس الفرحة بذاتها ، بل ما يصنعه بعض الناس بهذه الفرحة ! "

نظر إليه آدم مستغرباً :

— " وماذا يصنعون بها يا جدي ؟ المسؤولون يتحركون ، ورأيت تكريمات مهيبة تليق بالحدث ! "

ابتسم عمي منصور ابتسامة وقورة وقال :

— " التكريم الرفيع يا بني يبعث الفخر في النفوس ، خاصة حين يأتي من أعلى مؤسسات الدولة تقديراً للعلم وأهله . هل رأيت مشهد أبنائنا من ذوي الهمم يا آدم ؟ وهم يتقدمون نحو منصة التكريم بخطواتهم المتمايلة أو على كراسيهم المتحركة ، وعزيمتهم تلامس السماء ؟ "

أومأ آدم برأسه صامتاً ، وقد بدت عليه علامات التأثر . تابع عمي منصور وعيناه تغرورقان بدمعة كتمها طويلًا :

— " في تلك اللحظة بالذات ، يغمرك شعور ممزوج بالقشعريرة ، وتنهار مشاعرك أمام إرادتهم ، وتقول في سرك : الحمد لله الذي عافانا وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً.. هناك ، يرى الشباب الراسبون ، وترى أنت ويرى غيرك عظمة الله وقوة العقل البشري ، وتُشحذ همم الجميع للتحدي والوصول . فالإنسان يا آدم بقلبه وعقله وإرادته ، لا بما يملكه أو بما ينقصه . "

سكت الشيخ قليلاً ، ثم تنهد وقال :

— " جميل أن يتصل المسؤول الأول عن القطاع بالمتفوقين ويبشرهم ، وجميل أن يتنقل المسؤول المحلي لبيت النابغة رغم المهام الجسام وحرائق الصيف التي تأكل الأخضر واليابس ، ليفتح ساحة تشجيع للجميع.. لكن ، التفت إلى الجانب الآخر يا آدم.. ماذا ترى عند عامة القوم وفي أسواق الشهرة الافتراضية ؟ "

هنا ، التمعت عينا آدم ، واقترب من جده وهو يعرض عليه شاشة هاتفه قائلًا :

— " هذا بالذات ما كنت أريد أن أريك إياه يا جدي ! انظر إلى هذا المقطع.. تاجر ومستثمر يستدعي الطالب المتفوق إلى مكتبه ومحلاته الكبرى ، يجلسه بجانبه والكاميرات تصوّر وتسجل من كل زاوية ليبث ويُشهر ! والتاجر لا يكاد يتوقف عن الحديث عن الهدايا التي قدمها ، وفي نفس الوقت يروّج لعمله ولمحلاته بطريقة غريبة تفتقر للمشاعر ! "

انقبضت أسارير عمي منصور ، ونظر إلى الشاشة بأسى عميق ، ثم قال بنبرة المربي الغيور ، هزت أركان الغرفة :

— " آه يا آدم.. هذا المشهد يكسر قلبي كمربي وكمواطن يعز عليه أن يُستغل طهر الشباب . يذكرني بأيام مضت ، حين كانت تُعرض صور المغرر بهم في مشاهد تشبه هذا الاستعراض ! لقد امتعضت كثيراً.. أنا أعذر هؤلاء الشباب ، بل وأعذر حتى المخطئين منهم ، وأعتبر أننا نحن الكبار ، والأولياء ، والمسؤولين ، من أوصلناهم إلى هذه الحالة لأننا لم نيسّر لهم الطريق بالقدوة ولم نرشدهم ، وهم أبرياء من هذه البهرجة في هذا السن الطري ! "

" أنا لا ألوم من أراد تكريم أبنائنا ، فالخير يبقى خيراً إذا صلحت النية . لكن العلم يا بني أرفع من أن يتحول إلى لافتة دعائية أو وسيلة لزيادة عدد المتابعين . الطالب المتفوق أمانة ، وليس لوحة إشهارية متنقلة . ومن أراد الخير للعلم فليساعد أبناءه بصمت ، فإن أجمل الصدقات ما حفظت كرامة صاحبها . "

صمت آدم احتراماً لثورة جده التربوية ، بينما تابع عمي منصور كلامه بنبرة حزينة هادئة :

— " ربما يظن البعض أني أقول هذا لكوني لم أرزق بتلميذ نابغة كهؤلاء في عائلتي ، أو لأني لا أملك مال هؤلاء المترفين لأسكب الذهب تحت أقدامهم.. لكن لا وخالق نفسي ! لو كنت أملك ، لقمت بتكريمهم بطريقة لائقة ، ابتغاء وجه الله ، وجبراً لخواطرهم دون رياء ولا بهرجة . "

سأله آدم باهتمام وعيناه معلقتان بوجه جده :

— " وكيف يكون التكريم الحقيقي في نظرك يا جدي ؟ "

أجابه عمي منصور وعيناه تتطلعان إلى الأفق ، مسترجعاً قيم العهد الرفيع :

" التكريم يا بني كرم من العاطي ، وكرامة للمُكرّم ، وتعظيم للمدينة وللثانوية وللوالدين اللذين سهرا الليالي . الكرم الحقيقي هو أن أذهب لبيته مستوراً ، بعيداً عن الكاميرات ، وأصطحب معي هدايا بمستوى سنه وعقله ؛ حاسوب يساعده في بحثه ، أو دراجة تروّح عنه . كأن أطلب من والده جواز سفره وأدفع له مصاريف رحلة يستجم فيها بعد تعب السهر والضغط . كأن أدرس وضعيته الاجتماعية وأكسوه من رأسه إلى أخمص قدمه ، أو أضمن له مصاريف الجامعة ولوازمها لسنوات.. أو كأن أُمضي معه اتفاقاً على توظيفه بعد التخرج كما يفعل الأذكياء من الأمم الذين يستثمرون في العقول لا في الأضواء ! "

ثم ضرب عمي منصور بكفه برفق على الدفتر القديم وقال بحرقة :

— " أما الملاحظة التي تؤرقني يا بني.. والموجعة بحق.. هي تغييب المؤسسات التربوية والأساتذة عن قصد من هذه المشاهد البهرجية ! فهل يجوز أن نحتفل بالثمرة وننسى من سقى الشجرة ورعاها حتى أينعت ؟! "

ثم سكت عمي منصور لحظة ، وأشار إلى صورة قديمة معلقة على الجدار ، تجمعه بزملائه من المعلمين في سنوات خلت ، وقال :

— " يا آدم ، عندما ترى طبيباً بارعاً أو مهندساً مبدعاً أو قاضياً عادلاً أو مسؤولاً ناجحاً ، فتذكر أن وراءه معلماً أمسك بيده يوماً وهو لا يعرف كتابة اسمه كاملاً . المعلم لا يصنع الضجيج ، لكنه يصنع الذين يصنعون الضجيج . وما من أمة رفعت مكانة معلمها إلا ارتفع شأنها ، وما من أمة استهانت بمربيها إلا دفعت الثمن جيلاً بعد جيل . "

أغلق عمي منصور دفتره القديم بعناية ، وكأنه يطوي معه عتاباً طويلاً لزمن تبدلت فيه بعض القيم . نظر إلى حفيده آدم الذي كان لا يزال يطالع الهاتف ، وقال له بصوت استعاد هدوءه الأبوي :

— " قم بنا يا آدم.. كفانا حديثاً خلف الجدران . الحركة بركة ، والعمل في الميدان هو الذي يصنع الفارق . لقد بلغني أن ابن جارنا العزيز الشاب " سليم " ، لم يسعفه الحظ هذا العام في شهادة البكالوريا . والبيت هناك يخيم عليه صمت ثقيل.. انزع قبعتك الافتراضية هذه ، ودعنا نذهب لنقوم بواجبنا التربوي والإنساني . "

وضع آدم هاتفه في جيبه ، وشعر بنوع من المسؤولية يمر عبر كلمات جده . سارا معاً في أزقة الحي ، وكانت حرارة الصيف المتأخرة تلف الأرجاء ، لكن نسيم التضامن كان يسبقهما .

عند وصولهما إلى عتبة بيت الجار ، وجدا الأب جالساً أمام الباب وعلامات الحزن والانكسار بادية على وجهه ، بينما كان الشاب سليم يجلس في زاوية مظلمة من فناء البيت ، مطأطأ الرأس كأنه يحمل وزر الدنيا فوق كتفيه .

تقدم عمي منصور بخطواته الرزينة ، وبسط يده مصافحاً الأب بحرارة ، ثم اتجه مباشرة نحو الشاب سليم . وضع يده الحانية على كتفه ، وجلس بجانبه على مقعد خشبي بسيط . صمت الشيخ قليلاً ليمتص بحكمته ثقل اللحظة ، ثم قال بنبرة تقطر عطفاً :

— " ارفع رأسك يا سليم.. انظر إليّ يا بني . أتعرف هذا الدفتر الذي في يدي ؟ فيه أسماء أطباء ، ومهندسين ، وإطارات في الدولة ، ووالله يا بني إن بعضهم قد تعثر في خطواته الأولى كما تعثرت أنت اليوم ، بل ومنهم من أعاد السنة مرتين وثلاثاً ، وهم الآن فخر لعائلاتهم وللوطن . الإخفاق يا بني ليس نهاية العالم ، بل هو أول سطر في كتاب التجربة الحقيقية . "

ثم ابتسم عمي منصور ابتسامة الأب الحنون وقال :

— " ولو كان النجاح يُقاس بسقطة واحدة ، لما نجح أحد في هذه الدنيا . الطفل يتعلم المشي بعد عشرات العثرات ، والإنسان يتعلم الحياة بالطريقة نفسها . "

ثم التفت عمي منصور إلى سليم وقال :

— " اسمعني جيداً يا بني... نتيجة امتحان لا تختصر قيمتك ، ولا تحدد مستقبلك كله . أعرف شباباً نجحوا مبكراً فتوقفوا عن الاجتهاد ، وأعرف آخرين تعثروا ثم أصبحوا قدوة في ميادينهم . المهم ألا تجعل ورقة النتائج أقوى من إرادتك . "

وأضاف مبتسماً :

" إن كانت الأبواب قد أغلقت اليوم ، فاعلم أن الله يفتح غداً أبواباً أخرى لمن يواصل الطرق ولا يستسلم . "

نزلت كلمات الشيخ برداً وسلاماً على قلب الشاب ، فترقرقت في عينيه دمعة محبوسة ، وقال بصوت متهدج :

— " لكن يا عمي منصور.. أشعر بالخجل من والديّ ، وأشعر أنني خيبت آمال الجميع ، خصوصاً والمنصات تشتعل بصور الناجحين والهدايا التي تُقدَّم لهم.. "

قاطعه عمي منصور بابتسامة حانية وربت على ظهره قائلاً :

— " دعك من زيف المنصات يا بني ، فالحياة لا تُقاس بالشاشات . والدك يعلم أنك جاهدت ، ونحن نعلم أنك تملك عقلاً نيراً . السقوط ليس عيباً ، إنما العيب أن نبقى في الأرض . أعدك يا بني ، ومن غدٍ ، سنفتح معاً كراسات المراجعة ، وسأكون أنا وآدم سنداً لك خطوة بخطوة . العام القادم بإذن الله سنحتفل بنجاحك هنا ، احتفالاً حقيقياً يملأ بيتنا هذا بالزغاريد الصادقة التي تخرج من القلب ، لا ببهرجة التجارة . "

ثم واصل عمي منصور بنبرة أبوية حانية ليغرس الأمل في نفسه :

— " أتذكر تلميذاً عندي قبل سنوات ، رسب في امتحان مصيري وبكى يومها بكاءً شديداً . وبعد سنوات التقيته صدفة في المستشفى ، فإذا به طبيب ناجح يشرف على قسم كامل . ابتسم وقال لي : يا أستاذ ، ذلك الرسوب كان سبباً في أن أراجع نفسي وأتعلم الصبر . "

ثم نظر عمي منصور إلى سليم قائلاً :

— " لذلك لا تحكم على نهاية الطريق وأنت ما زلت في بدايته . "

التفت عمي منصور إلى آدم ، وأومأ إليه بعينيه ، ففهم آدم الإشارة فوراً . اقترب آدم من سليم وضرب على كتفه مازحاً ليزيح ما تبقى من جفاء :

— " سمعت يا سليم ؟ الجد منصور أعلن حالة الطوارئ التربوية ، ومن الغد أنا وأنت في رحلة تحدٍّ جديدة ، وسأقاسمك كل ملخصاتي ! "

انفرجت أسارير سليم ، وظهرت على وجه الأب ابتسامة امتنان لم تسعها الكلمات ، ودعا للشيخ بظهر الغيب أن يجبر الله خاطره كما جبر خاطر ابنه .

أثناء عودتهما إلى البيت ، التفت عمي منصور إلى آدم وقال وعيناه تلمعان بفكرة جديدة :

— " أرأيت يا آدم ؟ هذا هو التكريم الحقيقي.. جبر الخواطر وتيسير الطريق . ما رأيك أن نطلق مبادرة في حيّنا هذا ؟ نسميها 'مبادرة شجرة العلم'.. نجمع فيها الأساتذة المتقاعدين في الحي ، ونفتح بيوتنا لدروس دعم مجانية لهؤلاء الشباب الذين لم يسعفهم الحظ ، وفي نفس الوقت ، نكرم فيها الأوائل بيننا بطريقة تليق بكرامتهم ودون تصوير ؟ "

اتسعت ابتسامة آدم وقال بحماس الشباب :

— " فكرة عبقرية يا جدي ! وسأتولى أنا الجانب التقني لإيصال الفكرة لشباب الحي دون بهرجة ، وسنجعل من هذا الصيف نقطة تحول للجميع ! "

🤝 الفصل الثالث :

غراسُ الأمل.. واجتماعُ جيلِ الوفاء

لم يضع عمي منصور وقتاً ؛ فالتربية في نظره جهاد مستمر لا يعرف الفراغ . في صبيحة اليوم التالي ، كان الشيخ يجلس في فناء بيته الواسع تحت ظلال شجرة ياسمين عتيقة تفوح عطراً ، وقد رتّب الكراسي في حلقة مستديرة ، ووضع طاولة صغيرة عليها إبريق من الشاي المنعنع بالوصفة التقليدية التي تحبها النفس .

بدأ الضيوف يتوافدون ، وهم رفاق الدرب وأعمدة التعليم في الحي والمدينة من المتقاعدين : الشيخ التواتي أستاذ الرياضيات الصارم الذي أخفت الأيام طيبة قلبه خلف نظراته الحادة ، والسي عبد القادر أستاذ اللغة العربية الذي لا تفارق الفصحى لسانه ، والأستاذة مريم مربية الأجيال في الطور الابتدائي التي تقاعدت جسداً ولم تتقاعد روحاً .

كان آدم يتحرك بنشاط بين الحضور ، يصب الشاي ويوزع الابتسامات ، شاعراً بفخر كبير وهو يرى هذه القامات تجتمع مجدداً .

افتتح عمي منصور الجلسة بعد السلام والترحيب ، وقال بصوته الدافئ المألوف :

— " أهلاً بكم يا رفاق الحرف ومربي الأجيال . ما جمعتكم اليوم إلا لأمر جليل يخص أبناءنا . لقد رأيتم جميعاً ما تضج به المنصات هذه الأيام من بهرجة واستعراض لنتائج الامتحانات ، وكأن النجاح صار سلعة تجارية يُتاجر بها ، وفي المقابل ، رأيتم الانكسار والخجل في عيون أبنائنا الذين لم يسعفهم الحظ ، وكأن الإخفاق نهاية المطاف وحكم بالفشل . "

أومأ السي عبد القادر برأسه متنهداً وقال بفصحته المعهودة :

— " أصبت يا عمي منصور. لقد حزّ في نفسي أن أرى الثمرة تُعرض في أسواق الشهرة الافتراضية، بينما يُهمَّش الساقي والشجرة، ويُترك المتعثر وحيدًا يصارع خيبته . "

تابع عمي منصور وعيناه تتوقدان عزيمة :

— " من أجل هذا دعوتكم . نريد أن نطلق من حيّنا هذا 'مبادرة شجرة العلم' . نريد أن نثبت للمجتمع أن التعليم رسالة وليس تجارة . فكرتي تتلخص في شقين : الأول ، أن نفتح بيوتنا ومجالسنا ابتداءً من الأسبوع القادم لتقديم دروس دعم وتوجيه مجانية لأبنائنا الراسبين ، لنعيد بناء ثقتهم بأنفسهم ونحضرهم لشهادة العام القادم . والشق الثاني ، أن نكرم المتفوقين من أبناء الحي كرامةً مستورة تليق بهم وبعائلاتهم ، دون كاميرات تشهير ولا هدايا استعراضية.. بل بما ينفعهم في مسارهم العلمي والجامعي . "

ثم أضاف عمي منصور موضحاً أهمية التكامل الأسري :

— " ولا تنسوا يا إخواني أن المدرسة لا تستطيع أن تحمل الرسالة وحدها . فنجاح الأبناء يبدأ من البيت . كلمة تشجيع من أم صابرة ، أو دعاء أب مخلص ، قد يصنعان ما لا تصنعه عشرات الدروس الخصوصية . "

وهنا أضاف الشيخ التواتي بنبرة تحمل الأسى :

— " أتدرون ما الذي يؤلمني ؟ أن كثيراً من الناس يتذكرون اسم المتفوق وينسون أسماء المعلمين الذين سهروا معه سنوات طويلة . وكأن الثمرة نبتت وحدها دون جذور . "

تهللت أسارير الأستاذة مريم وقالت بحماس :

— " بوركت وبوركت الفكرة يا عمي منصور ! أنا متطوعة منذ هذه اللحظة ، وسأتولى مراجعة الأساسيات مع من يحتاج الدعم النفسي أولاً ، فالإحباط هو العدو الأول للطالب . "

أما الشيخ التواتي ، فقد عدل نظارته وقال بلهجة حازمة تشوبها ابتسامة :

— " أما أنا ، فمعادلة الرياضيات عندي واضحة : الجهد + الصبر = النجاح الحتمي . سأتكفل بتبسيط المسائل التي يراها الشباب معقدة . لكن ، كيف سنصل إلى هؤلاء الشباب يا منصور ؟ فالجيل الحالي يعيش في عالم آخر . "

هنا ، تقدم آدم بأدب واحترام ، وقال موجهاً كلامه للشيوخ الأفاضل :

— " اسمحوا لي يا أساتذتي الكرام.. هذا دوري أنا وجيلي . لقد قمت البارحة بتصميم منشور بسيط وراقٍ ، بلغة قريبة من الشباب ، يتحدث عن المبادرة دون إحراج لأحد . وسأنشره في مجموعات الحي وعلى صفحات التواصل . لن نذكر أسماء ، بل سنفتح باب التسجيل لمن يرغب في الانضمام لـ 'كتيبة التحدي' ، وسأكون أنا حلقة الوصل بينكم وبينهم تنظيماً وتنسيقاً . "

نظر عمي منصور إلى حفيده بنظرة ملأها الفخر والرضا ، وضرب بكفه على الطاولة قائلاً :

— " هذا هو التكامل الذي نريده.. خبرة الشيوخ وعزيمة الشباب . على بركة الله نبدأ ، وليعلم الجميع أننا لا نريد جزاءً ولا شكوراً ، بل نريد تيسير الطريق لجيلٍ نأمل أن يقود الوطن بعلمٍ حقيقي وأخلاقٍ رفيعة . "

انتهى الاجتماع على اتفاق وتوزيع للمهام ، وكان نسيم المساء قد بدأ يبرد ، حاملاً بشائر عهد جديد يعود فيه للمؤسسة التربوية ورجالها هيبتهم ووقارهم .

🎓 الفصل الرابع :

أكلُ الثمار.. وصناعة الأثر

مرت الأسابيع سريعة ، وتحول فناء بيت عمي منصور—ومعه مجالس بقية الأساتذة المتقاعدين—إلى خليّة نحل لا تهدأ . لم تكن مجرد دروس تقوية جافة ، بل كانت جلسات لترميم النفوس قبل العقول . كان الشاب سليم يتصدر الحاضرين كل صباح ، يُقبل على كراساته بشغف جديد ، بعد أن زالت عن كاهله غمة الخجل ، وتحول إخفاقه إلى الوقود الذي يدفعه نحو القمة .

وفي مساء أحد أيام أواخر الصيف ، وقبل أن تتفرق أجساد الشباب نحو مقاعد الجامعة والمدارس ، نظم عمي منصور وآدم اللقاء الختامي لمبادرة " شجرة العلم " في ساحة الحي الصغيرة ، بعيداً عن أضواء الكاميرات وهواتف البث المباشر .

جلس شيوخ العلم وأبناء الحي في جلسة بسيطة ملؤها الهيبة والمحبة . تقدم عمي منصور بخطواته الثابتة ، وألقى نظرة على الوجوه الشابة المتطلعة ، ثم قال بصوته الرزين :

— " يا أبنائي.. الليلة لا نكرم الناجحين بقطع الذهب ، ولا نعرض صورهم في أسواق المزايدات ، بل نكرم فيكم العزيمة والإصرار . اليوم نكرم المتفوق الذي حفظ كرامته وكرامة علمه ، ونكرم المتعثر الذي رفض السقوط وقرر النهوض من جديد . "

ثم بدأ التكريم الحقيقي ؛ هدايا قيمة اختارها الشيوخ بعناية لتخدم مستقبل الشباب العلمي : حواسيب محمولة للمتفوقين ساهم في شرائها المحسنون المتخفون من أهل الحي ، اشتراكات في مكتبات علمية ، وكتيبات أهداها الأساتذة بخط أيديهم تُعد وثائق ذاكرة لا تُقدّر بمال .

وفي لحظة مؤثرة ، وقف الشاب سليم مستأذناً بالكلام ، واستدار نحو عمي منصور والأساتذة قائلاً ونبرته تخالطها العبرات :

— " يا جدي منصور.. ويا أساتذتي الأفاضل ، لقد أعدتم إليّ روحي يوم أن ظننت أن العالم أُغلق في وجهي . تعلمت منكم هذا الصيف أن النجاح ليس مشهداً يُصفق له الغرباء في المنصات ، بل هو غرس نزرعه بالصبر ، ونحصد أثره بالعمل . أعدكم جميعاً أن يكون اسمي في أول دفترك العام القادم يا جدي ، ولكن هذه المرة في قائمة الناجحين بإذن الله ! "

ارتفعت أصوات التكبير في الساحة ، وانطلق صوت السي عبد القادر مهللاً ، بينما كان آدم يرقب المشهد وعلى وجهه ابتسامة النصر الحقيقي ؛ نصر القيمة على المظهر ، ونصر العلم على التجارة .

ثم دعا عمي منصور الأساتذة المتقاعدين إلى مقدمة الساحة ، ووقف الشباب جميعاً يصفقون لهم بحرارة . لم تكن هناك هدايا ثمينة ، بل كلمات وفاء صادقة وورود بسيطة . يومها شعر الأساتذة أن سنواتهم التي قضوها بين السبورة والطباشير لم تذهب سدى ، وأن الشجرة ما زالت تذكر من غرسها وسقاها .

وابتسم عمي منصور وهو يرى الورود في أيدي معلمي الأمس ، وقال في نفسه :

" الحمد لله... اليوم لم نكتفِ بالاحتفاء بالثمرة ، بل وفّينا الشجرة بعض حقها أيضاً . "

التفت آدم إلى جده وهما يغادران الساحة ، وقال بنبرة ملؤها الإلهام :

— " أتعرف يا جدي ؟ البهرجة والعدسات تزول بزوال الحفل ، أما ما زرعتموه الليلة في نفوس سليم ورفاقه.. فهو الشجرة التي ستظل تظلل هذا الوطن للأبد . "

ابتسم عمي منصور ، وربت على كتف حفيده وهو ينظر إلى السماء الصافية . كانت أضواء البيوت تتلألأ في الحي ، بينما ارتفعت ضحكات الشباب في الساحة . شعر عمي منصور أن الوطن لا يبنى فقط بالمشاريع والعمارات ، بل يبنى أيضاً بكلمة طيبة ، ويد حانية ، ومعلم مخلص ، وشاب يرفض الاستسلام .

رفع عمي منصور بصره نحو شجرة الياسمين التي شهدت ميلاد المبادرة ، ثم قال :

" الشجرة الطيبة لا تثمر في يوم واحد يا آدم . تحتاج إلى من يغرسها ، ومن يسقيها ، ومن يصبر عليها . وكذلك العلم تماماً . "

أدرك يومها أن أعظم استثمار ليس في الحجر ولا في التجارة ، بل في الإنسان نفسه .

وفي تلك اللحظة ، لم يكن عمي منصور يرى أمامه مجموعة من الشباب فقط ، بل كان يرى بذور مستقبل كامل بدأت تجد طريقها إلى النور .

وابتسم آدم وهو يشعر أن ذلك الدفتر القديم لم يعد مجرد سجل أسماء ، بل أصبح شاهداً على أجيال صنعتها الكلمة الطيبة قبل الشهادات .

ثم قال بنبرة هادئة ملؤها الطمأنينة :

— " الحمد لله يا بني.. الآن فقط ، أستطيع أن أغلق دفتري القديم وأنا مطمئنٌ على عتبة المستقبل . "

🌿 كلمة وفاء وعرفان

هذه الرواية مستلهمة من فكرة وموقف تربوي نبيل نشره مشرف التربية الأستاذ الفاضل خميسي زمال ، ابن سدراتة (أم العظائم ) ولاية سوق أهراس ، ذلك المربي الغيور الذي أفنى سنوات عمره في خدمة التربية والتعليم والعمل النقابي ، مؤمنًا بأن بناء الإنسان أسمى من كل المكاسب الزائلة ، وأن المعلم يظل حجر الأساس في نهضة الأمم ورقيها .

وإذ أقدم هذه الحكاية إلى القراء ، فإنني أغتنم هذه المناسبة لأرفع للأستاذ خميسي زمال أصدق عبارات التقدير والامتنان ، عرفاناً بما قدمه من جهود صادقة في ميدان التربية ، وبما غرسه في الأجيال من قيم العلم والالتزام والوفاء .

فله مني ، عبر هذا المنبر الأدبي ، تحية احترام وإجلال ، ودعاء صادق بأن يمده الله بالصحة والعافية ، وأن يجعل ما قدمه من علم وتربية وعطاء في ميزان حسناته .

وما هذه الرواية إلا شهادة محبة ووفاء لكل المربين الصادقين الذين يزرعون الشجرة بصمت ، ثم يفرحون بثمارها وهي تظلل الأجيال جيلاً بعد جيل.

✍️ عبد المجيد قناوي

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر