📘 صَدَى الشَّاشَاتِ.. وَحِكْمَةُ المِيزَانِ
رواية

📘 صَدَى الشَّاشَاتِ.. وَحِكْمَةُ المِيزَانِ

22 سبتمبر 2026222 مشاهدة7 دقائق للقراءة

📘رواية : صَدَى الشَّاشَاتِ.. وَحِكْمَةُ المِيزَانِ ✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي 🌅 مدخل / ماذا لو كانت الصورة التي أشعلت غضب الآلاف لا تحكي القصة كاملة ؟ في زمن تكفي فيه ثوانٍ من فيديو لصناعة الغضب وإطلاق الأحكام ، يجد آدم نفسه أمام سؤال صعب : هل أصبح « الترند » ميزاناً للعدل ؟ بين صرامة القانون ، وكرامة الإنسان ، ومسؤولية الأسرة ، يدخل آدم مع عمي منصور في حوار مشاكس يكشف ما لا تراه الكاميرا ، ويبحث عن المسافة الدقيقة بين الرحمة والفوضى ، وبين حماية القانون واحترام الإنسان فالحقيقة لا تُقاس بعدد المشاهدات ، والعدل لا يبدأ من الشاشة... بل يبدأ من العقل الذي يعرف متى يتوقف ليسأل : ماذا لم نرَ ؟

📺 📖 صَدَى الشَّاشَاتِ.. وَحِكْمَةُ المِيزَانِ

📚 رواية قصيرة | اجتماعية – تربوية – فكرية – إنسانية – رمزية

من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم

✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي

🌅 مقدمة

في زمن أصبحت فيه الشاشة أسرع من الحقيقة ، قد تكفي صورة واحدة ، أو ثوانٍ قليلة من مقطع مصوَّر ، لإشعال الغضب وإطلاق الأحكام قبل أن تُسمع الحكاية كاملة.

لكن ماذا لو كانت الصورة التي رأيناها لا تكشف إلا جزءاً من الحقيقة ؟

وماذا لو كان الموظف الذي أصبح هدفاً للغضب قد التزم بالقانون ، بينما كانت المشكلة الحقيقية في مكان آخر لم تلتقطه الكاميرا ؟

هنا يجد آدم نفسه أمام قضية تتجاوز مشهداً عابراً على شاشة الهاتف : قضية تتقاطع فيها صرامة القانون مع الرحمة ، وكرامة الإنسان مع مسؤولية الأسرة ، وحقيقة الواقع مع سطوة « الترند » .

وفي بيت عمي منصور ، وبين رائحة الشاي بالنعناع وهدوء المساء ، تبدأ مشاكسة فكرية بين الحفيد وجده :

هل يكفي أن نرى حتى نحكم ؟

وهل كثرة المشاركات تجعل من الرواية حقيقة ؟

وهل يمكن للقانون أن يحمي الإنسان دون أن يفقد إنسانيته ؟

يضع عمي منصور أمام آدم « ميزاناً » لا تميل كفتاه إلى صراخ الشارع ولا إلى جمود الإجراءات ، بل يبحث عن موضع يجتمع فيه الحق والرحمة والقانون والكرامة .

ففي زمنٍ تمشي فيه الأخبار بسرعة الضوء ، تبقى الحقيقة أبطأ...

لكنها ، حين تصل ، قد تكشف لنا أن ما رأيناه لم يكن سوى بداية الحكاية .

🌿 ☕ جلسة المساء..

حين يبدأ الغضب من شاشة

كان المساء يخيم هادئاً على فناء دار « عمي منصور » ، وكانت رائحة الشاي بالنعناع تمتزج بأريج الياسمين المتسلل من الزاوية .

ألقى " آدم " هاتفه الذكي على المصطبة الخشبية بجانب جده ، فتنهد تنهيدة أثقلت الصمت المنساب بينهما . لم يعد آدم ذلك الطفل الذي يسأل لدهشة الصغر ، بل أضحى شاباً يجمع بين وعي العصر وحرقة المربي ، وإن كانت تعتريه أحياناً مشاكسات الفكر الشاب الذي يحب أن يستفز حكمة المجرّب .

ابتسم العم منصور وهو يتأمل الهاتف الملقى كأنه متهم ، ثم قال بتهكمه البسيط اللطيف :

– " ما بال هذه الشاشة المضيئة تجلب لك هم الليل يا آدم ؟ ألم تجد فيها خبراً يسرّ الخاطر ؟ "

⚖️ 🚘 المشاكسة الأولى ..

الإنسانية أم الضوابط ؟

اعتدل آدم في جلسته ، ومال نحو جده بمشاكسة واعية وقال :

– " كيف يسر الخاطر يا جدي ونحن نرى عواطف الشارع تقود المؤسسات ؟ دعني أكون صريحاً ومشاكساً معك الليلة ! المقطع المفزع لسيدة مسنة وعاجزة أمام مركز الخدمة يفتت القلوب .. أليس من الإنسانية والمروءة أن يخرج الموظف خطوات معدودة خارج الشباك ليوقع لها وتستلم معاشها ؟ لمَ كل هذا التصلب خلف أوراق وحجج تنظيمية بينما العجوز تتألم في السيارة ؟ "

ارتشف العم منصور جرعة هادئة من شايِه ، ثم وضع الفنجان ونظر إلى آدم بعينين تلمعان بخبرة السنين ، وقال بنبرة دافئة لكنها حاسمة :

– " مشاكستك هذه يا بني هي عينُ ما يقع فيه عامة الناس ! ينظرون إلى المشهد بعاطفة مجردة ، ويريدون كسر الجدار لحماية زهرة ! أتسألني عن المروءة ؟ المروءة هي أن نرحم هذه السيدة ، لكن الإدارة لا تُدار بالمشاعر بل بالضوابط .

لو خرج الموظف بتلك الأموال خارج مكتبه وصورته كاميرا أخرى تحت عنوان « موظف يوزع المال في الشارع » ، أو قدر الله واعترضه متربص وسرق المال .. من كان سيحميه ؟ هل كان هؤلاء الصارخون في الفيسبوك سيدفعون ديناراً من جيوبهم لتعويض الخزينة ؟ أم أن المؤسسة ذاتها كانت ستقتطعها من قوته ، وربما وجد نفسه بعد ذلك مطالباً بتبرير ما حدث أمام جهات المساءلة ؟ "

📜 💡 المشاكسة الثانية ..

روح القانون ومنطق الميزان

لم يتراجع آدم ، بل أتبعها بمشاكسة ثانية أراد بها اختبار العمق الأخلاقي للموقف :

– " ولكن يا جدي .. أليست القوانين نفسها وُضعت لخدمة الإنسان ؟ فإذا أصبح الإنسان عاجزاً عن الوصول إلى الخدمة ، ألا ينبغي أن تبحث المؤسسة عن طريقة تجمع بين القانون والرحمة ؟ "

هز العم منصور رأسه مستحسناً ، وقال بنبرة ملؤها التوازن :

– " بلى يا بني .. وهذه هي الحكمة التي يغفل عنها طرفان : طرف يريد كسر القانون باسم الرحمة ، وطرف يريد تجميد الرحمة باسم القانون . أما العاقل فيبحث عن الحل الذي يحفظ الاثنين معاً . "

صمت آدم لحظة ، يقلب الكلمات في رأسه ، ثم تساءل بوعي وحذر :

– " ولكن يا جدي .. ماذا لو كان الموظف يستطيع أن يساعدها بطريقة قانونية مرنة ولم يفعل ؟ ألا يحمل جزءاً من الذنب ؟ "

أجابه العم منصور بثبات وعدل :

– " عندها لا ندافع عنه لأنه موظف ، بل نسأل عن تقصيره كما نسأل عن تقصير غيره . حماية الموظف لا تعني منحه حصانة من الخطأ ، كما أن احترام المواطن لا يعني منحه حق اتهام الموظف بلا بينة . يا آدم ، الميزان لا يقول : انصر هذا أو ذاك . الميزان يقول : ضع الحق هنا ، والرحمة هنا ، والقانون هنا ، والكرامة هنا ، ثم ابحث عن موضع لا يظلم فيه أحد . "

برقت عين آدم بالإدراك ، واستكمل الخيط الفكري بجلاء :

– " وكأن المشكلة ليست في وجود القانون إذن ، بل في كيفية تطبيقه دون أن يفقد الإنسان إنسانيته ! "

ابتسم العم منصور بوقار وقال :

– " الآن بدأت تقترب من المعنى يا بني .. القوانين وُضعت لحفظ النظام ، والدولة وضعت بدائل قانونية ، من بينها الوكالة والبطاقات ووسائل السحب الآلي ، حتى لا يتحول العجز الجسدي إلى عجز عن قضاء الحاجة . ولكن حين يغفل بعض الناس عن هذه الحلول ، أو يتقاعسون عن اتخاذها ، ثم يأتون في اللحظة الأخيرة ليحملوا الموظف أوزار تقصيرهم .. أليس في هذا جور ؟ المسؤول الذي يجعل قراره تابعاً لغضب اللحظة ، قد يرضي الشاشة ساعة ، لكنه يربك المؤسسة زمناً . "

🏠 🤳 المسكوت عنه ..

البيت وزاوية التصوير

اتسعت رؤية آدم للمشهد المركب ، فنقل الحديث إلى البُعد الأخلاقي والأهلي بوعي ناضج :

– " وهذا ما أوجعني أيضاً يا جدي .. المسكوت عنه في هذا المشهد المصوَّر ! قد يكون وراءه تقصير أسري ، أو جهل بالإجراءات ، أو ظروف لم تظهرها الكاميرا .. وحين نعجز عن الوصول إلى أصل المشكلة ، نبحث أحياناً عن طرف نعلّق عليه غضبنا . كأن أسرع طريق لغسل التقصير الذاتي هو توجيه الاتهام إلى غيرنا أمام الكاميرات ! "

أومأ العم منصور برأسه ، واشتدت نبرته بالحكمة :

– " أحسنت يا آدم ! قد تكون السيدة مظلومة في حاجتها ، وقد يكون الموظف محقاً في التزامه ، وقد تكون المؤسسة مطالبة بالتوضيح والتسهيل ، وقد تكون الأسرة مقصرة في حق كبارها ، وقد يكون الجمهور مخدوعاً بزاوية التصوير .. والعدل يا بني لا يكون بكلمة طائشة تُكتب على شاشة ، بل بوزن القصة كلها بميزان العقل . "

✍️ 🌙 أمانة القلم وخاتمة السؤال

تأمل آدم فضاء الدار ، واستشعر أمانة الكلمة ورسالة القلم . سحب هاتفه ، ثم تناول مذكرته الصغيرة ، وخط بنضج وفصاحة : " الشاشة تعطينا زاوية واحدة ، لكن الحقيقة لها وجوه كثيرة . العدل ألا نسير خلف العاطفة وحدها ، والرحمة ألا نكسر بها القانون ، والكرامة تبدأ من دارنا قبل أن نطلبها من شباك الخدمة . "

رفع آدم رأسَه عن مذكرته وقال :

– " هل تظن يا جدي أن الناس سيقتنعون بما نكتب ؟ "

​ابتسم العم منصور ، وهو يقلّب حبات سبحته بهدوء :

​– " يا بني ، نحن لا نكتب لنقنع الجميع ، بل نكتب حتى لا يمر الخطأ دون أن ينتبه له أحد ، وحتى يجد العاقل كلمة تقول له : انتظر وتأمل . "

​ثم نظر إلى الهاتف على المصطبة وقال :

​– " الشاشة سريعة يا آدم ، لكن الحقيقة تأتي ببطء . ومن تسرّع في الحكم ، اكتشف لاحقاً أنه ظلم . "

​سكت آدم .

​وفي تلك الليلة ، لم يكن الشاي وحده هو الذي يبرد بهدوء في وسط الدار..

​كان الغضب أيضاً يهدأ شيئاً فشيئاً .

​أما السؤال.. فقد بقي حياً في عقله .

🔚 نهاية الرواية

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

6 + 13 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.