📘 صَدَى الدُّرُوجِ
قصة

📘 صَدَى الدُّرُوجِ

7 أكتوبر 2026215 مشاهدة8 دقائق للقراءة

🌿 صَدَى الدُّرُوجِ ✍️ بقلم الكاتب والمؤلف : عبد المجيد قناوي 👨‍🦳👦 في زوايا أحياءنا الدافئة ، حيث تلتقي خطوات العابرين على دروج البنايات، تتخفى قصصٌ لا تُسمع أصداؤها إلا لمن يصغي بقلبه . بين صمت الكبار الواعي ، وحيرة الشباب المكتومة ، يأخذنا العم منصور وحفيده " آدم " في رحلة إنسانية هادئة ، لتأمل موقفٍ بسيطٍ كشف عن عمق الفجوة بين جيلين ، وأضاء بلمسة حكمة كيف يمكن لكلمة طيبة أن تبني جسراً يردم المسافات بين القلوب .

🌿 صدى الدروج

حكاية صباحية بين جيلين

✍️ بقلم : عبد المجيد ڨناوي

📚"قصة قصيرة اجتماعية ذات أبعاد سوسيولوجية ونفسية وتربوية

كان صباح الحي هادئًا كعادته .

أبواب تُفتح ببطء ، وخطوات تتردد على الدروج ، وصوت بائع الخبز يأتي من بعيد ، بينما كانت رائحة القهوة تتسلل من بعض البيوت قبل أن يستيقظ الشارع تمامًا .

خرج العم منصور كعادته لقضاء بعض حاجاته ، وعاد يحمل كيس الخبز والحليب .

لكن شيئًا ما كان أثقل من الكيس في يده .

كان موقفًا صغيرًا في ظاهره ، لكنه ظل يطرق في رأسه طوال الطريق .

عندما دخل البيت ، وضع ما بيده على الطاولة ، ثم جلس في صالونه وسكت .

لم يكد يستريح حتى دخل عليه حفيده آدم .

كان آدم شابًا في العشرينيات ، طالبًا جامعيًا ، كثير الأسئلة ، يحب أن يفهم الأشياء قبل أن يحكم عليها . وكان جده يعرف فيه شيئًا يحبه : أنه لا يخاف من مناقشته ، لكنه لا يناقشه بقسوة .

نظر آدم إلى وجه جده وقال مبتسمًا :

- « خير يا جدي؟ يبدو أن الدروج تركت في رأسك صدى هذا الصباح ! »

ابتسم العم منصور ابتسامة خفيفة وقال :

- « والله يا بني ، يبدو أن بعض الكلمات لا تحتاج إلى صوت عالٍ حتى تبقى في الرأس . »

جلس آدم أمامه وقال :

- « ماذا حدث ؟ »

تنهد العم منصور وقال :

  • « مررت في مدخل الحي ، فوجدت صابراً ، صاحب السوبرماركت الجديد - مع أنه ليس من أبناء الحي أصلًا - جالسًا مع صديق له في ممر الدروج . كانا يشغلان المكان حتى صار المرور صعبًا على الناس . سلمت عليه وقلت له مداعبًا : "واش جابك للحومة ؟ " »

​توقف قليلًا ، ثم تابع :

  • ​« فإذا به ينظر إليّ بوجه عابس ويقول : "هذي حومتي ! "

سكت آدم .

فقال العم منصور :

- « يا بني ، لم أفهم ماذا أصابه. أنا أعرفه منذ سنوات . شاب متعلم وخريج جامعة . كنت أظن أن الكلمة الطيبة لا تضر أحدًا . لكنني رجعت إلى البيت وأنا أفكر : لماذا سلمت عليه أصلًا ؟ ربما الأفضل أن أعامله كما يعامل الناس بعضهم بعضًا ، وأسكت . »

ابتسم آدم بهدوء وقال :

- « لا يا جدي... لا تغيّر قلبك بسبب كلمة من شخص آخر . »

رفع العم منصور عينيه إليه :

- « ولكن هل أسكت عن قلة الأدب ؟ »

قال آدم :

- « لا. لكن هناك فرق بين أن تفهم الخطأ ، وأن تبرره . »

سكت العم منصور قليلًا .

ثم قال :

- « وضّح لي يا فيلسوف العائلة . »

ضحك آدم وقال :

- « أنت الذي علمتني أن الإنسان لا ينبغي أن يحكم على الكتاب من غلافه ، واليوم سأطبق درسك عليك . »

ابتسم العم منصور :

- « هات ما عندك . »

قال آدم :

- « يا جدي ، أنت رأيت شابًا عابسًا ، فقلت : هذا سيئ الطباع . أما أنا فأرى شابًا عابسًا ، وأسأل : ماذا حدث له حتى أصبح هكذا؟ »

قال العم منصور :

- « وهل كل من كان عابسًا عنده قصة ؟ »

أجاب آدم :

- « ليس بالضرورة. لكننا لا نعرف القصة التي وراء الوجه . وهذا وحده يجعلنا أكثر حذرًا في الحكم . »

سكت قليلًا ، ثم تابع :

- « هذا الشاب خريج جامعة . درس سنوات ، وتعب ، وانتظر فرصة عمل ربما لم تأتِ . يرى أصدقاءه يهاجرون ، وآخرين يبحثون عن واسطة ، وآخرين يعيشون على أعمال مؤقتة . وربما أصبح يشعر أن الشهادة التي تعب من أجلها لم تمنحه المكان الذي كان يحلم به . »

قال العم منصور :

- « أفهم هذا يا بني ، لكن هل البطالة تعطي الإنسان الحق في إهانة الناس؟ »

هز آدم رأسه :

- « لا يا جدي . الألم يفسر بعض التصرفات ، لكنه لا يجعل الخطأ صوابًا . »

نظر إليه العم منصور بإعجاب .

فقال آدم :

- « المشكلة أن بعض الشباب عندما يتعبون ، يبحثون عن شخص يحمّلونه مسؤولية كل شيء . فينظرون إلى جيلكم وكأنكم عِشتم في راحة كاملة ، وأنتم الذين أغلقتم الأبواب في وجوههم . »

قال العم منصور :

- « ولكننا أيضًا تعبنا يا آدم . لم نجد الدنيا مفروشة لنا بالورد . »

- « أعرف ذلك يا جدي . وأنا أول من يعرفه . »

ثم أضاف :

- « لكن الشباب لا يرون دائمًا ما دفعه الجيل السابق من ثمن ، كما أن الجيل السابق لا يرى دائمًا حجم الضغط الذي يعيشه الشباب اليوم . وهنا تبدأ المسافة بين الاثنين . »

رفع العم منصور حاجبيه وقال :

- « يعني كل واحد يرى نصف الحكاية ؟ »

ابتسم آدم :

- « وربما أقل من نصفها . »

ضحك العم منصور وقال :

- « هذه المرة أصبت . »

ثم سكت قليلًا ، وقال :

- « لكن قل لي يا آدم : ماذا أفعل إذا كررها ؟ »

أجاب آدم :

- « سلّم عليه . »

تعجب العم منصور :

- « بعد أن رد عليّ بتلك الطريقة ؟ »

- « نعم . »

- « ولماذا ؟ »

قال آدم :

- « لأنك إذا قاطعته ، فقد أصبحت مثله في شيء واحد : جعلت لحظة سيئة تتحكم في علاقتك به . أما إذا سلمت عليه ، فقد حافظت على أخلاقك دون أن تتنازل عن كرامتك . »

فكر العم منصور في كلامه .

ثم قال :

- « يعني لا أبرر له ، ولا أعاقبه في قلبي . »

قال آدم :

- « بالضبط . افهمه ، لكن لا تبرر خطأه . احترمه ، لكن لا تسمح له أن يهينك . واترك له باب الرجوع مفتوحًا . »

نظر العم منصور إلى النافذة ، وكأنه يستعيد مشهد الدرج من جديد .

ثم قال :

- « تعرف يا آدم ؟ ربما كنت غاضبًا من كلمته ، أكثر مما كنت غاضبًا منه . »

قال آدم :

- « وما الفرق ؟ »

ابتسم العم منصور وقال :

- « إذا غضبت من الإنسان ، قد تقطعه . أما إذا غضبت من الكلمة ، فقد تنتظر حتى يهدأ صاحبها . »

سكت آدم لحظة ، ثم قال :

- « هذه هي الحكمة يا جدي . »

هز العم منصور رأسه :

- « لا تستعجل. الحكمة أحيانًا تأتي بعد أن نتعب من الخطأ . »

ضحك آدم .

ثم قال العم منصور :

- « لكن عندي شيء آخر تعلمته اليوم . »

- « ماذا ؟ »

قال :

- « لا ينبغي أن أجعل شابًا واحدًا يتكلم باسم جيله كله . كما لا ينبغي أن أجعل غضبي منه يجعلني أكره جيله كله . »

قال آدم :

- « ولا ينبغي للشاب أن يجعل ظروفه الصعبة تجعله يكره كل من سبقه . »

ثم أضاف :

- « يا جدي ، نحن بحاجة إلى جسور بين الأجيال ، لا إلى جدران . »

ابتسم العم منصور وقال :

- « والجسر يا بني لا يبنى من طرف واحد . »

- « صحيح . »

- « الكبير عليه أن يقترب قليلًا ، والصغير عليه أن يتقدم قليلًا . »

- « وإذا بقي كل واحد في مكانه ؟ »

نظر العم منصور إليه وقال :

- « يصبح الدرج هو المكان الوحيد الذي يجمعهما... وكل واحد يصعد وحده ! »

ضحكا معًا .

وفي صباح اليوم التالي ، خرج العم منصور كعادته .

وعندما وصل إلى الدرج ، وجد الشاب نفسه جالسًا في المكان ذاته .

توقفت خطوات العم منصور للحظة .

نظر إليه .

ثم قال بهدوء :

- « السلام عليكم . »

رفع الشاب رأسه .

وبدا عليه شيء من التردد .

ثم قال :

- « وعليكم السلام... »

واصل العم منصور طريقه دون عتاب ، ودون أن ينتظر اعتذارًا .

لكن بعد أن ابتعد خطوات ، سمع صوت الشاب من خلفه :

- « عمي منصور... »

توقف .

التفت إليه .

قال الشاب بصوت أخف من الأمس :

- « سامحني... كنت متعصّب شوية . »

ابتسم العم منصور وقال :

- « ولا يهمك يا بني . كلنا تمر علينا أيام ثقيلة . المهم ألا نجعل ثقل يومنا فوق قلوب الناس . »

خفض الشاب رأسه وقال :

- « عندك الحق . »

ثم افترقا .

لكن شيئًا ما تغير في ذلك الدرج .

لم يتغير الحجر .

ولم يتغير الحي .

الذي تغير هو المسافة بين قلبين .

عاد العم منصور إلى البيت ، فوجد آدم ينتظره .

نظر إليه آدم وقال :

- « يبدو أن صدى الدروج وصل إلى هنا قبل منك . »

ابتسم العم منصور وقال :

- « نعم يا بني... لكن هذه المرة كان الصدى أجمل . »

جلس آدم إلى جواره .

وقال العم منصور وهو يصب له كوب الشاي :

- « تذكر يا آدم : ليس كل عابس سيئًا ، وليس كل مبتسم طيبًا . ولا كل كبير فاهمًا ، ولا كل شاب متمردًا . الإنسان أوسع من لحظة غضبه ، وأكبر من كلمة قالها في يوم سيئ . »

ثم سكت قليلًا ، وأضاف :

- « وإذا أخطأ أحدنا في حق الآخر ، فلا تجعلوا الخطأ حائطًا . اجعلوه درسًا نبني به جسرًا . »

نظر آدم إلى جده وقال :

- « وهل انتهت الحكاية يا جدي ؟ »

ابتسم العم منصور :

- « لا يا بني... ما دامت الدروج تصعد وتهبط ، وما دام الناس يلتقون فيها ، فالحكايات لا تنتهي . »

وبقي صدى الخطوات في الدرج...

لكن هذه المرة ، لم يكن صدى خصام .

كان صدى فهم .

🔚 نهاية الرواية

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

9 - 10 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.