📚 صدى الطّباشير القديم
رواية

📚 صدى الطّباشير القديم

12 جوان 2026443 مشاهدة9 دقائق للقراءة

« صدى الطّباشير القديم » 🏡 من سلسلة حكايات عمي منصور ✍️ بقلم الكاتب والروائي : عبد المجيد قناوي 🌿 مرحبًا بكم في ظلال الذاكرة... تمضي الحياة مسرعة ، وتتبدل الوجوه والأيام ، لكن تبقى هناك حكايات لا يبهت نورها ؛ لأنها لم تُكتب للتسلية ، بل لتحفظ القيم ، وتوقظ الوفاء ، وتمنح الذاكرة حقها في البقاء . في هذه الرواية ، لن أحدثكم أنا... بل سأترك لكم المجال لتجلسوا إلى جوار عمي منصور ، تحت ظلال شجرة التوت العتيقة ، حيث تمتزج الحكمة بالمحبة ، ويصبح لكل كلمة أثر ، ولكل ذكرى نبض ، ولكل معلم صدى لا يخفت مع مرور السنين . لقد استُلهمت هذه الحكاية من روح الوفاء التي سطّرها الطبيب الأديب الدكتور ياسين لحلو في يومياته السدراتية ، وهو ما دفعني إلى نسج هذه الرواية تحيةً للمعلم ، وللكلمة الصادقة ، وللذاكرة التي تحفظ جميل الرجال . 📖 وأدعوكم الآن لمرافقة عمي منصور في هذه الرحلة الإنسانية ، واكتشاف أحداث رواية « صَدَى الطَّبَاشِير القَدِيم »

​✒️ صَدَى الطَّبَاشِير القَدِيم

« L’Écho des vieilles craies »

​🏡 من سلسلة حكايات عمي منصور

​✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي

​" ليست كل الحكايات تُروى للتسلية ؛ فبعضها يُروى حتى تبقى القيم حيّة في القلوب ، ولا يطويها النسيان . "

​📖 الفصل الأول :

​تحت ظلال شجرة التوت

​كان الغسق ينسدل على القرية في هدوء ، والطيور تعود إلى أعشاشها بعد يوم طويل . جلس " عمي منصور " تحت شجرة التوت العتيقة أمام البيت ، يتأمل السماء وقد تلونت بحمرة المغيب الدافئة .

​كان يقلب نظارته الطبية بين يديه ، بينما بدت عيناه الساهيتان وكأنهما تقلبان صفحاتٍ من زمن بعيد .

​اقترب منه حفيده " آدم " ، وجلس إلى جواره في سكينة ، ثم قال بعد لحظة صمت :

— " جدي ، لماذا كلما بدأت تحكي عن زمانكم ، سكت الناس وأنصتوا إليك ؟ "

​ابتسم " عمي منصور " وقال :

— " لأن الماضي يا بني ليس مجرد سنوات طواها الزمن ، بل هو مدرسة حية مليئة بالدروس والعبر . "

​ثم أضاف وهو يصوّب نظره نحو الأغصان الممتدة :

— " الناس لا يستمعون إليّ أنا ، بل يستمعون إلى الحكايات الصادقة التي أحملها عن رجال ونساء تركوا آثارًا طيبة في هذه الحياة . "

​سكت قليلًا ثم تابع :

— " الكلمة الطيبة يا آدم كالبذرة ؛ قد لا يلتفت إليها أحد وهي صغيرة ، لكنها إذا وقعت في أرض طيبة ، كبرت يومًا بعد يوم حتى تصبح شجرة يستظل بها الناس ، ويأكلون من ثمرها . "

​هزّ آدم رأسه بإعجاب وقال :

— " إذن ، فالكلمات يمكن أن تعيش عمرًا أطول من أصحابها ؟ "

​ابتسم الجد بحنو وقال :

— " نعم يا بني ، بل إنها تضيء دروبًا لأجيال كاملة . "

📖 الفصل الثاني :

​دورة الوفاء

​اعتدل " عمي منصور " في جلسته ، ونبرة صوته تكتسي وقارًا ، ثم قال :

— " سأقص عليك اليوم حكاية عشت تفاصيلها بنفسي . "

ارتسمت علامات الفضول والدهشة على وجه آدم .

​قال الجد :

— " عندما كنت في مثل عمرك تقريبًا ، كنت أجلس على مقعد خشبي بسيط في مدرسة قريتنا الصغيرة . كان لنا معلم فاضل ، نحبه ونجله جميعًا ؛ لم يكن يعلمنا القراءة والحساب فحسب ، بل كان يبني فينا قيم احترام الناس ، والصدق ، وتحمل المسؤولية . "

​تنهد قليلًا واسترسل :

— " كنت أراقبه بصمت ، فأتعلم من نبل أخلاقه قبل حبر كلماته . ومع مرور السنوات كبرتُ ، ودارت الأيام حتى أصبحتُ أنا بدوري معلمًا ثم مديرًا للمدرسة . "

​ابتسم وكأنه يسترجع شريطًا سينمائيًا قديمًا :

— " وذات يوم ، دخل إلى مكتبي أربعة أطفال صغار لتسجيلهم في المدرسة .

​نظرت إلى أسمائهم في الأوراق ، فخفق قلبي بقوة ؛ ما إن قرأت أسماءهم حتى عاد بي الزمن سنوات طويلة ...

عرفت أنهم أبناء معلمي الأول ؛ الرجل الذي علمني كيف أقرأ ، وكيف أحترم الناس ، وكيف يكون الإنسان إنسانًا ! وكان يردد دائمًا : العلم يرفع صاحبه إذا رفع معه أخلاقه . "

​اتسعت عينا آدم دهشة وقال :

— " أبناء معلمك القديم ؟ ! "

— " نعم يا بني . في تلك اللحظة تجلى لي كيف يدور الزمن دورته العجيبة ؛ تلميذ الأمس أصبح اليوم معلّمًا ومربيًا لأبناء أستاذه . "

​ثم أضاف بصوت مفعم بالمحبة :

— " كنت كلما نظرت إليهم أرى ملامح والدهم العظيم تجسد أمامي ؛ لذلك حاولت جاهدًا أن أمنحهم من الرعاية ، والحب ، والاهتمام ما كنت قد تلقيته من أبيهم يومًا . "

​سكت قليلًا ، ثم خيمت نبرة حزن خفيفة على صوته :

— " وقبل أيام قليلة ، ودعنا ذلك المعلم الكبير ، وشيعناه إلى مثواه الأخير ... وكأن صفحةً من أجمل صفحات العمر قد طُويت ، وبقي عبيرها في الذاكرة . "

​انخفض صوت الجد قليلًا وعيناه تلمعان :

— " وقفتُ أمام جموع المشيعين ألقي كلمة التأبين ؛ كنت أستحضر فضله ومحاسنه بقلب ينبض بالوفاء ، بينما كان أحد أبنائه الذي كان يومًا من تلاميذي النجيبين — يقف إلى جانبي يمسح دموعه ويؤمّن على كلماتي ودعواتي .

​وقفت يومها أدعو له ، وأنا أشعر أنني لم أكن أودع معلمًا فحسب ، بل أودع جزءًا جميلًا من طفولتي . "

​تنهد ثم قال في يقين :

— " عندها أدركت أن الخير نهر لا ينضب ... والنهر يا آدم لا يشرب من مائه ، وإنما يجري ليُحيي غيره . المعلم الأول غرس فينا القيم ، ونحن تعهدنا بغرسها في أبنائه ، وهكذا تستمر الرسالة التربوية وتنتقل الأمانة من جيل إلى جيل . "

​📖 الفصل الثالث :

​القلم ... والقلب المتسامح

ظل آدم صامتًا لحظات طويلة ، يتدبر في عمق ما سمعه من حكمة .

​كان يعلم علم اليقين أن جده عانى في السنوات الأخيرة من وعكات صحية ومتاعب كثيرة ، ومع ذلك ، لم يتوقف يومًا عن خدمة الناس ، أو نشر الوعي ، أو المشاركة في مجالس الخير والإصلاح .

​قال آدم :

— " جدي ، رغم كل المتاعب الصحية التي ألمت بك ، ما زلت تكتب بقلمك كل يوم ، وتلقي المحاضرات ، وتشارك الناس أفراحهم وأتراحهم ؛ فمن أين تنهل كل هذه الطاقة ؟ "

​ابتسم " عمي منصور " وعلامات الرضا ترتسم على محياه :

— " يا بني ، من يعيش لنفسه يتعب سريعًا ، ومن يعيش لينفع الناس يجد الله يفتح له أبوابًا من القوة لا تخطر له على بال ... فالعطاء لا يُنقص العمر ، بل يملؤه بركة . "

​ثم أضاف موجهًا وموعيًا :

" العلم يا بني لا قيمة له إن لم يُتوَّج بالتواضع والرحمة . كم من إنسان يحمل الشهادات ، ولا يحمل محبة الناس ، وكم من رجل بسيط لا يعرف إلا القليل ، لكنه إذا حضر فرح الناس بقدومه ، وإذا غاب افتقدوه . قيمة الإنسان ليست فيما يحفظه من الكتب ، بل فيما يتركه من أثر في القلوب .

​لقد علمتني التجارب أن أختلف مع الناس دون أن أعاديهم ، وأن أتحاور معهم بلغة الحكمة والاحترام ، فالإنسان الحكيم هو من يملك عقلًا منفتحًا وقلبًا متسامحًا . "

​نظر آدم إلى جده بفخر واعتزاز وقال :

— " لهذا السبب يجمع الناس على محبتك وتوقيرك . "

​إبتسم الجد إبتسامة خفيفة وقال :

— " بل لأن القلوب مجبولة على حب الكلمة الطيبة ؛ فالقلوب تُفتح بالمحبة واللين أكثر مما تُفتح بالقسوة والخصام . "

​ثم أردف قائلًا :

— " الذاكرة البشرية قد تنسى أسماء كثيرة ، لكنها أبدًا لا تنسى من مدّ لها يد العون ، أو ترك في الوجدان موقفًا نبيلًا . "

.

الخاتمة :

​الأثر الباقي

.

​حلّ الليل تمامًا ، وبدأت النجوم تتلألأ كدرر منثورة في كبد السماء .

​نظر " عمي منصور " إلى حفيده بعينين تملؤهما الآمال ، وقال :

— " يا آدم ، البشر يرحلون جميعًا عن هذه الدنيا ، لكن آثارهم تبقى خالدة ؛ بعضهم يترك مالًا فانيًا ، وبعضهم يترك جدرانًا وبنيانًا ، وأجملهم وأبقاهم ذكرًا من يترك علمًا نافعًا ، أو خلقًا حسنًا ، أو كلمة طيبة ترعى القلوب . "

​سأل آدم بنبرة طامحة :

— " وما الذي يجب عليّ أن أفعله منذ الآن لأترك أثري الجميل في هذا العالم ؟ "

​ابتسم الجد بحنان دافئ ، وربت على كتفه قائلًا :

— " اقرأ كثيرًا لتغذي عقلك ، وتعلّم باستمرار ، وأحب الناس بصدق ، وسارع في مساعدة من تستطيع ، واكتب بقلمك كل ما ينفع غيرك ويهديهم .

​وتذكر يا آدم ... الكتاب صديق لا يخون ، والمعلم أبٌ ثانٍ ، والكلمة الطيبة صدقة تبقى بعد رحيل صاحبها .

​يا آدم ... لا تجعل همك أن يعرف الناس اسمك ، بل اجعل همك أن يدعو لك الناس إذا غبت . فالاسم قد يبهت مع الأيام ، أما الدعوة الصادقة فتبقى تصعد إلى السماء ، ويظل أثرها حيًا بعد رحيل صاحبها . "

​رفع آدم رأسه نحو السماء المضيئة بالنجوم ، وشعر أن كلمات جده لم تكن مجرد حكاية عابرة عن معلم رحل ، بل كانت دستورًا ووصية لحياة كاملة مفعمة بالعطاء .

​ومنذ تلك الليلة الفريدة ، اتخذ الفتى قراره ؛ أن يحمل دائمًا كتابًا يُنير عقله ، وقيمًا نبيلة تسكن قلبه ، وأن يسير بخطى ثابتة على نهج جده " عمي منصور " ، مؤمنًا وموقنًا بأن أجمل ما يخلّفه الإنسان وراءه هو الأثر الطيب في نفوس البشر .

​وحين نهض عمي منصور من تحت شجرة التوت ، خُيّل إلى آدم أن صدى طباشير المعلم القديم ما زال يتردد في أرجاء القرية ... وأن الدرس الحقيقي لا ينتهي بخروج التلاميذ من القسم ، بل يبدأ حين يحملونه معهم إلى الحياة .

​✨ تمّت بحمد الله .

Dédicace ✒️

  • À mon cher frère, le Docteur Yacine Lahlou, originaire de notre chère ville de Sédra­ta

    À l’écrivain médecin, compagnon de la plume et de la parole sincère

    À celui qui a su unir la mission de la médecine à celle de la littérature ; vous avez soigné les corps par votre savoir et préservé la mémoire de votre ville par votre plume

    Vous êtes de ceux qui ont porté Sédra­ta dans leur cœur, faisant de vos « Chroniques de Sédra­ta » un espace où revivent ses hommes et ses femmes, et où sont honorés les parcours de celles et ceux qui ont laissé des empreintes lumineuses dans son histoire et dans la mémoire de ses habitants

    Certaines des pages que vous avez écrites dans vos « Chroniques de Sédra­ta » ont été une source d’inspiration pour cette œuvre, « L’Écho des vieilles craies » De la série « Les récits de Ami Mansour ; quant à ses événements, ses personnages et sa trame narrative, ils relèvent de l’imagination littéraire. Ce récit puise son inspiration dans les valeurs de fidélité envers l’enseignant, de préservation de la mémoire et de reconnaissance envers celles et ceux qui ont façonné l’être humain avant de former les générations

    C’est l’histoire d’un enseignant qui quitte ce monde, mais dont l’empreinte demeure, et l’histoire de valeurs qui se transmettent d’une génération à l’autre, comme un héritage confié aux fidèles

    Je vous offre humblement cette œuvre en hommage à votre plume noble, et en fidélité à l’esprit de notre ville qui nous a réunis autour de l’amour du savoir, de la littérature et des hommes et des femmes qui ont su faire la différence

    Que votre plume demeure le témoin que le bien est une rivière qui ne se tarit jamais, et que l’empreinte de l’enseignant, du médecin et de l’écrivain reste vivante dans la mémoire des générations

    Votre frère, profondément attaché à Sédra­ta

    Abdelmadjid Guenaoui

✒️إهداء

إلى الأخ العزيز ، وابن مدينتي سدراتة ،
الدكتور ياسين لحلو...

إلى الطبيب الأديب ، ورفيق الحرف والكلمة الصادقة...

إلى من جمع بين رسالة الطب ورسالة الأدب ؛ فكان يُداوي الأجساد بعلمه ، ويحفظ ذاكرة مدينته بقلمه .

لقد كنتَ من الأوفياء الذين حملوا سدراتة في قلوبهم ، فجعلتَ من " يومياتك السدراتية " فضاءً لاستحضار رجالها ونسائها ، وتخليد مآثر الذين تركوا بصمات مضيئة في تاريخها ووجدان أهلها .

وكان لبعض ما سطَّرته في « يومياتك السدراتية » فضلُ إلهام فكرة هذه الرواية « صَدَى الطَّبَاشِير القَدِيم » من سلسلة حكايات عمي منصور ؛ أما أحداثها وشخصياتها وحبكتها ، فهي من نسج الخيال الأدبي ، تستلهم قيم الوفاء للمعلم ، وحفظ الذاكرة ، والاعتراف بجميل من صنعوا الإنسان قبل أن يصنعوا الأجيال .

إنها حكايةً عن المعلم الذي يغادر الحياة ويبقى أثره ، وعن القيم التي تنتقل من جيل إلى جيل كما تنتقل الأمانة بين الأوفياء .

أهديك هذا العمل تقديرًا لقلمك النبيل ، ووفاءً لروح مدينتنا التي جمعتنا على محبة العلم والأدب والرجال الذين صنعوا الفرق .

فليظل قلمك شاهدًا على أن الخير نهر لا ينضب ، وأن أثر المعلم والطبيب والأديب يبقى حيًّا في ذاكرة الأجيال .

أخوك وابن سدراتة

عبد المجيد قناوي

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

18 - 7 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.