شفرة الواحد وحديث المشيئة...  ( الجزء الأول )
رواية

شفرة الواحد وحديث المشيئة... ( الجزء الأول )

16 جوان 2026285 مشاهدة13 دقائق للقراءة

​📚 من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم ​ ✍️ بقلم : الأستاذ عبد المجيد قناوي 🎬 الجزء الأول من رواية : شفرة الواحد .. وحديث المشيئة ⚽✨ 🌌 في ليلة هادئة من ليالي الجزائر ... جلس عمي منصور يحتسي كأس شايه المعتاد ، بينما كان حفيده آدم غارقاً في هاتفه يتابع تعليقات لا تنتهي حول مباراة الجزائر والأرجنتين . كان الجميع يتحدث عن النجوم ، والأموال ، والإحصائيات ، وحظوظ الفوز والخسارة ... لكن عمي منصور كان يرى شيئاً آخر . كان يرى أن المعركة الحقيقية لا تدور فوق العشب الأخضر فقط ، بل داخل النفوس . كيف يمكن لكلمة بسيطة مثل : « إن شاء الله » أن تثير كل هذا الجدل ؟ وهل النصر تصنعه الأقدام وحدها ، أم تصنعه أيضاً القلوب التي تعمل وتجتهد ثم تتوكل على الله ؟ في هذه الرواية القصيرة ، يأخذنا عمي منصور وحفيده آدم في رحلة ممتعة بين صخب الشاشات وسكينة الفجر ، وبين لغة الأرقام ولغة اليقين ، لنكتشف معاً سراً بسيطاً ظل يرافق المؤمنين عبر الأجيال : أن الإنسان يبذل ما يستطيع ، ثم يمضي مطمئناً وهو يقول : « إن شاء الله » . ⚽ رواية : شفرة الواحد .. وحديث المشيئة 🕊️ حكاية رياضية ، وفلسفة حياتية ، ورسالة إيمانية في ثوب قصصي مشوق . «أحياناً لا يكون أهم ما في المباراة هو من ربح ومن خسر ... بل ما الذي تغيّر في داخلنا ونحن نتابعها . » 🌿

⚽ رواية : شفرة الواحد.. وحديث المشيئة


🌌 الفصل الأول :

ضجيج الشاشة وصمت الشاي


كانت ليلة من ليالي جوان (يونيو) الدافئة لعام 2026 . في شرفة المنزل المطلة على أنوار المدينة الهادئة ، كان عمي منصور يجلس في ركنه المعتاد ، يراقب بخار شاي النعناع المتصاعد في كأسه ببطء ، وكأنه يتأمل تصاعد السنين .


على الجانب الآخر ، كان حفيده آدم (19 عاماً) يلتصق بهاتفه الذكي ، وتنعكس إضاءة الشاشة الزرقاء على وجهه المشدود . كانت أصابعه تتحرك بسرعة جنونية ، وعيناه تلاحقان التعليقات والمنشورات . أطلق آدم زفيراً حاداً يملؤه الغيظ ، وتمتم بكلمات غير مفهومة .


💭 ( حوار داخلي لعمي منصور )
«مسكين هذا الجيل.. يعيش في عالم من زجاج ، يبكيه تعليق خلف البحار ، ويغضبه افتراض لا وجود له في الواقع . إنهم يملكون كل أسباب المعرفة ، لكنهم يفقدون السكينة . يرى الضجيج في شاشته ، وأنا أرى السنن في صمت هذا الكأس . »


التفت عمي منصور إلى حفيده ، وقال بصوت رخيم هادئ :
— « يا آدم.. خفف عن نفسك ، فما أرى هاتفاً في يدك ، بل أرى جمراً تكتمه في صدرك ! ما الذي يشعل نارك في هذه الليلة ؟ »


رفع آدم رأسه ، وعيناه تلمعان بحماسة ممزوجة بالحنق :
— «يا جدي.. إنه الكبرياء ! الاستعلاء الذي يمارسه الأرجنتينيون في مواقع التواصل .

المباراة ضد الجزائر بعد ساعات ، والكل هناك يتهكم . بمجرد أن قال لاعبنا الشاب إبراهيم مازة بعفوية وثقة : سنغلب ميسي إن شاء الله ، قامت قيامتهم ! تعليقات عنصرية ، وسخرية من هويتنا ، وكأنهم خلقوا من طينة غالية ونحن من طينة رخيصة .. يتحدثون بلغة الأرقام والنجوم والمال وكأن النتيجة حسمت قبل أن تبدأ ! »


ابتسم عمي منصور ابتسامة دافئة ، وأخذ رشفة من شايه ، ثم قال :
— « دعهم يقولون يا بني .. فالإناء ينضح بما فيه . لكن قل لي ، بعيداً عن ضجيجهم ، كيف كانت نتائج بقية إخواننا في الجولة الأولى ؟ »


أجاب آدم وهو يحاول استرجاع الأرقام :
— «غريب أمر هذه الجولة يا جدي .. المغرب تعادلت مع البرازيل ، ومصر مع بلجيكا ، والسعودية مع الأوروغواي ، وحتى قطر مع سويسرا .. ما عدا تونس التي تعثرت تعثراً قاسياً برباعية . لكن الملفت للانتباه أن كل أولئك الكبار تعادلوا مع منتخباتنا بنتيجة واحدة .. ( 1 ـ 1 ) . »


🧭 الفصل الثاني :

فلسفة الرقم واحد وصراع المناهج


قال آدم مستغرباً :
— « وماذا ألاحظ ؟ تعادل إيجابي ، نقطة لكل فريق ، وبداية جيدة ! »


ابتسم عمي منصور وهو يحرك الملعقة الصغيرة في كأس الشاي ، وقال :
— «يا آدم ، الأرقام ليست دائماً مجرد حسابات جامدة . أحياناً تتحول في وجدان الأمم إلى رموز ومعانٍ . الصفر قد يصبح رمزاً للعجز والخوف عند بعض الناس ، والواحد قد يصبح رمزاً للبداية والاستقامة والوحدة . ولذلك لا أنظر إلى هذه النتيجة بعين الإحصائي فقط ، بل بعين المتأمل .

لا يا بني .. انظر أعمق . في السنوات الخالية كان أقصى طموحنا أمام البرازيل أو الأوروغواي هو الخروج بـ ( 0 ـ 0 ) . الصفر يا آدم كان يمثل عقدة الخوف ، والانكماش ، والدفاع المستميت عن المرمى طوال تسعين دقيقة دون جرأة على التقدم . الصفر كان يعني أننا نراهم كباراً ونرى أنفسنا لا شيء . »


سكت الجد قليلاً ليترك للكلمات صداها ، ثم تابع :
— «أما اليوم ، فالرقم ( 1 ) الذي كتب في خانة منتخباتنا يعني الند للند . يعني الشجاعة والجرأة . ولكن هناك ما هو أبعد من ذلك . الرقم واحد هو رمز الوحدانية .


في عالم المادة ، يظن هؤلاء الكبار أنهم يملكون الكون بأرقامهم وميزانياتهم ، لكن ثبات النتيجة عند الرقم ( 1 ) هو إشارة تذكرهم بأن القوة المطلقة ليست للبشر ، وأن التكافؤ هو الأصل ، وأن الواحد الأحد يضع سره في أضعف خلقه ليخرس الأصوات المتعالية . »


انفرجت أسارير آدم ، وبدا وكأن الكلمات غسلت بعضاً من غضبه .
— «يا سبحان الله ! لم أقرأها هكذا أبداً . كنت أراها مجرد نتيجة في موقع رياضي ، بينما أنت تراها فكاً لعقدة نفسية وتذكيراً بالتوحيد ! »


عاد آدم إلى شاشة هاتفه ، وتذكر تصريح إبراهيم مازة :
— « ولكن يا جدي .. ماذا عن إبراهيم مازة ؟ ذلك الشاب الذي لم يتجاوز العشرين ، نطق بكلمة إن شاء الله بكل عفوية ، والآن يواجه سيلاً من التهكم والكبرياء المادي من منافسيه . »


تنهد عمي منصور ، ونظر إلى السماء المرصعة بالنجوم :
— « هنا مكمن الفلسفة يا بني .. وهنا المعركة الحقيقية في مباراة الفجر . إنها ليست مباراة بين حذاء ذهبي وحذاء عادي ، بل مواجهة بين منهجين في الحياة .


المنهج الأول يعتمد على الماديات المحضة ، والأنا المنتفخة ، والغرور والكبرياء ، وثقافة : أنا وجدتها وأنا صنعتها . إنهم يثقون في الأسباب وينسون مسببها .


أما المنهج الثاني ، فهو ما نطق به ذلك الشاب بعفوية بريئة حين قال : سنغلبهم إن شاء الله .
في ثقافتنا ، إن شاء الله ليست كلمة عجز ، بل قمة القوة والانسجام . نحن نتدرب ، ونعد القوة ، ونركض في الميدان حتى تنقطع أنفاسنا ، ثم نربط هذا الجهد البشري الصغير بمشيئة الله الواسعة ، ونفوض الأمر إليه .


هذا الانسجام بين المادة والروح هو ما يفتقدونه في عالمهم المادي الجاف . »


ثم ابتسم عمي منصور وكأن ذكرى قديمة مرت أمام عينيه :
— « أتدري يا آدم ؟ عندما كنت في مثل عمرك تقريباً ، تقدمت إلى مسابقة كان الجميع يؤكد أن فرص نجاحي فيها ضعيفة جداً . بعضهم كان يملك معارف ، وبعضهم يملك إمكانات أكبر مني .
يومها بذلت جهدي كما أستطيع ، ثم قلت : إن شاء الله .
لم أكن أعلم ماذا تخبئ الأيام ، لكنني تعلمت درساً لم أنسه أبداً .

المؤمن لا يعلق آماله على الأمنيات ، ولا يعبد الأسباب ، بل يعمل بما يستطيع ثم يفوض النتائج إلى الله .


وعندما ظهرت النتائج كنت من الناجحين . يومها فهمت أن عبارة إن شاء الله ليست مخرجاً من المسؤولية ، بل تاج يوضع فوق العمل الجاد . »


💭 ( حوار داخلي لآدم )
«كم أنا صغير أمام حكمة هذا الشيخ ! كنت أريد من اللاعبين أن يردوا الشتيمة بالشتيمة في الفضاء الأزرق ، بينما جدي يريد منهم أن يردوا بالتوكل والركض في الفضاء الأخضر . إن شاء الله التي نطق بها مازة هي مظلتنا التي تحمينا من غرق الغرور ، وسلاحنا الذي نكسر به استعلاءهم . »


أغلق آدم هاتفه تماماً ، ووضعه على الطاولة مقلوباً ، كأنه يعلن هجرانه لضجيج العالم الافتراضي ، ثم التفت بكليته إلى جده :
— « إذن يا جدي ، أنت ترى أن مباراة الجزائر ضد الأرجنتين ستكون مواجهة فاصلة ؟ »


— « نعم يا بني .. فاصلة في السنن النفسية والروحية . فالكبرياء البشري الأعمى مآله السقوط دائماً أمام الفئات الصابرة المتوكلة .


اذهب الآن ونم قرير العين متوكلاً . ودع الأقدام في كانساس سيتي فجر غد تترجم هذه الخواطر . فالرد الراقي على العنصرية والاستعلاء لا يكون بالصياح في الهواتف ، بل بإثبات أن عفوية التوكل أقوى بكثير من غطرسة الماديات . »


بقي آدم وحده في الشرفة .
كانت المدينة كما هي ، والسماء كما هي ، وحتى المباراة لم تبدأ بعد ، لكن شيئاً ما بداخله تغير .


نظر إلى شاشة هاتفه السوداء بعد أن انطفأت ، فرأى انعكاس وجهه عليها . ابتسم لأول مرة منذ بداية السهرة ، وقال في نفسه :
« قبل ساعة كنت أبحث عن النصر في التعليقات والمنشورات ، أما الآن فأبحث عنه في نفسي . »


رفع بصره إلى السماء ، وتمتم بهدوء :
« إن شاء الله ... »
ثم أغلق النافذة ، واتجه إلى غرفته بقلب أخف مما كان عليه .


ومشى الجد نحو غرفته بهدوء ، بينما استلقى آدم في فراشه ، ولأول مرة كان يترقب الفجر لا بخوف المتوترين ، بل بسكينة المتوكلين .

⏳ الفصل الثالث :

قبل أن تدور الكرة

كان الليل يلف المدينة بردائه الأخير ، حين اخترق صمت الغرفة صوت المنبه .

فتح آدم عينيه ببطء . نظر إلى الساعة المضيئة بجانب سريره . كانت تشير إلى الرابعة إلا ربعاً فجراً ( الثانية صباحاً بتوقيت الجزائر ) .

لثوانٍ قليلة نسي سبب استيقاظه المبكر ، ثم تذكر .. مباراة الجزائر والأرجنتين .

مد يده تلقائياً نحو هاتفه الموضوع فوق الطاولة الصغيرة . توقف . ابتسم .

في الليلة الماضية كان أول ما يفعله عند الاستيقاظ هو تفقد مواقع التواصل ، أما اليوم فقد تذكر كلمات جده .

سحب يده من الهاتف ، وجلس على طرف السرير .

كان البيت غارقاً في السكون . ومن بعيد بدأ صوت مؤذن المسجد يرتفع في الهواء الهادئ :

«الصلاة خير من النوم ...»

شعر آدم بقشعريرة خفيفة تسري في جسده ، وردد في نفسه :

— « فعلاً ... الصلاة خير من النوم ، وخير من القلق أيضاً . »

نهض نحو دورة المياه وتوضأ .

كان الماء البارد يوقظه أكثر من أي منبه . ومع كل غرفة ماء على وجهه كان يشعر أن شيئاً من ضجيج الأمس يغادره .

بعد دقائق وقف إلى جوار جده في غرفة الجلوس .

كان عمي منصور قد سبقه إلى الاستيقاظ . جلس بهدوئه المعتاد ، وبين يديه مصحف مفتوح ، وعلى الطاولة كأس شاي ساخن ينبعث منه بخار خفيف .

رفع رأسه مبتسماً :

— « أهلاً بمشجع الفجر . »

ضحك آدم :

— « وأهلاً بفيلسوف الشاي . »

ابتسم الجد وأغلق المصحف برفق ، ثم قال :

— « قبل أن تبدأ المباراة يا آدم ، هناك سؤال أهم من النتيجة . »

استغرب آدم :

— « أهم من النتيجة ؟ »

أومأ الجد برأسه :

— « نعم . لو فازت الجزائر ، ماذا ستتعلم ؟ ولو خسرت ، ماذا ستتعلم ؟ »

سكت آدم قليلاً .

ولأول مرة أدرك أن الحكمة لا تنتظر صافرة الحكم ، بل تبدأ قبلها .

في تلك اللحظة بالذات ، كانت شاشة التلفاز تضيء معلنة بدء الاستوديو التحليلي ، وبدأت عقارب الساعة تقترب من موعد المباراة .

أما المعركة الحقيقية ... فقد بدأت بالفعل داخل قلب آدم .

🏟️ الفصل الرابع :

فجر المشيئة وصخب المستطيل

⚔️ المشهد الأول :

صدام المادة والروح تحت الأضواء

صعد صوت المعلق حفيظ دراجي مزمجراً عبر الشاشة :

« بسم الله الرحمن الرحيم ، مشاهدينا الكرام .. هنا كانساس سيتي ، هنا ملحمة الخضر ضد أبطال العالم ! »

كانت الكاميرا تتنقل بين وجوه اللاعبين أثناء عزف النشيد الوطني .

ظهر ميسي بملامحه الهادئة الواثقة ، يحيط به تاريخ حافل بالألقاب والإنجازات ، وفي المقابل ركزت الكاميرا على وجه الشاب إبراهيم مازة .

كانت عيناه تلمعان بتركيز حاد ، وشفتيه تتحركان بتمتمة خفيفة . لم يخطئها قلب آدم .

كان يقرأ المعوذات ويختمها بقوله :

« توكلت على الله . »

💭 ( حوار داخلي لآدم )

« شتان بين النظرتين ! نظرة تختزل تاريخاً من الإنجازات البشرية ، ونظرة تختزل روحاً مؤمنة جمعت بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله . يا رب ، ثبت أقدامهم . »

انطلقت المباراة ، ومعها انطلق الإعصار الأرجنتيني .

ضغط رهيب ، وتمريرات سريعة ، وخبرة كبيرة تتحرك فوق العشب الأخضر .

أما لاعبو الجزائر فكانوا يقاتلون على كل كرة ، ويطبقون تكتيكاً منضبطاً أغلق كثيراً من المنافذ خلال الدقائق الأولى من اللقاء .

🧤 المشهد الثاني :

اهتزاز الشباك واختبار اليقين

وفي الدقيقة الخامسة والثلاثين ، ومن لمحة فنية خاطفة ، مررت كرة بينية اخترقت الجدار الدفاعي ، لتستقر في الشباك الجزائرية .

اهتز الملعب ، وارتجف معه قلب آدم .

شعر بغصة في حلقه ، ووجد أصابعه تتحرك تلقائياً نحو هاتفه المغلق ، وكأن عقله يريد الهروب إلى عالم التبريرات والتعليقات الغاضبة .

التفت إلى جده بوجه شاحب :

— « لقد سجلوا يا جدي ! انظر كيف يحتفلون ... هل ستضيع كل هذه الروحانيات أمام قوتهم ؟ »

حافظ عمي منصور على هدوء ملامحه ، ولم يتزحزح قيد أنملة .

نظر إلى آدم بعينين مطمئنتين وقال :

— « اهدأ يا بني ولا تبتئس . ألم نتفق أن إن شاء الله ليست تعويذة سحرية تمنع الأهداف ، بل تفويض للمشيئة بعد بذل الأسباب ؟

لقد قدموا سبباً فنجح في هذه اللقطة ، وهذا حقهم في قانون السعي البشري .

لكن المؤمن لا ينهار عند أول عثرة ، لأن قوته مستمدة من الحي الذي لا يموت ، لا من نتيجة على لوحة الملعب .

انتظر وانظر كيف سيكون رد فعل المحاربين .. هل سينحنون للكِبر ، أم سيستحضرون شفرة الواحد ؟ »

سكت آدم ، وأرجع هاتفه إلى جيبه ، وأخذ نفساً عميقاً .

ثم نظر إلى الشاشة فرأى إبراهيم مازة يصفق بيديه ويحث زملاءه قائلاً :

«ما زال الوقت مبكراً .. ارفعوا رؤوسكم ! »

🔢 المشهد الثالث :

شفرة الواحد تتجلى ودرس الثبات

انطلق الشوط الثاني .

وبدا أن شيئاً ما قد تغير في معسكر الخضر .

لم يكن هناك خوف ، بل ثبات واندفاع هجومي مدروس يكسر رهبة المنافس .

وفي الدقيقة السبعين ، ومن هجمة مرتدة منظمة بدأت بافتكاك الكرة من وسط الميدان ، قاد إبراهيم مازة الهجوم .

راوغ المدافع الأول بثقة ، ثم أطلق تسديدة قوية استقرت في أقصى الزاوية اليمنى للحارس .

اهتزت الشباك بعنف .

قفز آدم من مكانه صارخاً :

— « الله أكبر ! الهدف ! سجلها مازة يا جدي ! سجلها من نطق بالمشيئة ! »

تعلقت عيناه باللوحة الإلكترونية للملعب ، فإذا بالنتيجة تضيء في عتمة الفجر :

✨ الجزائر 1 ـ الأرجنتين 1 ✨

ابتسم عمي منصور ابتسامة هادئة ، ورفع سبابته قائلاً :

— « انظر إليها يا آدم ... شفرة الواحد تعود من جديد .

ليس لأنها رقم سحري ، بل لأنها تذكر الجميع أن القوة ليست ملكاً لأحد ، وأن الميدان لا يعترف إلا بمن يبذل جهده . »

لكن المباراة لم تنته بعد .

ازدادت شراسة الأرجنتينيين بعد الهدف ، وارتفع إيقاع اللقاء إلى درجة غير مسبوقة .

كانت الهجمات تتبادل كالأمواج المتلاطمة ، وكل فريق يبحث عن الضربة القاضية .

وفي الدقيقة الخامسة والثمانين ، وصلت الكرة إلى مازة داخل منطقة الجزاء .

راوغ مدافعاً ... ثم ثانياً ...

وأصبح في مواجهة الحارس مباشرة .

حبس آدم أنفاسه .

وقف نصف وقفة من مكانه .

سدد مازة ...

لكن الكرة مرت بمحاذاة القائم الأيسر بسنتيمترات قليلة .

ضرب آدم كفيه ببعضهما بحسرة :

— « آه ... كانت فرصة الفوز يا جدي ! »

لكن عمي منصور لم يبد عليه الانزعاج ، بل قال بهدوء :

— « وربما كانت فرصة لتعلم درس أعظم . »

نظر إليه آدم باستغراب :

— « أي درس ؟ »

فأجاب الجد :

— «يا بني ، المؤمن لا يقيس نجاحه بالنتيجة وحدها ، بل بالثبات على المنهج .

لو سجلها لفرحنا ، ولو ضاعت فلن نخسر ما تعلمناه الليلة .

لقد دخل اللاعبون الميدان بشجاعة ، وقاوموا ، ولم يستسلموا ، وهذا في حد ذاته انتصار . »

مرت الدقائق الأخيرة ثقيلة كأنها ساعات .

ثم دوّت صافرة النهاية معلنة انتهاء الملحمة بالتعادل :

✨ الجزائر 1 ـ الأرجنتين 1 ✨

ساد الملعب ضجيج الجماهير عبر الشاشة ، بينما عم صمت عجيب داخل قلب آدم .

لم يكن صمت خيبة ، ولم يكن صمت فرح مبالغ فيه ، بل كان صمت فهم جديد .

نظر مرة أخرى إلى لوحة النتيجة ، ثم قال بصوت خافت :

— « الآن فهمت يا جدي ... لم تكن شفرة الواحد على اللوحة فقط . »

ابتسم الجد قائلاً :

— « وأين كانت إذن ؟ »

أجاب آدم وعيناه معلقتان بالملعب ، ووضع يده فوق صدره :

— «كانت هنا ... في القلب الذي تحرر من الخوف ، وتعلم أن يعمل ، ثم يقول بثقة : إن شاء الله . »

وفي تلك اللحظة الروحية الخالصة ، انطلق صوت الأذان معلناً صلاة الفجر من المسجد المجاور .

فقام الجد وحفيده كتفاً بكتف ، يلبّيان نداء الواحد الأحد .

وكانت النتيجة على لوحة الملعب تعادلاً ، أما النتيجة في القلب فكانت انتصاراً كاملاً .

🕊️ تم الحزء الأول من الرواية بحمد الله وتوفيقه .

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر