
شفرة الواحد وحديث المشيئة... (الجزء الرابع)
ماذا تفعل لو رأيت القوي يسلب الضعيف حقه... والحكَم يغض الطرف ؟ 🤷♂️ حين ينتصر الأقوى بالباطل... هل يعني ذلك أنه على حق ؟ وحين يُهزم المظلوم... هل ماتت العدالة ؟ ! ⚖️ لا يا صديقي... قد تتعدد النوافذ ، لكن الشمس تظل واحدة ! والموازين مهما مالت... لها شفرة خفية . 🌅 اسمعها بقلبك : النتائج رقمٌ يكتبه البشر على لوحة... أما العدل ، فهو رقمٌ يكتبه الله في سجلٍّ لا يضيع ! المشيئة لا تقاس بربحٍ عابر ، بل بالقيم التي تبقى راسخة . ✨ حوارٌ يهز الأسئلة القديمة بين الجد وحفيده... 🌳 رواية : « شفرة الواحد وحديث المشيئة » — الجزء الرابع : حين يغيب العدل . 📖 بقلم الكاتب : عبد المجيد قناوي ✍️ « العدل أولاً... ثم تأتي النتيجة » 🌿
📖 رواية « شفرة الواحد وحديث المشيئة » — الجزء الرابع
🌿 المشهد الأول :
حين يغيب العدل
جلس عمي منصور على كرسيه الخشبي القديم تحت ظلال شجرة التين الهرمة ، يداعب حبات سبحته الصوفية التي دارت مع الزمن حتى غدت ملساء كحجر الوادي .
بجانبه ، كان آدم ، الحفيد ذو العينين اللامعتين بفضول لا ينطفئ ، يقلّب غصناً صغيراً في التراب ، يرسم به خطوطاً متقاطعة كأنها خريطة لبلادٍ لم يزل بعد يجهل دروبها .
التفت آدم فجأة إلى جده ، وقال بصوتٍ يملؤه التساؤل والحرقة :
— « جدي ... في الجزء الماضي تحدثنا عن الأرقام وكيف أن لكل شيء في الكون حسابه الدقيق . لكنني اليوم حزين ... رأيت في الساحة كيف أن القوي يسلب الضعيف حقه ، ثم يبتسم للحكم والحكم يغض الطرف . أين الواحد من كل هذا ؟ وأين المشيئة التي لا تظلم أحداً ؟ »
صمت عمي منصور قليلاً ، وأخذ نفساً عميقاً امتزج برائحة الأرض بعد المطر ، ثم وضع يده الخشنة على كتف الصغير وقال ببساطة لا تجدها في كثير من الكتب :
— « يا آدم ، يا قرة العين ... الدنيا ميدانٌ كبير ، يشبه تلك الألعاب التي نراها ونعيشها . أحياناً يسقط العدل بين البشر ، وتبدأ التبريرات تملأ الفضاء ... هذا يقول مصلحة ، وذاك يقول حسابات تكتيكية أو موازين قوى . لكن المشهد أكبر من مجرد لعبة يا بني ... »
🌟 المشهد الثاني :
شفرة العدل
نظر عمي منصور بعيداً نحو « الأفق الرحب » ، وتابع بصوتٍ دافئ يحمل حكمة السنين :
— « قد يُلغى هدفٌ صحيح في ملعب ، وقد يُحرم عامل من ترقية يستحقها في مصنع ، وقد يُتَّهم بريء بما لم يفعل ... تتغير الأسماء والملاعب يا آدم ، لكن سؤال العدل يبقى هو نفسه . »
اقترب آدم أكثر ، وتوقفت يده عن الرسم في التراب ، متسائلاً بنبرة حائرة :
— « ولماذا يسمح الواحد بأن تتشابك الأمور هكذا حتى يضيع الحق ؟ »
ابتسم الجد وهز رأسه برفق ، ومسح على رأس حفيده :
— « هنا تكمن الشفرة الخفية يا بني ... الناس يا آدم يرون الأرقام الكبيرة والنتائج المتباينة : واحد يفوز ، وآخر يخسر ، وهذا يملك ، وذاك يُحرم . لكنهم ينسون في زحام الحياة أن كل الأرقام في الكون ، مهما كبرت أو تعقدت ، تعود في أصلها وجذرها إلى الرقم واحد .
وكذلك العدل ؛ قد تتشعب الأحكام ، وتختلف الآراء ، وتتضارب المصالح وتعمى البصائر خلف الأسماء البراقة والوجوه القوية ، لكن الحقيقة في نهاية الأمر تظل واحدة ، لا تقبل القسمة ولا التزوير ، كما أن الشمس لا تتعدد وإن اختلفت النوافذ التي يراها الناس منها . »
🕊️ المشهد الثالث :
حديث المشيئة
حرّك آدم الغصن الصغير مجدداً ، وكأنه يحاول فك رموز هذا الكلام في التراب ، ثم قال :
— « لكن الذين سُلبوا حقهم يتألمون الآن يا جدي ... يشعرون بأن مجهودهم ذهب مهب الريح لأن الموازين كانت مائلة . »
ثبّت عمي منصور نظراته في عيني حفيده ، وقال بلهجة يملؤها اليقين المطلق الذي لا يتزعزع :
— « اعلم يا بني أن النتيجة رقمٌ يكتبه البشر على لوحة ، أما العدل فهو رقمٌ يكتبه الله في سجلٍّ لا يضيع منه شيء . وقد يتأخر ظهور ذلك السجل في أعين الناس ، لكنه لا يتأخر في ميزان الحق .
المشيئة يا آدم لا تقاس بربح عابر أو خسارة مؤقتة ، بل تقاس بالقيم التي تبقى راسخة في النفوس .
من حُرم حقاً في الأرض مع وضوح حقيقته ، فقد كسب عدالة أسمى في القلوب ، والمشيئة تؤجل الأحكام ليميز الناس الخبيث من الطيب . »
📌 الخاتمة :
العدل أولاً
تنهد آدم ، وارتسمت على وجهه علامات الارتياح بعد أن لامست كلمات جده قلبه الصغير .
رمى الغصن جانباً ، ونظر إلى شجرة التين التي تجدد أوراقها مع كل فصل ، مغيرةً ألوانها لكن أصلها ثابت في الأرض .
أمسك عمي منصور سبحته بيده ، وربط على كتف الصغير بحنان وأردف بنبرة استقرت في أعماق الوجدان :
— « تذكرها دائماً يا آدم ... فالنتائج قد تتبدل من يوم إلى يوم ، أما العدل فيبقى هو الميزان الذي لا يصدأ .
العدل أولاً ... ثم تأتي النتيجة . »
وساد صمت قصير تحت ظلال شجرة التين ، لكن آدم شعر يومها أن شيئاً في داخله قد استيقظ ؛ فقد أدرك أن البحث عن النتيجة سهل ، أما البحث عن العدل فهو رحلة العمر كلها .
✨ تم الجزء الرابع من الرواية بحمد الله وتوفيقه ✨
✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي