📘 أمانة المقعد 📚 غربال النزاهة  📖 الجزء الثاني 02
رواية

📘 أمانة المقعد 📚 غربال النزاهة 📖 الجزء الثاني 02

24 أكتوبر 2026127 مشاهدة30 دقائق للقراءة

📖 رواية « أمانة المقعد » 🌿 من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم ✍️ بقلم : الكاتب والمؤلف عبد المجيد قناوي 📖 الجزء الثاني : غربال النزاهة 🌟 مدخل / حين يعلو ضجيج الشعارات ، قد يصعب على الناس التمييز بين الوعود والحقيقة ، وبين من يطلب المقعد طموحًا ، ومن يستعد لتحمّل أمانته وواجباته . في هذا الجزء ، يواصل آدم رحلته الفكرية مع جده عمي منصور ، لكن الأسئلة تصبح أكثر عمقًا ، والطريق إلى الإجابة أكثر دقة . فمن أسباب رفض ملفات الترشح والطعون القانونية ، إلى العلاقة بين المال والنزاهة ، وبين الكفاءة والضمير ، تتكشف أمامهما جوانب متعددة من المسؤولية السياسية ، وما تتطلبه من وعي واستعداد وتكوين . فليس كل ملف مقبول شهادة على كفاءة صاحبه ، كما أن رفض ملف لا يكفي وحده للحكم على صاحبه أو التشكيك في أخلاقه . وبين احترام القانون ، والتحقق من الوقائع ، وحق المواطن في الاختيار الواعي ، يبدأ امتحان الفكر والضمير . ومع كل سؤال جديد ، يقترب آدم من حقيقة أعمق : أن الوصول إلى المقعد شيء ، والاستعداد لحمل أمانته شيء آخر ، وأن النزاهة لا تثبتها الشعارات ، بل تكشف عنها المواقف والممارسات والقدرة على تحمّل المسؤولية . 🌿 فمن يحرس عدالة الباب ؟ وكيف نميّز بين حق الترشح ، وجدوى الاختيار ، وأمانة المسؤولية ؟ 📖 رحلة في الفكر والضمير تبدأ الآن …

📖 غربال النزاهة

📖 رواية « أمانة المقعد »

🌿 من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم

✍️ بقلم : الكاتب والمؤلف عبد المجيد قناوي

📖 الجزء الثاني :

غربال النزاهة

📖 الفصل الثالث :

من يحرس الباب ؟

🌳 خبرٌ غيّر اتجاه الأسئلة

كان المساء يقترب ببطء ، حين وصل آدم إلى البيت القديم ، ووجد عمي منصور تحت شجرة الليمون ، يتفقد بعض الأغصان التي أثقلتها الثمار الصغيرة .

ألقى آدم التحية ، ووضع هاتفه على الطاولة ، لكنه لم يجلس في مكانه المعتاد . ظل واقفًا ، يتنقل ببصره بين الشاشة وجده ، كأن خبرًا ما يشغله ولا يعرف من أين يبدأ الحديث عنه .

لاحظ عمي منصور اضطرابه ، فقال :

- ما بك يا آدم ؟ أراك تحمل سؤالًا أكبر من شاشة هاتفك .

جلس آدم ، ثم قال :

- جدي ، أتذكر حديثنا عن ملفات الترشح التي رُفضت ؟

- أذكره . وما الجديد ؟

فتح آدم هاتفه ، وقرأ من أحد الأخبار التي وصلته :

- « المحكمة الإدارية ترفض الطعون لعدم التأسيس ، وتؤيد قرارات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ، استنادًا إلى سلامة تطبيق مواد من قانون الانتخابات ، وإلى رأي للمحكمة الدستورية » .

ثم رفع رأسه وأضاف :

- إذا كان أصحاب الملفات قد طعنوا في قرارات الرفض ، ثم أيدت المحكمة تلك القرارات ، فهل انتهى الأمر ؟

توقف عمي منصور عن تقليم الغصن الذي كان بين يديه ، ونظر إلى حفيده .

- انتهى الأمر من أي ناحية ؟

- من الناحية القانونية ، على الأقل . أليس كذلك ؟

أعاد الجد المقص الصغير إلى مكانه ، ثم جلس .

- يا آدم ، لا نستطيع أن نفهم قضية كاملة من عنوان خبر . أول ما ينبغي أن نعرفه هو : ما القرارات التي طُعن فيها ؟ وما أسباب الطعون ؟ وما النصوص التي استندت إليها الجهة الإدارية ؟ وكيف ردت المحكمة على الحجج المقدمة أمامها ؟

قال آدم :

- لكن الخبر يقول إن الطعون رُفضت لعدم التأسيس .

- وهذا يخبرنا بالنتيجة التي نقلها الخبر ، لكنه لا يكشف لنا بالضرورة جميع الأسباب التي أوصلت المحكمة إليها . علينا أن نقرأ الأحكام نفسها ، إذا كانت متاحة ، وأن نفهم الوقائع الخاصة بكل حالة .

سكت آدم قليلًا ، ثم قال :

- كنت أظن أن المسألة بسيطة : إما أن يكون رفض الملف قانونيًا ، وإما أن يكون غير قانوني .

ابتسم عمي منصور .

- من حيث المبدأ ، لا بد أن يستند القرار إلى القانون . لكن معرفة ذلك في حالة معينة تحتاج إلى النظر في النص والوقائع وطريقة تطبيقه . قد يكون المانع واضحًا في حالة ، ويكون الخلاف في حالة أخرى حول مدى انطباقه على صاحب الملف .

أدار آدم هاتفه بين يديه ، وقال :

- إذن ، علينا ألا نحكم قبل أن نقرأ .

أجابه جده :

- هذه أول خطوة في الطريق الصحيح .

⚖️ بين الباب والمفتاح

في صباح اليوم التالي ، عاد آدم إلى الدكان ، يحمل دفترًا صغيرًا كتب على غلافه : « أسئلة لا تكفيها العناوين » .

ضحك عمي منصور حين رآه .

- وهل ستفتح مدرسة للبحث في الدكان ؟

أجابه آدم :

- ربما أحتاج إليها أكثر مما أحتاج إلى المدرسة التي تكتفي بالإجابات الجاهزة !

جلس إلى الطاولة ، وفتح الدفتر .

- لنفترض أن مواطنًا استوفى الشروط التي يراها ضرورية للترشح ، ثم رُفض ملفه . ما أول شيء ينبغي أن يبحث عنه ؟

قال الجد :

- أولًا ، يجب أن يعرف السبب المحدد للرفض . ثم ينظر في النص القانوني الذي استند إليه القرار ، ويتحقق من انطباقه على حالته . وإذا رأى أن القرار غير صحيح ، فله أن يسلك طريق الطعن الذي يحدده القانون ، ضمن شروطه وآجاله .

كتب آدم هذه النقاط ، ثم رفع رأسه :

- وماذا لو كان سبب الرفض مرتبطًا بموقف سياسي سابق ؟

أجابه عمي منصور :

- لا يكفي أن نسمع أن الأمر مرتبط بموقف سياسي حتى نجزم بصحة القرار أو بطلانه . ينبغي أن نعرف ما الفعل المنسوب إلى الشخص ، وما النص الذي يرتب عليه أثرًا قانونيًا ، وهل تنطبق شروط ذلك النص على حالته فعلًا .

قال آدم :

- لكن هناك فرقًا بين شخص شارك في احتجاج سلمي ، وشخص ارتكب فعلًا يعاقب عليه القانون .

- بالتأكيد . الموقف السياسي ليس هو الفعل المادي ، والاتهام ليس هو الإثبات ، كما أن وجود واقعة سابقة لا يعني وحده أنها تنشئ مانعًا من الترشح . لا بد من فهم الأثر الذي يرتبه القانون على الواقعة ، إن كان يرتب عليها أثرًا أصلًا .

تأمل آدم ما كتبه ، ثم قال :

- المشكلة أن الناس تتداول النتائج بسرعة ، بينما لا يتداولون الأسباب بالقدر نفسه .

رد الجد :

- لأن العنوان أقصر من الحكم ، والحكم أقصر أحيانًا من القضية كلها . لكن المواطن الذي يريد أن يفهم لا ينبغي أن يكتفي بما يسهل تداوله .

ثم أشار إلى باب الدكان المفتوح .

- انظر إلى هذا الباب . إذا أغلقته ، فمن حق من يريد الدخول أن يسأل عن السبب . لكن ليس كل من يسأل عن السبب يملك حق الدخول بالضرورة ، وليس كل من مُنع من الدخول قد مُنع ظلمًا . علينا أن نعرف القاعدة التي تحكم الباب ، وهل طُبقت عليه كما ينبغي .

ابتسم آدم .

- بدأت أفهم لماذا تحب الأمثلة أكثر من الخطب .

ضحك عمي منصور .

- لأن المثال يجعل الفكرة تمشي على قدمين .

📚 رأي المحكمة ليس عنوانًا فقط

في المساء ، عاد آدم إلى الموضوع نفسه . كان قد قرأ أكثر من منشور يتحدث عن المواد القانونية التي استندت إليها القرارات ، وعن رأي للمحكمة الدستورية يتعلق بمواد من قانون الانتخابات .

قال وهو يجلس قبالة جده :

- هناك من يقول إن المحكمة الإدارية أيدت قرارات السلطة الانتخابية لأن تطبيق القانون كان سليمًا . وهناك من يواصل التشكيك في طريقة تطبيقه . كيف نفهم الأمر دون أن ننحاز إلى رواية قبل أن نعرف التفاصيل ؟

أجاب عمي منصور :

- نبدأ من الوثائق ، لا من رغبتنا في أن يكون طرف على حق . نقرأ النص القانوني النافذ ، ونقرأ رأي المحكمة الدستورية الذي يُستند إليه ، ثم نقرأ الأحكام القضائية وأسبابها ، ونحاول أن نفهم العلاقة بين هذه النصوص والوقائع المعروضة على القضاء .

قال آدم :

- وهل رأي المحكمة الدستورية هو نفسه حكم المحكمة الإدارية ؟

- لا ينبغي أن نخلط بينهما . لكل جهة اختصاصها وطبيعة ما تصدره من قرارات أو آراء . وحتى نفهم دور كل واحدة في هذه القضية ، علينا أن نرجع إلى النصوص الرسمية ونقرأ ما صدر بالفعل ، بدل أن نجمع أسماء المواد والجهات في جملة واحدة ثم نظن أننا فهمنا المسألة .

كتب آدم في دفتره :

« لا يكفي ذكر المادة القانونية ؛ يجب فهم مضمونها وحدود تطبيقها » .

ثم أضاف :

- وإذا وجدت أن الحكم استند إلى نص واضح ، فهل يعني ذلك أنني ممنوع من مناقشة هذا النص ؟

نظر إليه الجد مستغربًا من السؤال ، ثم قال :

- ولماذا تكون ممنوعًا ؟ احترام القضاء لا يعني إغلاق باب المعرفة ، ومناقشة التشريع لا تعني رفض أحكام القضاء . لكن هناك فرقًا بين نقاش يستند إلى النصوص والأدلة ، وبين اتهامات تُطلق دون سند .

توقف لحظة ، ثم تابع :

- إذا صدر حكم في قضية معينة ، فعلينا أن نحترم ما يترتب عليه قانونًا . وإذا كان هناك نقاش حول تفسير النص أو الحاجة إلى تعديله ، فينبغي أن يتم ذلك عبر الوسائل القانونية والمؤسساتية المتاحة . فلا نخلط بين احترام الحكم ، وفهمه ، ومناقشة القانون الذي طُبق في القضية .

قال آدم :

- إذن ، يمكن للإنسان أن يحترم قرار المحكمة ، ومع ذلك يظل راغبًا في فهم أثره على الحياة السياسية ؟

- نعم ، بشرط أن يميز بين ما أثبته الحكم في القضية المعروضة ، وما يريد هو أن يستنتجه منها على نطاق أوسع . لا تجعل حكمًا في حالات محددة دليلًا تلقائيًا على كل ما يُقال عن الانتخابات ، ولا تتجاهل الحكم لمجرد أنه لم يوافق توقعاتك .

🧭 حين يصبح السؤال أكثر صعوبة

في اليوم الموالي ، التقى آدم بأحد معارفه ، وهو رجل يهتم بالشأن المحلي ، وكان الحديث بينهما يدور حول الانتخابات ورفض بعض الملفات .

قال الرجل :

- ما فائدة الحديث عن الحق في الترشح إذا كان القانون يحدد الشروط ، والقضاء يفصل في النزاعات ؟ أليس من الأفضل أن نترك الأمر للمؤسسات المختصة ؟

أجابه آدم :

- لا أحد يقول إن المواطن يحل محل المؤسسات أو إن رأيه يغني عن القضاء . لكن من حقه أن يفهم القواعد التي تنظم اختيار ممثليه ، وأن يناقشها في إطار القانون . فالوعي بهذه القواعد جزء من المشاركة السياسية .

قال الرجل :

- ولكن كثرة التشكيك قد تضعف الثقة في المؤسسات .

رد آدم :

- والتسرع في اتهام المؤسسات خطأ ، لكن مطالبة المؤسسات بالتوضيح ليست اتهامًا لها . أليست الشفافية وسيلة لبناء الثقة ؟

لم يجبه الرجل مباشرة ، بل قال :

- المهم ألا يتحول كل رفض إلى قضية سياسية .

أومأ آدم .

- أتفق معك . ليس كل رفض دليلًا على الإقصاء ، مثلما أن كل قرار إداري لا يصبح صحيحًا لمجرد صدوره . الفيصل هو القانون والوقائع والإجراءات التي يتيحها النظام القانوني للمراجعة والطعن .

عاد آدم إلى البيت وهو يفكر في الحوار . كان قد اكتشف أن النقاش الحقيقي لا يبدأ حين يختار المرء طرفًا يدافع عنه ، بل حين يستطيع أن يحدد ما الذي يعرفه ، وما الذي لا يعرفه بعد ، وما الدليل الذي يحتاج إليه حتى يصل إلى استنتاج مسؤول .

🌿 عمي منصور يضع السؤال في مكانه

عند الغروب ، جلس آدم مع جده تحت شجرة الليمون . وضع الدفتر فوق الطاولة ، وفتح صفحة جديدة .

قال :

- جدي ، أريد أن أسألك سؤالًا أخيرًا .

- يبدو أن دفترَك لن يمتلئ اليوم !

ابتسم آدم ، ثم قال :

- من يحرس الباب إذن ؟ الجهة التي تدرس ملفات الترشح ، أم المحكمة التي تنظر في الطعون ، أم المواطن الذي يراقب العملية كلها ؟

تأمل عمي منصور أغصان الشجرة ، ثم أجاب :

- لكل طرف دوره . الجهة الإدارية تطبق الشروط التي يحددها القانون في حدود اختصاصها . والقضاء يفصل في النزاعات وفق الإجراءات والقواعد المعمول بها . أما المواطن ، فدوره أن يفهم حقوقه وواجباته ، وأن يتابع الشأن العام ، وأن يطالب بالوضوح والمساواة دون أن يصدر أحكامًا قبل معرفة الوقائع .

قال آدم :

- لكن ماذا لو اختلف الناس حول تفسير النص القانوني نفسه ؟

- عندها نحتاج إلى الرجوع إلى الجهات المختصة ، وإلى قراءة الأحكام والآراء القانونية في سياقها . وقد يكشف النقاش عن حاجة إلى توضيح تشريعي أو تحسين الإجراءات . المهم ألا نستبدل القانون بالأهواء ، وألا نجعل الخلاف السياسي وحده معيارًا للحكم على القرارات .

سكت آدم ، ثم قال :

- بدأت أفهم أن السؤال ليس فقط : لماذا رُفض هذا الملف ؟ بل أيضًا : هل عُرف السبب ؟ وهل ينطبق النص على الحالة ؟ وهل استُخدمت وسائل الطعن المتاحة ؟ وماذا قالت الجهة القضائية في أسباب حكمها ؟

ابتسم عمي منصور .

- أحسنت . وكلما اقتربت من الأسئلة الدقيقة ، ابتعدت عن الأحكام المتسرعة .

ثم تناول فنجانه ، وقال :

- تذكر يا آدم ، أن الباب لا يحرسه الصراخ من خارجه ، ولا تكفي المفاتيح في يد من يقف خلفه . الذي يحمي عدالة الباب هو وضوح القاعدة ، وصحة تطبيقها ، وإمكانية مراجعة القرار وفق القانون .

نظر آدم إلى دفتره . كانت صفحاته الأولى قد امتلأت بالأسئلة ، لكنه لم يشعر بالضيق لأنه لم يجد لكل سؤال جوابًا نهائيًا .

فقد أدرك أن البحث عن الحقيقة لا يعني أن يصل الإنسان إلى النتيجة التي أرادها منذ البداية ، بل أن يكون مستعدًا لتغيير رأيه إذا قادته الأدلة إلى ذلك .

وقبل أن يغلق الدفتر ، كتب في أسفل الصفحة :

« لا يكفي أن نعرف من فُتح له الباب ، ومن أُغلق في وجهه . علينا أن نعرف القاعدة التي حُكم بها على الجميع ، وكيف طُبقت ، وما الذي تثبته الوقائع » .

ثم رفع رأسه نحو جده وسأله :

- وإذا كان الباب قانونيًا ومفتاحه صحيحًا ، فهل يكفي ذلك وحده ليصبح من يدخل منه أهلًا لحمل الأمانة ؟

ضحك عمي منصور ، وهز رأسه .

- عدنا إلى البداية يا آدم !

- بل انتقلنا إلى سؤال جديد يا جدي . عرفنا كيف نناقش حق الوصول إلى المقعد ، لكننا لم نعرف بعد كيف نختبر من يجلس عليه .

نظر عمي منصور إلى حفيده نظرة رضا ، ثم قال :

- وهذا هو السؤال الذي سيأخذنا إلى الفصل القادم .

📖 الفصل الرابع :

غربال المال والضمير 🌿

كان عمي منصور جالسًا في دكانه القديم ، يراقب حركة الناس من وراء نظارته الخفيفة. وعلى الطاولة الصغيرة، قرب كأس الشاي، استقرت مسبحته الزيتونية، بينما كانت أوراق الليمون تتمايل في الخارج مع نسيم المساء .

دخل آدم بخطوات سريعة ، ووضع هاتفه على الطاولة .

قال بنبرة امتزج فيها الاستغراب بشيء من الغضب :

— جدي، يبدو أن الانتخابات تحوّلت عند بعض الناس إلى محكمة للأخلاق قبل أن تبدأ المنافسة أصلًا !

رفع عمي منصور عينيه إليه ، ثم حرّك كأس الشاي قليلًا .

— وكيف وصلت إلى هذه النتيجة يا آدم ؟

أجابه وهو يفتح هاتفه :

— قرأت نقاشًا حول بعض ملفات الترش ح. أحدهم يقول : من رُفض ملفه لا يصلح للمسؤولية ، وآخر يردّ عليه : بل هو رجل نزيه ، ومنعوه لأنه لا يسايرهم . ثم يدخل ثالث ليقول إن من قُبل ملفه هو وحده الجدير بخدمة الناس !

ابتسم الجد ابتسامة خفيفة .

— وهل وجدت بينهم من سأل عن أسباب الرفض ، أو قرأ القرار ، أو عرف الشروط التي طُبّقت ؟

توقف آدم لحظة ، ثم قال :

— قليلون . أغلبهم أصدروا أحكامهم قبل أن يعرفوا التفاصيل .

— إذن يا بني ، لم يعد الناس ينتظرون الحقيقة دائمًا ؛ أحيانًا يبحث كل فريق عن رواية تؤكد ما يؤمن به مسبقًا .

ثم أضاف وهو يشير إلى الهاتف :

— المشكلة ليست في أن يدافع الإنسان عن مترشح يراه مظلومًا ، ولا في أن ينتقد قرارًا يراه غير عادل . المشكلة أن يتحوّل الدفاع إلى شهادة نزاهة بلا دليل ، وأن يتحوّل الرفض إلى إدانة أخلاقية بلا برهان .

جلس آدم قبالته وقال :

— لكن يا جدي ، ألا يمكن أن يُرفض ملف رجل كفء ونزيه ، بينما يُقبل ملف شخص أقل منه كفاءة ؟

— هذا ممكن من حيث المبدأ ، كما أن العكس ممكن أيضًا . لكننا لا نستطيع أن نحكم على حالة بعينها من دون معرفة وقائعها وأسباب القرار المتعلق بها .

ثم أردف :

— هناك فرق بين أن نسأل : لماذا رُفض هذا الملف ؟ وبين أن نقول : صاحب الملف فاسد . الأول سؤال يحتاج إلى جواب وأدلة ، أما الثاني فحكم على الإنسان لا يجوز أن نطلقه لمجرد أن اسمه لم يظهر في القائمة .

هز آدم رأسه وقال :

— وكذلك قبول الملف لا يعني أن صاحبه صار رجلًا صالحًا لكل مسؤولية .

— أحسنت . قبول الملف يعني أن الجهة المختصة قبلته وفق الإجراءات المعمول بها ، ولا يعني أن المترشح قد اجتاز امتحان الكفاءة والنزاهة والقدرة على التسيير . فهذه أمور أخرى ، تظهر حقيقتها في الممارسة والسلوك والنتائج .

في تلك اللحظة ، دخل رجل من أبناء الحي ، كان يعرف عمي منصور منذ سنوات ، وجلس قرب الباب .

قال الرجل :

— السلام عليكم . يبدو أنكما تتحدثان عن الانتخابات . لقد سمعت اليوم كلامًا كثيرًا في السوق . بعضهم يمدح مترشحًا لأنه ينفق بسخاء، وبعضهم يهاجم آخر لأنه لم يوزع شيئًا على الناس .

نظر آدم إلى الرجل وقال :

— وهذه مشكلة أخرى . كأن المال أصبح عند البعض مقياسًا للقدرة على خدمة الناس !

ضحك الرجل وقال :

— يا بني ، الناس تحب من يقف معها . وإذا جاءك مترشح وساعدك في حاجتك ، فكيف لا تتذكر جميله ؟

لم يعترض عمي منصور على كلامه ، بل سأله بهدوء :

— وهل كل مساعدة يقدمها الإنسان قبل الانتخابات تكون شراءً للأصوات ؟ وهل كل من أنفق مالًا في حملته يكون صاحب نية سيئة ؟

فكر الرجل قليلًا ، ثم قال :

— لا ، ليس بالضرورة .

— إذن لا بد أن نميّز بين المساعدة المشروعة واستغلال حاجة الناس ، وبين الإنفاق القانوني وشراء الولاءات ، وبين الكرم الشخصي واستخدام المال للتأثير غير المشروع في إرادة الناخبين .

تدخل آدم :

— لكن كيف يميّز المواطن بين هذه الأمور ؟

أجابه الجد :

— لا بالحكم على المظاهر وحدها ، ولا بتصديق كل إشاعة . ينظر إلى الوقائع ، ويسأل عن مصدر المال وطريقة استعماله ، ويتثبت من المعلومات ، ويترك للجهات المختصة التحقق مما يدخل في صلاحياتها . وإذا ظهرت شبهة ، فالشبهة تستحق التثبت ، لكنها ليست وحدها دليل إدانة .

ثم أخذ رشفة من الشاي وأردف :

— يا آدم ، المال قد يساعد على تنظيم حملة انتخابية مشروعة ، لكنه لا يشتري ضميرًا حيًا ، ولا يصنع كفاءة مفقودة ، ولا يمنح صاحبه حقًا في تحويل الناس إلى أتباع ينتظرون المقابل .

قال الرجل :

— ولكن بعض الناس ينسون كل شيء بعد الانتخابات ، ولا يتذكرون إلا ما حصلوا عليه يوم الحملة .

أجابه عمي منصور :

— لأن بعضهم ينظر إلى الانتخابات كما ينظر إلى السوق : ماذا سأربح اليوم ؟ ولا يسأل نفسه : ماذا سأخسر غدًا إذا بعت اختياري بثمن قليل ؟

سكت الرجل، ثم قال :

— كلامك صحيح . لكن المواطن أيضًا مسؤول عن اختياره .

ابتسم الجد :

— بالتأكيد . فالمسؤولية لا تبدأ عند المنتخب وحده ، بل تبدأ كذلك عند المواطن الذي يمنح صوته . حين يختار بناءً على المال أو القرابة أو العاطفة وحدها ، فقد يضعف قدرته على محاسبة من اختاره لاحقًا .

قال آدم :

— كأننا أمام غربالين ، يا جدي : غربال يختبر شروط الترشح ، وغربال آخر يختبر وعي الناخب .

رد الجد :

— بل هناك غربال ثالث أيضًا : ضمير المترشح نفسه . هل يرى المقعد وسيلة لخدمة الناس ، أم فرصة لخدمة مصالحه ؟

بعد أن غادر الرجل ، بقي آدم صامتًا لحظات ، ثم قال :

— لكنني ما زلت أفكر في أمر آخر . قد يكون الرجل صادقًا ، مستقيمًا ، محبًا للناس ، ثم يُقال له إنه غير مناسب لمسؤولية معينة . أليس في ذلك ظلم له ؟

أجاب عمي منصور :

— ليس بالضرورة . فصلاح الإنسان شيء ، وملاءمته لمنصب بعينه شيء آخر .

رفع آدم رأسه مستغربًا :

— كيف ذلك ؟ أليس الصالح أولى بالمسؤولية ؟

قال الجد :

— الصلاح أساس مهم ، لكنه لا يكفي وحده لكل منصب . هل تضع رجلًا أمينًا على إدارة مستشفى إذا كان لا يعرف شيئًا عن التسيير ، ولا يقبل مشورة أهل الاختصاص ؟ وهل تعهد إلى إنسان طيب بإدارة مشروع معقد لمجرد أنك تحبه وتثق في أخلاقه ؟

ابتسم آدم وقال :

— ربما نحتاج إلى أمين يعرف كيف يدير ، وإلى كفء لا يبيع ضميره .

— وهذا هو المقصود . المسؤولية تحتاج إلى الأمانة والكفاءة معًا ، وإلى معرفة حدود الصلاحيات ، والقدرة على اتخاذ القرار ، والاستعداد لتحمل نتائجه . وقد يكون الإنسان صالحًا في مجال ، لكنه لا يناسب مجالًا آخر . الاعتراف بذلك ليس انتقاصًا من قيمته ، بل احترام للحقيقة .

ثم نظر إلى حفيده نظرة جادة وقال :

— أتذكر حديث النبي ﷺ لأبي ذر رضي الله عنه ؟

أجاب آدم :

— أتذكر أنه سأله عن الإمارة، لكنني لا أذكر الحديث كاملًا .

قال عمي منصور :

— ورد في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال له :

«يا أبا ذر ، إنك ضعيف ، وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها ، وأدّى الذي عليه فيها » .

تأمل آدم الكلمات قليلًا ، ثم قال :

— أبو ذر صحابي جليل ، ومع ذلك لم يولّه النبي ﷺ تلك المسؤولية ؟

أجابه الجد :

— وهذا ما يجعل الحديث جديرًا بالتأمل . فمكانة الإنسان وصلاحه لا تعني بالضرورة أنه الأنسب لكل مسؤولية . الأمانة ليست جائزة تُمنح لمن نحب ، ولا مكافأة على حسن السيرة وحده ؛ إنها واجب يحتاج إلى القدرة على أدائه .

ثم استدرك :

— لكن انتبه يا آدم : لا يجوز أن نستخدم هذا الحديث ذريعة لإقصاء الناس بلا حق ، أو لتبرير قرار لا يستند إلى أساس قانوني . الحديث يعلّمنا خطورة المسؤولية ، ولا يعفينا من واجب العدل في تطبيق القواعد .

قال آدم :

— إذن علينا أن نطرح سؤالين مختلفين : هل يحق لهذا الشخص أن يترشح وفق الشروط القانونية ؟ وهل يملك من الكفاءة والأمانة ما يجعله جديرًا بالمسؤولية إذا اختاره الناس ؟

ابتسم الجد وقال :

— أحسنت . والتمييز بين السؤالين بداية العدل .

نهض آدم ، وأخذ يتمشى أمام الدكان ، ثم عاد وكأنه اكتشف زاوية جديدة في المسألة .

— جدي ، هناك من يقول إن من رُفض ملفه قد فقد حقه في خدمة وطنه . وهناك من يتعامل مع من قُبل ملفه كأنه حصل على شهادة براءة كاملة .

هز عمي منصور رأسه وقال :

— كلاهما يخلط بين أمور مختلفة . من رُفض ملفه لا يفقد بذلك قيمته الإنسانية ، ولا يُحكم تلقائيًا على وطنيته أو أخلاقه . وقد يستطيع خدمة الناس من موقع آخر ، بالعلم أو التعليم أو العمل التطوعي أو المبادرات الاجتماعية . فخدمة الوطن أوسع من مقعد انتخابي .

ثم تابع :

— وفي المقابل ، من قُبل ملفه لا يصبح فوق المساءلة ، ولا يكتسب بمجرد القبول ضمانًا بأنه سيحسن التسيير . فالقبول يفتح له باب المنافسة ، أما ثقة الناس فيجب أن يكتسبها ، والأمانة عليه أن يؤديها .

قال آدم :

— وماذا عن شخص رُفض ملفه فعلًا لأنه لم يستوف شرطًا قانونيًا ؟

أجابه الجد :

— هنا أيضًا علينا أن نفهم السبب . قد يكون القرار صحيحًا إذا استند إلى شرط واجب التطبيق وثبت عدم استيفائه ، وقد يكون قابلًا للطعن إذا وُجد ما يبرر الاعتراض عليه . لا نُدين صاحبه لمجرد الرفض ، ولا نصفه بالمظلوم لمجرد أنه اعترض . ننظر في الوقائع والأسباب والإجراءات وطرق الطعن المتاحة .

ثم أضاف :

— لا تجعل عاطفتك بديلًا عن الدليل ، ولا تجعل احترام القانون ذريعة لتعطيل السؤال عن عدالة تطبيقه . العدل يحتاج إلى الأمرين : قاعدة واضحة ، وتطبيق منصف .

شعر آدم أن الصورة بدأت تتضح أمامه . لم تعد المسألة قائمة بين مترشح مظلوم وآخر مدان ، ولا بين قائمة صالحة وأخرى فاسدة . كان هناك حق قانوني يجب حمايته ، وكفاءة يجب تقييمها ، ونزاهة لا تُثبتها الشعارات ، ومسؤولية لا تُختصر في الوصول إلى المقعد .

قال بصوت هادئ :

— أظن أنني كنت أبحث عن حكم سريع ، بينما القضية تحتاج إلى أسئلة أدق .

ضحك عمي منصور :

— وهذه إحدى علامات نضج العقل . ليس أن يتوقف عن إصدار الأحكام إلى الأبد ، بل أن يتعلم متى يحكم ، وعلى أي أساس ، وما الذي لا يحق له أن يدّعي معرفته .

حلّ المساء ، وامتدت ظلال شجرة الليمون على الجدار القديم . حمل عمي منصور إبريق الشاي ، فملأ كأس حفيده ، ثم جلس من جديد .

قال آدم وهو يتأمل البخار المتصاعد من الكأس :

— بقي سؤال يا جدي . إذا كان المترشح يحتاج إلى الكفاءة والأمانة ، فمن أين يكتسبهما ؟ وهل تكفي فترة الحملة الانتخابية ليعرف الناس حقيقته ؟

ابتسم الجد ، وأدار مسبحته بين أصابعه .

— وهل تتعلم الشجرة الثبات في يوم تهب فيه الريح ؟

نظر آدم نحو شجرة الليمون .

— لا، جذورها تنمو قبل أن تظهر الثمرة .

قال الجد :

— وكذلك الإنسان الذي يُقبل على المسؤولية . لا تُبنى كفاءته في أيام قليلة ، ولا يُختبر ضميره في خطاب انتخابي . يحتاج إلى تربية سياسية ، وتعلم ، وتجربة ، ومحاسبة للنفس ، وبيئة تعلّمه كيف يخدم الناس ، لا كيف يصل إليهم وقت الحاجة فقط .

ثم أشار إلى الطريق الذي بدأ يخلو من المارة :

— فإذا أردنا مسؤولًا يعرف واجبه ، فلا يكفي أن نسأل عن اسمه وبرنامجه وشعاراته . علينا أن نسأل أيضًا : أين تعلم المسؤولية ؟ ومن علّمه احترام الاختلاف ؟ وهل يعرف كيف يعمل ضمن فريق ؟ وهل يستطيع أن يقول : لا أعرف ، سأستشير أهل الاختصاص ؟ وهل يقبل أن يُحاسب على ما وعد به ؟

قال آدم :

— يبدو أننا لا نحتاج إلى غربال للمال والضمير فقط ، بل إلى مدرسة يتعلم فيها المترشح معنى السياسة قبل أن يطلب المقعد .

أومأ عمي منصور موافقًا :

— هنا وصلنا إلى السؤال التالي يا بني . فالضمير مهم ، والكفاءة ضرورية ، لكنهما يحتاجان أيضًا إلى بيئة تصقلهما . وإذا تحوّل الحزب إلى مجرد قائمة أسماء ومواعيد انتخابية ، فمن أين يتعلم المترشح معنى العمل الجماعي ، وفقه الاختلاف ، وخدمة المصلحة العامة ؟

تأمل آدم كلمات جده ، ثم أغلق هاتفه ووضعه في جيبه .

— ربما تكون المشكلة أقدم من يوم إيداع الملفات ، وأسبق من يوم الاقتراع .

ابتسم الجد وقال :

— كثير من النتائج تبدأ قبل أن يراها الناس . ومن أراد إصلاح الثمرة ، فليبدأ بالسؤال عن الجذور .

عاد الصمت إلى الدكان ، ولم يبقَ مسموعًا إلا حفيف أوراق الليمون وصوت الملعقة وهي تلامس حافة الكأس .

وفي ذهن آدم ، بدأ سؤال جديد يتشكل :

إذا كانت المسؤولية تحتاج إلى ضمير وكفاءة ، فمن يصنع البيئة التي تُربّي الضمير ، وتعلّم الكفاءة ، وتُهيّئ الإنسان لخدمة الناس قبل أن تطلب منه أن يمثلهم ؟

كان ذلك سؤال الفصل القادم .

📖 الفصل الخامس :

حزب بلا مدرسة

🌿 حين يتقدم الاسم على الفكرة

كان الصباح هادئًا في الحي القديم ، وكانت شجرة الليمون تستقبل أول خيوط الشمس، فيما جلس عمي منصور أمام دكانه يحتسي قهوته على مهل .

وصل آدم يحمل هاتفه وبعض الأوراق ، وجلس قبالة جده دون مقدمات طويلة .

— جدي، أظنني اكتشفت مشكلة أخرى في حكاية الانتخابات .

رفع عمي منصور عينيه إليه وقال مبتسمًا :

— يبدو أن هذه الحكاية لن تنتهي قريبًا . ما الأمر هذه المرة ؟

أجابه آدم :

— كنت أتابع نقاشًا حول المترشحين وبرامجهم . وجدت من يتحدث عن الشعبية ، ومن يتحدث عن المال ، ومن يفاخر بعدد أنصاره . لكنني لم أجد إلا قليلًا ممن يتحدثون عن التكوين ، أو عن معرفة صلاحيات المجلس ، أو عن كيفية إعداد برنامج يمكن تنفيذه فعلًا.

وضع الهاتف على الطاولة وأضاف :

— كأن الوصول إلى القائمة أهم من الاستعداد للمسؤولية التي تنتظر صاحب الاسم بعد ذلك .

تأمل عمي منصور كلامه ، ثم قال :

— وهل تعتقد أن المشكلة تبدأ يوم إعلان القوائم ؟

— ربما تبدأ قبل ذلك . عندما يختار الحزب مترشحيه ، كيف يعرف أن هذا الشخص قادر على تمثيل الناس ؟ هل يكفي أن يكون معروفًا في الحي ، أو صاحب مال ، أو قريبًا من أصحاب القرار داخل الحزب ؟

ابتسم الجد وقال :

— هذه صفات قد تجعل الإنسان معروفًا ، لكنها لا تجعله بالضرورة مؤهلًا . فالشعبية ليست كفاءة، والمال ليس علمًا ، والقرب من المسؤولين ليس دليلًا على القدرة على تحمل المسؤولية .

ثم أشار إلى الأوراق التي يحملها آدم .

— لكن دعنا لا نتسرع في الحكم . فقد يكون المترشح قليل الخبرة ، لكنه مستعد للتعلم ، وقد يكون صاحب تجربة طويلة ، لكنه يرفض أن يتعلم شيئًا جديدًا . أيهما تراه أقرب إلى النجاح ؟

فكر آدم قليلًا، ثم قال :

— ربما الأول ، إذا وجد من يوجهه ، وكان مستعدًا للاعتراف بنقصه .

— أحسنت . فالخطر ليس في أن يدخل الإنسان المسؤولية وهو لا يعرف كل شيء ؛ فلا أحد يعرف كل شيء . الخطر أن يدخلها وهو يعتقد أنه يعرف كل شيء ، وأن المقعد سيمنحه الحكمة التي لم يبحث عنها من قبل .

🌿 مدرسة لا تظهر في الصور

في المساء، اصطحب آدم جده إلى مقهى صغير قرب الساحة . كان بعض الرجال يتحدثون عن الانتخابات ، وتعلو أصواتهم كلما انتقل الحديث من برنامج إلى اسم ، ومن اسم إلى منافسة .

على إحدى الطاولات ، كان رجل في منتصف العمر يشرح لمجموعة من الشباب أنه يستطيع حل مشكلات الحي كلها إذا وصل إلى المجلس .

قال بثقة :

— أعرف الناس واحدًا واحدًا ، وأعرف ما يحتاجون إليه . الطريق المتضرر سأصلحه ، والسوق سأعيد تنظيمه، ومشكلتنا مع النظافة سأضع لها حدًا . كل شيء ممكن إذا وجدت الإرادة.

استمع آدم إليه ، ثم سأله بأدب :

— كلامك جيد . لكن هل تعرف ما يدخل ضمن صلاحيات المجلس الشعبي البلدي ، وما يحتاج إلى موافقة أو تمويل من جهة أخرى ؟ وهل أعددت تقديرًا للتكاليف، أو ترتيبًا للأولويات ؟

تغيرت ملامح الرجل قليلًا .

— يا بني ، نحن لا نحتاج إلى تعقيد الأمور . إذا كان المسؤول يريد العمل، فإنه يجد الحل .

قال آدم :

— صحيح أن الإرادة مهمة ، لكنها لا تغني عن معرفة الإجراءات والموارد والحدود القانونية . وإلا فقد نعد الناس بأشياء لا نستطيع تنفيذها.

تدخل أحد الحاضرين :

— يبدو أنك تريد أن تجعل المترشح خبيرًا في كل شيء قبل أن يدخل المجلس !

ابتسم آدم وقال :

— لا، بل أريده أن يعرف ما يعرفه ، وما لا يعرفه، ومتى يستشير أهل الاختصاص . ليس مطلوبًا منه أن يكون مهندسًا وطبيبًا وقانونيًا ومحاسبًا في وقت واحد ، لكنه مسؤول عن حسن الاختيار ، وحسن السؤال، وحسن اتخاذ القرار .

كان عمي منصور يستمع في صمت . وحين ابتعدا قليلًا عن المقهى ، قال لحفيده :

— لقد أحسنت في السؤال ، لكنني أريد أن ألفت انتباهك إلى أمر مهم .

— ما هو ؟

— لا تجعل نقص المعرفة تهمة أخلاقية . قد يكون الرجل صادقًا ، ويريد خدمة الناس ، لكنه لم يتلقَّ تكوينًا كافيًا. هنا ينبغي أن نسأل : من أعدّه ؟ ومن ساعده على فهم المهمة التي يريد تحملها ؟ وهل منح نفسه فرصة للتعلم قبل أن يطلب ثقة الناس ؟

قال آدم :

— تقصد أن المسؤولية لا تبدأ عند المترشح وحده، بل تبدأ أيضًا عند الجهة التي تختاره وتقدمه للناس ؟

أجابه الجد :

— بالضبط. الحزب الذي يطلب من الناس الثقة في مترشحيه لا ينبغي أن يكتفي بتعليق صورهم وترديد أسمائهم . عليه أن يهتم بقدرتهم على فهم الشأن العام ، والعمل ضمن فريق ، واحترام القانون ، والإصغاء إلى المواطن، وتقييم النتائج .

ثم أضاف :

— فالمدرسة السياسية الحقيقية لا تصنع خطباء بارعين فحسب ، بل تصنع أشخاصًا يعرفون كيف يحولون الأفكار إلى عمل ، وكيف يختلفون دون أن يتحول الخلاف إلى عداوة ، وكيف يعترفون بالخطأ دون أن يظنوا أن الاعتراف به هزيمة .

🌿 حين تصبح القائمة أهم من البرنامج

في اليوم التالي ، عاد آدم إلى جده وهو يحمل ورقة دوّن فيها بعض الأسئلة .

قال :

— جدي ، تخيل أن حزبًا اختار مترشحيه على أساس الشهرة والمال والعلاقات ، ثم طلب منهم إعداد برنامج في أيام قليلة . ماذا ننتظر منهم بعد ذلك ؟

أجابه عمي منصور :

— قد ينجح بعضهم بفضل خبرته الشخصية ، وقد يجتهد آخرون ويتعلمون بسرعة ، لكن الاعتماد على المصادفة ليس طريقة لبناء مؤسسات قوية .

ثم أشار إلى الورقة .

— ما الأسئلة التي كتبتها ؟

قرأ آدم :

— هل يعرف المترشح صلاحيات المجلس ؟ هل يستطيع قراءة ميزانية البلدية وفهم أولوياتها الأساسية ؟ هل يعرف كيف يتعامل مع الموظفين دون إهانة أو تدخل عشوائي ؟ هل يستطيع التمييز بين مطلب المواطن المشروع والوعد الذي يتجاوز إمكانات البلدية ؟ وهل يقبل أن يُحاسب على ما يعد به ؟

ابتسم الجد وقال :

— هذه أسئلة نافعة. أضف إليها سؤالًا آخر : هل يعرف كيف يعمل مع من يخالفه الرأي ؟

رفع آدم رأسه .

— ولماذا هذا السؤال مهم إلى هذه الدرجة ؟

قال عمي منصور :

— لأن المجلس ليس مجلس شخص واحد . قد يكون المنتخب مقتنعًا بفكرة ، لكن زملاءه يرون أن هناك أولوية أهم ، أو أن الموارد لا تسمح بتنفيذها الآن . فإذا كان لا يقبل النقاش ، ولا يحترم الرأي المخالف ، ولا يبحث عن حل مشترك ، تحوّل المجلس إلى ساحة صراع بدل أن يكون مؤسسة لخدمة الناس .

فكر آدم قليلًا ثم قال :

— إذن قد يكون المترشح صاحب أفكار جيدة، لكنه يفشل لأن طريقة تعامله مع الآخرين لا تسمح بتحويل تلك الأفكار إلى قرارات .

— نعم. فالسياسة ليست مسابقة في إلقاء الخطب ، ولا اختبارًا لمن يستطيع رفع صوته أكثر. إنها قدرة على إدارة الاختلاف ، وترتيب الأولويات ، وبناء التوافق حيث يكون ممكنًا ، والالتزام بالإجراءات حين يظل الخلاف قائمًا .

ثم ابتسم وأضاف :

— ومن لا يتعلم الإصغاء قبل الانتخابات ، قد يجد نفسه بعد الفوز محاطًا بأشخاص يتكلمون كثيرًا ، ولا أحد يسمع أحدًا .

🌿 التكوين ليس احتكارًا للحقيقة

سكت آدم لحظة، ثم قال :

— لكن يا جدي ، ألا يمكن أن يتحول التكوين السياسي نفسه إلى وسيلة لفرض أفكار معينة على المترشحين ؟ ماذا لو أراد الحزب أن يصنع أشخاصًا يرددون كلام قيادته دون نقاش ؟

ضحك عمي منصور وقال :

— سؤال في محله . فليست كل مدرسة مدرسة حقيقية ، وليست كل دورة تكوينية دليلًا على التكوين .

ثم تابع بجدية :

— التكوين الذي نحتاج إليه لا يصنع نسخًا متشابهة من الأشخاص ، ولا يطلب منهم أن يتركوا عقولهم عند الباب . إنه يعلّمهم كيف يفهمون القانون ، وكيف يدرسون المشكلات ، وكيف يختبرون الأفكار ، وكيف يحترمون المؤسسات ، وكيف يميزون بين مصلحة الحزب ومصلحة المواطنين عندما يقع التعارض .

قال آدم :

— أي إنه يمنح المترشح أدوات التفكير ، لا أجوبة جاهزة لكل سؤال .

— بالضبط. فالحزب الذي يخاف من الأسئلة الصعبة لن يهيئ مسؤولين قادرين على مواجهة المشكلات الصعبة .

ثم تناول عمي منصور مسبحته ، وراح يقلب حباتها بين أصابعه .

— يا بني ، ليس مطلوبًا من الحزب أن يضمن أن كل مترشح سيصبح مسؤولًا ناجحًا ؛ فهذا أمر لا يمكن ضمانه. لكنه يستطيع أن يرفع مستوى الاختيار ، وأن يهيئ الناس لتحمل المسؤولية ، وأن يضع معايير واضحة للتقييم ، وأن يشجع النقد الداخلي بدل معاقبة من يطرح سؤالًا مشروعًا .

قال آدم :

— وماذا لو كان هناك مترشح كفء ونزيه ، لكنه لا يملك المال ولا العلاقات ولا الشهرة ؟

نظر إليه جده طويلًا، ثم أجاب :

— عندها يظهر معنى العدالة داخل الحزب . هل يمنحه فرصة حقيقية لأنه قادر على الإضافة ، أم يتجاوزه لأن غيره أكثر نفوذًا ؟ وهل تكون الأولوية لمن يستطيع خدمة الناس ، أم لمن يستطيع خدمة صورة القائمة ؟

وأضاف :

— لا يجوز أن نحكم على كل اختيار لا نعرف تفاصيله ، لكن من حق الناس أن يتساءلوا عن المعايير ، وأن يطالبوا بالشفافية في اختيار من سيُطلب منهم لاحقًا منحه الثقة .

🌿 من يتعلم قبل أن يطلب الثقة ؟

عاد الاثنان إلى الدكان مع اقتراب الغروب . كانت شجرة الليمون قد ألقت ظلها على جزء من الجدار ، وكانت رائحة النعناع تتصاعد من إبريق الشاي .

جلس آدم ، ثم قال :

— بدأت أفهم لماذا لا يكفي أن نسأل : من هو المترشح ؟ بل علينا أن نسأل أيضًا : كيف أُعدّ لهذه المسؤولية ؟ وما الذي يعرفه عنها ؟ وهل هو مستعد للتعلم والمراجعة ؟

أجابه عمي منصور :

— نعم ، لكن تذكر أن التكوين لا يعفي المترشح من المسؤولية ، كما أن غيابه لا يثبت وحده سوء النية . نحن لا نبحث عن إنسان كامل ، بل عن إنسان واعٍ بحدود قدرته ، صادق في قصده، مستعد للتعلم ، قادر على التعاون ، ومستعد لأن يتحمل نتائج قراراته .

ثم أضاف :

— والمواطن أيضًا يحتاج إلى قدر من الوعي . عليه ألا يختار لمجرد أن المترشح وعده بما يحب سماعه ، بل أن يسأل عن واقعية البرنامج، وعن الوسائل التي تسمح بتنفيذه ، وعن قدرة صاحبه على تحويل الوعد إلى عمل .

ابتسم آدم وقال :

— يبدو أن الانتخابات تحتاج إلى مدرسة قبل أن تحتاج إلى منصة .

رد الجد :

— تحتاج إلى مدرسة تُعلّم ، ومنصة تشرح ، وصندوق يختار ، ومؤسسات تراقب وتحاسب . فإذا اكتفينا بالصندوق وحده ، انتظرنا منه أن يصنع ما لم نُعِدّ له أسبابه .

تأمل آدم شجرة الليمون أمامه ، ثم قال :

— لكنها لا تتعلم الكلام ، يا جدي ، ومع ذلك تعطينا ثمرًا طيبًا .

ضحك عمي منصور :

— لأنها لا تعدنا بما لا تستطيع تقديمه ، يا بني . أما الإنسان ، فقد يعدك بظل الشجرة وثمرها ومائها ، ثم يكتشف بعد أن تمنحه ثقتك أنه لم يسأل نفسه أصلًا : هل يعرف كيف يعتني بها ؟

ضحك آدم ، ثم سكت قليلًا قبل أن يقول :

— بقي سؤال أخير . إذا تعلم المترشح ، وفهم القانون ، وأعدّ برنامجًا واقعيًا ، وكان أمينًا في قصده ، فهل يصبح بذلك مؤهلًا وحده للمسؤولية ؟

أجاب الجد :

— لقد قطع شوطًا مهمًا ، لكنه لم يصل إلى النهاية . فهناك فرق بين أن تعرف ما ينبغي فعله ، وأن تملك القدرة على فعله ، وبين أن تملك القدرة ، وأن تستخدمها بأمانة .

ثم وضع كأس الشاي أمام حفيده وقال :

— قد يكون الإنسان صادقًا وكفؤًا ، لكنه يضعف أمام الإغراء . وقد يكون أمينًا ، لكنه يعجز عن اتخاذ القرار في الوقت المناسب . وقد يكون صاحب خبرة ، لكنه لا يقبل المحاسبة . ولهذا لا بد أن تجتمع في المسؤولية أخلاق تحرس القرار ، وكفاءة تحسن صنعه ، وقواعد تمنع الانحراف ، ومؤسسات تراقب الأداء .

أخذ آدم الكأس ، ونظر إلى جده قائلًا :

— إذن المدرسة تُعِدّ الإنسان ، لكنها لا تستطيع أن تضمن ما سيفعله عندما يصبح القرار في يده .

ابتسم عمي منصور .

— الآن بدأت تقترب من السؤال الأصعب .

في تلك الليلة ، عاد آدم إلى هاتفه ، لكنه لم يبحث عن أسماء جديدة ، ولم ينشغل بعدد الصور أو حجم التعليقات . فتح ورقة بيضاء وكتب في أعلاها :

« ليس المهم فقط أن نعرف من يطلب المقعد ، بل أن نعرف كيف استعد لحمله » .

ثم أضاف تحتها سؤالًا ظل يتردد في ذهنه :

إذا كان التكوين يعلّم الإنسان كيف يفهم المسؤولية ، فكيف نعرف أنه سيستخدم ما تعلّمه في خدمة الناس ، لا في خدمة مصالحه الخاصة ؟

كان يعرف أن الإجابة لن تأتي من شهادة تكوين ، ولا من خطاب انتخابي ، ولا من وعود مكتوبة .

فالأمانة لا تظهر كاملة في قاعة الدرس ، وإنما تبدأ حقيقتها بالانكشاف عندما يصبح القرار ممكنًا ، وتصبح المصلحة الخاصة قريبة ، ويقف الضمير أمام الاختبار .

وهناك ، عند تلك اللحظة تحديدًا ، سيبدأ امتحان جديد .

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

19 - 19 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.