
📘 صَدَى الدُّرُوجِ
🌿 صَدَى الدُّرُوجِ ✍️ بقلم الكاتب والمؤلف : عبد المجيد قناوي 👨🦳👦 في زوايا أحياءنا الدافئة ، حيث تلتقي خطوات العابرين على دروج البنايات، تتخفى قصصٌ لا تُسمع أصداؤها إلا لمن يصغي بقلبه . بين صمت الكبار الواعي ، وحيرة الشباب المكتومة ، يأخذنا العم منصور وحفيده " آدم " في رحلة إنسانية هادئة ، لتأمل موقفٍ بسيطٍ كشف عن عمق الفجوة بين جيلين ، وأضاء بلمسة حكمة كيف يمكن لكلمة طيبة أن تبني جسراً يردم المسافات بين القلوب .
🌿 صدى الدروج
حكاية صباحية بين جيلين
✍️ بقلم : عبد المجيد ڨناوي
📚"قصة قصيرة اجتماعية ذات أبعاد سوسيولوجية ونفسية وتربوية
كان صباح الحي هادئًا كعادته .
أبواب تُفتح ببطء ، وخطوات تتردد على الدروج ، وصوت بائع الخبز يأتي من بعيد ، بينما كانت رائحة القهوة تتسلل من بعض البيوت قبل أن يستيقظ الشارع تمامًا .
خرج العم منصور كعادته لقضاء بعض حاجاته ، وعاد يحمل كيس الخبز والحليب .
لكن شيئًا ما كان أثقل من الكيس في يده .
كان موقفًا صغيرًا في ظاهره ، لكنه ظل يطرق في رأسه طوال الطريق .
عندما دخل البيت ، وضع ما بيده على الطاولة ، ثم جلس في صالونه وسكت .
لم يكد يستريح حتى دخل عليه حفيده آدم .
كان آدم شابًا في العشرينيات ، طالبًا جامعيًا ، كثير الأسئلة ، يحب أن يفهم الأشياء قبل أن يحكم عليها . وكان جده يعرف فيه شيئًا يحبه : أنه لا يخاف من مناقشته ، لكنه لا يناقشه بقسوة .
نظر آدم إلى وجه جده وقال مبتسمًا :
- « خير يا جدي؟ يبدو أن الدروج تركت في رأسك صدى هذا الصباح ! »
ابتسم العم منصور ابتسامة خفيفة وقال :
- « والله يا بني ، يبدو أن بعض الكلمات لا تحتاج إلى صوت عالٍ حتى تبقى في الرأس . »
جلس آدم أمامه وقال :
- « ماذا حدث ؟ »
تنهد العم منصور وقال :
« مررت في مدخل الحي ، فوجدت صابراً ، صاحب السوبرماركت الجديد - مع أنه ليس من أبناء الحي أصلًا - جالسًا مع صديق له في ممر الدروج . كانا يشغلان المكان حتى صار المرور صعبًا على الناس . سلمت عليه وقلت له مداعبًا : "واش جابك للحومة ؟ " »
توقف قليلًا ، ثم تابع :
« فإذا به ينظر إليّ بوجه عابس ويقول : "هذي حومتي ! "
سكت آدم .
فقال العم منصور :
- « يا بني ، لم أفهم ماذا أصابه. أنا أعرفه منذ سنوات . شاب متعلم وخريج جامعة . كنت أظن أن الكلمة الطيبة لا تضر أحدًا . لكنني رجعت إلى البيت وأنا أفكر : لماذا سلمت عليه أصلًا ؟ ربما الأفضل أن أعامله كما يعامل الناس بعضهم بعضًا ، وأسكت . »
ابتسم آدم بهدوء وقال :
- « لا يا جدي... لا تغيّر قلبك بسبب كلمة من شخص آخر . »
رفع العم منصور عينيه إليه :
- « ولكن هل أسكت عن قلة الأدب ؟ »
قال آدم :
- « لا. لكن هناك فرق بين أن تفهم الخطأ ، وأن تبرره . »
سكت العم منصور قليلًا .
ثم قال :
- « وضّح لي يا فيلسوف العائلة . »
ضحك آدم وقال :
- « أنت الذي علمتني أن الإنسان لا ينبغي أن يحكم على الكتاب من غلافه ، واليوم سأطبق درسك عليك . »
ابتسم العم منصور :
- « هات ما عندك . »
قال آدم :
- « يا جدي ، أنت رأيت شابًا عابسًا ، فقلت : هذا سيئ الطباع . أما أنا فأرى شابًا عابسًا ، وأسأل : ماذا حدث له حتى أصبح هكذا؟ »
قال العم منصور :
- « وهل كل من كان عابسًا عنده قصة ؟ »
أجاب آدم :
- « ليس بالضرورة. لكننا لا نعرف القصة التي وراء الوجه . وهذا وحده يجعلنا أكثر حذرًا في الحكم . »
سكت قليلًا ، ثم تابع :
- « هذا الشاب خريج جامعة . درس سنوات ، وتعب ، وانتظر فرصة عمل ربما لم تأتِ . يرى أصدقاءه يهاجرون ، وآخرين يبحثون عن واسطة ، وآخرين يعيشون على أعمال مؤقتة . وربما أصبح يشعر أن الشهادة التي تعب من أجلها لم تمنحه المكان الذي كان يحلم به . »
قال العم منصور :
- « أفهم هذا يا بني ، لكن هل البطالة تعطي الإنسان الحق في إهانة الناس؟ »
هز آدم رأسه :
- « لا يا جدي . الألم يفسر بعض التصرفات ، لكنه لا يجعل الخطأ صوابًا . »
نظر إليه العم منصور بإعجاب .
فقال آدم :
- « المشكلة أن بعض الشباب عندما يتعبون ، يبحثون عن شخص يحمّلونه مسؤولية كل شيء . فينظرون إلى جيلكم وكأنكم عِشتم في راحة كاملة ، وأنتم الذين أغلقتم الأبواب في وجوههم . »
قال العم منصور :
- « ولكننا أيضًا تعبنا يا آدم . لم نجد الدنيا مفروشة لنا بالورد . »
- « أعرف ذلك يا جدي . وأنا أول من يعرفه . »
ثم أضاف :
- « لكن الشباب لا يرون دائمًا ما دفعه الجيل السابق من ثمن ، كما أن الجيل السابق لا يرى دائمًا حجم الضغط الذي يعيشه الشباب اليوم . وهنا تبدأ المسافة بين الاثنين . »
رفع العم منصور حاجبيه وقال :
- « يعني كل واحد يرى نصف الحكاية ؟ »
ابتسم آدم :
- « وربما أقل من نصفها . »
ضحك العم منصور وقال :
- « هذه المرة أصبت . »
ثم سكت قليلًا ، وقال :
- « لكن قل لي يا آدم : ماذا أفعل إذا كررها ؟ »
أجاب آدم :
- « سلّم عليه . »
تعجب العم منصور :
- « بعد أن رد عليّ بتلك الطريقة ؟ »
- « نعم . »
- « ولماذا ؟ »
قال آدم :
- « لأنك إذا قاطعته ، فقد أصبحت مثله في شيء واحد : جعلت لحظة سيئة تتحكم في علاقتك به . أما إذا سلمت عليه ، فقد حافظت على أخلاقك دون أن تتنازل عن كرامتك . »
فكر العم منصور في كلامه .
ثم قال :
- « يعني لا أبرر له ، ولا أعاقبه في قلبي . »
قال آدم :
- « بالضبط . افهمه ، لكن لا تبرر خطأه . احترمه ، لكن لا تسمح له أن يهينك . واترك له باب الرجوع مفتوحًا . »
نظر العم منصور إلى النافذة ، وكأنه يستعيد مشهد الدرج من جديد .
ثم قال :
- « تعرف يا آدم ؟ ربما كنت غاضبًا من كلمته ، أكثر مما كنت غاضبًا منه . »
قال آدم :
- « وما الفرق ؟ »
ابتسم العم منصور وقال :
- « إذا غضبت من الإنسان ، قد تقطعه . أما إذا غضبت من الكلمة ، فقد تنتظر حتى يهدأ صاحبها . »
سكت آدم لحظة ، ثم قال :
- « هذه هي الحكمة يا جدي . »
هز العم منصور رأسه :
- « لا تستعجل. الحكمة أحيانًا تأتي بعد أن نتعب من الخطأ . »
ضحك آدم .
ثم قال العم منصور :
- « لكن عندي شيء آخر تعلمته اليوم . »
- « ماذا ؟ »
قال :
- « لا ينبغي أن أجعل شابًا واحدًا يتكلم باسم جيله كله . كما لا ينبغي أن أجعل غضبي منه يجعلني أكره جيله كله . »
قال آدم :
- « ولا ينبغي للشاب أن يجعل ظروفه الصعبة تجعله يكره كل من سبقه . »
ثم أضاف :
- « يا جدي ، نحن بحاجة إلى جسور بين الأجيال ، لا إلى جدران . »
ابتسم العم منصور وقال :
- « والجسر يا بني لا يبنى من طرف واحد . »
- « صحيح . »
- « الكبير عليه أن يقترب قليلًا ، والصغير عليه أن يتقدم قليلًا . »
- « وإذا بقي كل واحد في مكانه ؟ »
نظر العم منصور إليه وقال :
- « يصبح الدرج هو المكان الوحيد الذي يجمعهما... وكل واحد يصعد وحده ! »
ضحكا معًا .
وفي صباح اليوم التالي ، خرج العم منصور كعادته .
وعندما وصل إلى الدرج ، وجد الشاب نفسه جالسًا في المكان ذاته .
توقفت خطوات العم منصور للحظة .
نظر إليه .
ثم قال بهدوء :
- « السلام عليكم . »
رفع الشاب رأسه .
وبدا عليه شيء من التردد .
ثم قال :
- « وعليكم السلام... »
واصل العم منصور طريقه دون عتاب ، ودون أن ينتظر اعتذارًا .
لكن بعد أن ابتعد خطوات ، سمع صوت الشاب من خلفه :
- « عمي منصور... »
توقف .
التفت إليه .
قال الشاب بصوت أخف من الأمس :
- « سامحني... كنت متعصّب شوية . »
ابتسم العم منصور وقال :
- « ولا يهمك يا بني . كلنا تمر علينا أيام ثقيلة . المهم ألا نجعل ثقل يومنا فوق قلوب الناس . »
خفض الشاب رأسه وقال :
- « عندك الحق . »
ثم افترقا .
لكن شيئًا ما تغير في ذلك الدرج .
لم يتغير الحجر .
ولم يتغير الحي .
الذي تغير هو المسافة بين قلبين .
عاد العم منصور إلى البيت ، فوجد آدم ينتظره .
نظر إليه آدم وقال :
- « يبدو أن صدى الدروج وصل إلى هنا قبل منك . »
ابتسم العم منصور وقال :
- « نعم يا بني... لكن هذه المرة كان الصدى أجمل . »
جلس آدم إلى جواره .
وقال العم منصور وهو يصب له كوب الشاي :
- « تذكر يا آدم : ليس كل عابس سيئًا ، وليس كل مبتسم طيبًا . ولا كل كبير فاهمًا ، ولا كل شاب متمردًا . الإنسان أوسع من لحظة غضبه ، وأكبر من كلمة قالها في يوم سيئ . »
ثم سكت قليلًا ، وأضاف :
- « وإذا أخطأ أحدنا في حق الآخر ، فلا تجعلوا الخطأ حائطًا . اجعلوه درسًا نبني به جسرًا . »
نظر آدم إلى جده وقال :
- « وهل انتهت الحكاية يا جدي ؟ »
ابتسم العم منصور :
- « لا يا بني... ما دامت الدروج تصعد وتهبط ، وما دام الناس يلتقون فيها ، فالحكايات لا تنتهي . »
وبقي صدى الخطوات في الدرج...
لكن هذه المرة ، لم يكن صدى خصام .
كان صدى فهم .
🔚 نهاية الرواية
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.