
🌅 📖 حين يصبح التَّديُّن عادة… ويغيب الدِّين 🌿 الجزء الثاني
📖 رواية « حين يصبح التدين عادة… ويغيب الدين » ✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي 🌿 ليست القضية هنا : الصلاة أم العمل ؟ ولا الشعيرة أم الأخلاق ؟ ولا التراث أم العقل ؟ ولا الدين أم التكنولوجيا ؟ القضية الحقيقية التي تخوضها هذه الرواية هي : كيف تتكامل هذه كلها في إنسانٍ يعبد الله ، ويعقل ، ويعمل ، ويعدل ، ويعمر الأرض ؟ رحلة حوارية حية تتلاقى فيها تجربة الشيخ « عمي منصور » وتساؤلات حفيده « آدم » ، حيث لم يعد « آدم » مجرد مستمع ، بل شريكًا حقيقيًا في صناعة السؤال وطرق أبوابه . حوار ينطلق بين جيل الحكمة والخبرة وجيل العقل والتقنية ، ليتدرج القارئ معنا من تفكيك المشكلة إلى فهمها ، ثم إلى امتلاك أدوات تجاوزها ، وصولًا إلى بناء الإنسان الذي ينعكس دينه على سلوكه في الشارع والبيت والسوق .
🌿 إطلالة فكرية من رواية
📚 من حكايات عمي منصور وحفيده آدم
🕌 حين يصبح التَّديُّن عادة… ويغيب الدِّين
📖 رواية تربوية | فكرية | اجتماعية | روحية | فلسفية
____________________________________
🌿 الجزء الثاني
الصلاة والسلوك
« كيف تتحول الصلاة من مجرد ركوع وسجود إلى استقامة حقيقية تمنع من الفحشاء والمنكر في التعامل اليومي ؟ »
نتابع الحوار بين آدم وعمي منصور للبحث عن العلاقة الوثيقة بين خشوع المحراب وصدق المعاملة في السوق والبيت .
🌿 الفصل الثالث :
الصلاة التي تبحث عن أثرها
كان صوت أذان الظهر يتردد في أرجاء الحي ، قادمًا من مئذنة المسجد القريب .
وقف عمي منصور ، وعدّل جبته الهادئة ، ثم نظر إلى آدم الذي كان يغلق دفتره ببطء ، وقال له :
— هيا بنا يا بني.. الصلاة لا تنتظر .
مشيَا معًا في الأزقة الضيقة نحو المسجد . كانت الخُطى متقاربة ، وكان الصمت بينهما يمتلئ بصدى السؤال الذي أُلقي قبل قليل على الشرفة .
داخل المسجد ، كانت الصفوف متراصة . أقيمت الصلاة ، ووقف الجميع خلف الإمام : التاجر ، والموظف ، والعامل ، والغريب . خشعت الأصوات ، وانحنت الرؤوس ، وسجدت الجباه على السجاد الممتد .
وبعد الانتهاء من الصلاة والأذكار ، خرج عمي منصور وآدم مع جموع المصلين .
وعند باب المسجد ، وقعت عين آدم على موقفٍ خاطف : رجلٌ كان يصلي في الصف الأول بخُشوع ظاهر ، خرج مسرعًا ليصرخ في وجه رجل مسن يبيع بعض الخضار على الرصيف ، مدعيًا أنه ضايق سيارته المركونة ، ولم يتورّع عن تقريع الرجل بألفاظ قاسية أمام الناس !
مشى آدم بجانب جده صامتًا ، لكن عينيه كانتا تتكلمان .
عندما عادا إلى الشرفة ، قال آدم بصوت خفيض تحمل نبرته وجعًا :
— جدي.. ألم يكن هذا الرجل يقف بجانبنا في الصف الأول قبل دقائق ؟ ألم يضع جبهته على الأرض خاشعًا كما وضعناها ؟ كيف يخرج من المسجد بهذه السرعة ليمحو بأفعاله ما بناه في صلاته ؟
أخذ عمي منصور نَفَسًا عميقًا ، ثم جلس على كرسيه ، ووضع يده على الطاولة وقال :
— يا آدم.. احذر أن تقع في الفخ الذي يقع فيه الكثيرون .
رفع آدم حاجبه متسائلًا :
— أيّ فخ يا جدي ؟
قال عمي منصور بثبات وحكمة :
— فخ المقارنة الفاسدة . بعض الناس حين يرون هذا الانفصام بين الصلاة والسلوك ، يسارعون إلى القول : « إذن الصلاة لا فائدة منها » ، أو « العمل الصالح أهم من الصلاة » ، وهذا خطأ جلي .
الصلاة يا بني فريضة قائمة بذاتها ، وهي صلة عظيمة بين العبد وربه ، ولا توجد عبادة تسدّ مسدّها أو تُغني عنها .
ثم مال بجسده قليلًا نحو آدم وأضاف :
— الفساد ليس في الصلاة.. الفساد في "طريقة أداء" هذا المصلي لصلاته . الصلاة لم تفشل ، وإنما لم يظهر أثرها في سلوكه ؛ لأنه أدى حركاتها ، ولم يحمل معناها معه إلى حياته .
قرّب آدم كرسيه وسأل :
— وكيف تترك الصلاة أثرها يا جدي ؟ لماذا يصلي البعض عقودًا ولا تتغير أخلاقهم ؟
ابتسم عمي منصور ابتسامة فيها أسى ، ثم قال :
— لأن الصلاة عند بعض الناس تحولت إلى " عادة جسدية " ونشاط ميكانيكي ؛ حركات نؤديها بالبدن ، بينما العقل يسرح في التجارة والأسواق ، والقلب غائب . حين تدخل الصلاة بالجسد فقط وتترك قلبك وعقلك خارج المسجد ، تخرج من الصلاة كما دخلتها ، لم تتغير فيك زاوية واحدة .
ثم أردف عمي منصور بنبرة هادئة ورصينة :
— انظر يا بني إلى القاعدة القرآنية الجليلة في الغاية من الصلاة :
« ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾ » .
فإذا رأيت مصليًا يغش ، أو يكذب ، أو يظلم ، فاعلم أن صلاته تحتاج إلى تصحيح في روحها وحضورها لا في أركانها الظاهرة .
واسترسل يشرح ليربط المعنى بقانون إلهي آخر يربط بين القول والعمل :
— وتأمل كيف يكتمل هذا المعنى مع قوله تعالى :
« ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ » .
فالكلمة الطيبة لا ينبغي أن تبقى مجرد قول ، بل يصدقها العمل الصالح ؛ وما أجمل أن تتحول العبادة التي نؤديها في المسجد إلى أمانة وعدل ورحمة في السوق والشارع والبيت .
تأمل آدم الآيات ، ثم قال :
— إذن يا جدي ، الصلاة والعمل الصالح ليسا بديلين عن بعضهما ، بل هما جناحانا للتزكية ؟
قال عمي منصور بنبرة قاطعة :
— أحسنت ! الصلاة ليست بديلاً عن العمل الصالح ، والعمل الصالح ليس بديلاً عن الصلاة ؛ بل كلاهما من صلب الدين ، والعبادة الصادقة هي التي تثمر أخلاقًا في الشارع ، وأمانة في السوق ، وعدلًا في المعاملة .
ثم أخرج المسبحة وقال بلهجة هادئة :
— وفي الوقت نفسه يا بني ، لا يحق لنا أن نحكم على قبول صلاة أحد أو رفضها ، فالقبول والجزاء مردُّهما إلى الله وحده . دورنا ليس أن نصنف الناس ، بل أن نسأل أنفسنا بصدق : هل تحولت صلاتنا نحن إلى نهر يغسل أخلاقنا يوميًا ، أم أصبحت مجرد حركات نؤديها لنبرئ بها ذمتنا ظاهريًا ؟
فتح آدم دفتره وسجّل هذه المعاني الدقيقة ، ثم رفع عينيه وقال :
— يا جدي.. ولكن هناك فرقًا بين من يغفل في صلاته فيضعف سلوكه ، وبين من يستغل هذه العبادة والشكل الظاهري عمداً للتغطية على ظلمه أو أكل أموال الناس ! هؤلاء لا يجهلون الأثر فقط ، بل يتخذون التدين حجابًا وستارًا !
توقفت حبات المسبحة بين أصابع عمي منصور ، ونظر إلى الحديقة ثم قال بصوت خفيض :
— هنا يا بني ننتقل من عجز النفس وغفلتها إلى المساحة الأكثر ظلمة.. مساحة الانفصام والقصدية واستغلال الرمز .
ثم التفت إليه وقال :
— وهذا ما سنتحدث عنه في حديثنا القادم : حين يصبح التدين ستارًا.. ويتحول الشكل إلى وسيلة لخداع الخلق !
🌿 الفصل الرابع :
حين يصبح التدين ستارًا
كان دكان الحاج مدني القديم يقع عند مفرق الشارع المؤدي إلى دكان عمي منصور .
كان الحاج مدني رجلًا مهيبًا ؛ لحية بيضاء مشذبة بعناية ، وثوبًا ناصعًا ، ومسبحة لا تكاد تفارق يده ، وصوتًا جهوريًا يسمعه أهل الحي وهو يتحدث عن مخافة الله ، والحلال والحرام ، ولزوم الجماعة .
وكان الناس يجلّونه .
بل إن بعضهم كان يرجع إليه في خصوماته ، ويستأنس برأيه ، لأن مظهره الديني منحَه في أعينهم ثقةً ومكانة .
في ذلك الصباح ، كان آدم يقف بالقرب من الدكان ، ينتظر عمي منصور ليشتريا بعض المستلزمات .
وفجأة ، سمع صوتًا خافتًا متوترًا يأتي من خلف الدكان .
اقترب قليلًا .
كان هناك شاب بسيط يعمل في نقل البضائع . بدا عليه التعب ، وكان وجهه شاحبًا من أثر يوم طويل .
وقف أمام الحاج مدني وقال بصوت خافت :
— يا حاج مدني… هذا حق عملي لثلاثة أيام كاملة ، ولم أتقاضَ أجري بعد . ثم إنك رفعت عليّ إيجار المستودع دون أن تخبرني مسبقًا . عائلتي تنتظر مصاريفها ، وأنا لا أطلب صدقة… أطلب حقي .
تغير وجه الحاج مدني .
وانفجر غاضبًا :
— اتق الله يا بني ! أهكذا تتحدث معي وأنا الذي أعطيتك فرصة للعمل ؟ ألم تسمع عن الصبر ؟ احذر أن تظلمني بلسانك ! وحسابنا أمام الله !
تراجع الشاب خطوة .
ثم قال بصوت مكسور :
— أنا لا أريد إلا أجري يا حاج…
لكن الحاج مدني أدار وجهه عنه .
وفي اللحظة نفسها ، لمح رجلًا من أعيان الحي يمر في الشارع .
تغير وجهه في لحظة .
اختفت ملامح الغضب ، وظهرت ابتسامة واسعة .
رفع صوته :
— مرحبًا بالشيخ الفاضل ! بارك الله في خطواتك إلى المسجد ! تفضل ، لا بد أن نشرب الشاي معًا .
نظر الشاب إلى الأرض .
بقي واقفًا للحظات ، ثم حمل أغراضه وانصرف بخطوات ثقيلة .
أما الحاج مدني ، فجلس مع ضيفه يتحدثان عن الزهد والتقوى ، وعن مخافة الله ، وعن حسن الخلق .
كان آدم قد رأى المشهد كله .
لم يتكلم .
شعر بغصة في حلقه .
وبعد دقائق وصل عمي منصور .
أمسك آدم بذراعه ومشيا مبتعدين عن الدكان ، حتى وصلا إلى ظل شجرة زيتون قديمة .
توقف آدم .
كان الغضب واضحًا في صوته :
— هل رأيت يا جدي ؟ هذا يتجاوز مجرد الغفلة في الصلاة.. هذا استغلال صريح ! رجل يتحدث عن الله أمام الناس ، ثم يستعمل الكلام الديني ليصادر حق رجل ضعيف . يطالب العامل بالصبر ، لكنه لا يصبر على سماع مطالبة بحقه ! كيف يمكن للإنسان أن يجعل من الدين ستارًا لسلوكه بدل أن يكون الدين سببًا في إصلاحه ؟
نظر عمي منصور إلى الدكان البعيد .
كان في عينيه ألم واضح .
لكنه لم يترك غضب آدم يقوده إلى التعميم .
وضع يده على كتفه وقال :
— يا بني… اهدأ ، ولا تجعل الشعلة تحرق يدك .
ثم أضاف :
— خطأ الطبيب لا يجعل الطب خطأ… وانحراف هذا الرجل لا يجعل الدين منحرفًا .
تنهد آدم .
— أعرف ذلك يا جدي . لكن المشكلة أن الناس لا يفرّقون دائمًا بين الاثنين . حين يرون هذا التناقض والتكسب بالرمز الديني مرة بعد مرة ، تبدأ ثقتهم في الخطاب الديني نفسه بالاهتزاز .
أومأ عمي منصور .
— وهذه مشكلة حقيقية .
جلس على مقعد حجري تحت شجرة الزيتون ، ثم قال :
— المشكلة تبدأ عندما يستبدل الإنسان حقيقة التدين بصورته واستغلالها الاجتماعي .
رفع آدم عينيه إليه .
تابع عمي منصور :
— الصورة سهلة يا بني .
وأشار بيده :
— ثوب جميل… مظهر حسن… عبارات محفوظة… حضور في المناسبات… صور وتكريمات… حديث متكرر عن الحلال والحرام… ووقوف في الصفوف الأولى أمام الناس .
ثم توقف .
— كل ذلك قد يكون خيرًا إذا كان صادقًا .
وأضاف :
— لكنه يتحول إلى درع وستار حين يغيب الصدق .
ثم اقترب قليلًا من آدم وقال :
— أما حقيقة التدين فهي أصعب بكثير .
ثم سكت لحظة ، وكأنه يستحضر ميزانًا دقيقًا بين ما تراه العيون وما يعلمه الله ، وقال :
— وقد لخّص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في حديث جامع ، فقال :
« إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ » .
( رواه مسلم ) .
ثم تابع عمي منصور :
— ويؤكد القرآن هذا الميزان بقوله تعالى :
« ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات : 13] » .
ثم نظر إلى آدم وقال :
— فليست قيمة الإنسان في ثوبه ، ولا في مظهره ، ولا في مكانته بين الناس ، وإنما في تقواه ، وفي الأثر الذي تتركه تلك التقوى في قلبه وعمله وسلوكه .
ثم أردف :
— وحقيقة التدين يا بني أن تعدل حين تكون قويًا .
أن تؤدي للعامل أجره .
أن تقول الحق ولو كان على نفسك .
أن تحفظ الأمانة عندما لا يراك أحد .
أن تعفو حين تستطيع الانتقام .
وأن تخاف الله في السر أكثر مما تخاف الناس في العلن .
ظل آدم صامتًا .
ثم قال :
— جدي… لكن لماذا يسكت بعض من يتحدثون باسم الدين أمام هذه المواقف ؟ لماذا تكون كلماتهم قوية على الضعيف ، ناعمة أمام صاحب النفوذ ؟
تنفس عمي منصور بعمق .
وقال :
— لأن الإنسان الذي يحمل رسالة يمكن أن يضعف أمام الدنيا مثل غيره .
ثم أضاف :
— الخوف ، والمصلحة ، وحب المكانة ، كلها امتحانات .
وتابع :
— حين يفضل صاحب الرسالة رضا المخلوق على رضا الخالق ، أو يخشى على منصبه ومكانته ، يتحول الخطاب الديني شيئًا فشيئًا إلى كلام عام وآمن… كلام يتحدث عن المنكر ، لكن من دون أن يقترب من موضع الجرح .
رفع آدم رأسه :
— أليس من واجبه أن ينصح ؟
— بلى .
ثم أردف عمي منصور :
— لكن النصيحة ليست فضيحة ، والشجاعة ليست تهورًا .
— إذن كيف ؟
ابتسم عمي منصور :
— بالحكمة والموعظة الحسنة ، وبالكلمة التي تصلح ولا تفسد ، وتواجه الخطأ من غير ظلم ، وتردع الظالم من غير أن تتحول إلى ظلم آخر .
سكت قليلًا .
ثم قال :
— لكن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح الخوف سببًا في دفن الحقيقة .
ظل آدم ينظر إلى الأرض .
ثم قال :
— وربما لهذا بدأ بعض الناس لا يصغون أصلًا .
أجاب عمي منصور :
— نعم .
— لماذا ؟
— لأن الكلمة إذا تكررت دون أن يرى الناس أثرها في الواقع ، فقدت شيئًا من قوتها .
ثم نظر إلى حفيده :
— الواعظ لا يملك أن يصلح الناس كلهم ، لكنه يملك أن يكون صادقًا فيما يقول . والناس قد يغفرون للإنسان قلة العلم ، لكن يصعب عليهم أن يغفروا له أن يتحدث عن التقوى ثم يروا منه استغلالًا يناقضها .
أخرج آدم دفتره .
كتب :
« التدين الشكلي قد يصنع صورةً جميلة أمام الناس ، أما التزكية الحقيقية فتظهر عندما يغيب الناس . »
قرأ عمي منصور العبارة ، ثم ابتسم .
— هذه أفضل يا آدم .
رفع آدم رأسه .
— لماذا ؟
— لأن الإنسان يستطيع أن يتزين أمام الناس ساعة ، لكنه لا يستطيع أن يمثل طوال حياته .
ثم سكت .
وبعد لحظات قال آدم :
— جدي… إذا كان هذا التناقض موجودًا بين بعض من يتخذون التدين ستارًا ، فكيف نستغرب حين نرى في مجتمعات أخرى — لا تدين بالإسلام — عدلًا ونظامًا وإتقانًا واحترامًا للقانون ؟
رفع عمي منصور رأسه .
لم يجب فورًا .
ثم قال :
— هنا يا آدم… وصلنا إلى سؤال لا ينبغي أن نهرب منه .
— أي سؤال ؟
وقف عمي منصور ، وأخذ مسبحته .
— هل يكفي أن نملك الحقيقة في الكتب إذا لم نستطع تحويلها إلى حياة ؟
نظر آدم إليه .
فأضاف عمي منصور :
— وهل يمكن أن يتعلم الإنسان من تجربة غيره دون أن يتنازل عن هويته وإيمانه ؟
ثم بدأ يمشي ببطء .
تبعَه آدم .
وبعد خطوات قال عمي منصور :
— لا تمدح مجتمعًا لأنه غربي ، ولا تذمه لأنه غربي . انظر إلى ما أحسن فيه ، وتعلم منه . ولا تذم مجتمعك لمجرد جلد الذات ، بل اسأل : أين أخفقنا ؟ ولماذا ؟
ابتسم آدم :
— إذن لن يكون الفصل القادم عن الغرب ؟
ضحك عمي منصور :
— بل سيكون عن أنفسنا ونحن ننظر إلى الغرب .
ثم تابع سيره وقال :
— عن الإنسان الذي وظف عقله ، ونظم حياته ، وعمر أرضه… وعن الإنسان الذي يملك كتابًا يدعوه إلى العلم والعمل والإتقان ، لكنه أحيانًا يكتفي بالحديث عنه .
توقف لحظة ، ثم نظر إلى آدم :
— وهنا تبدأ المفارقة الأكبر .
قال آدم :
— وما هي ؟
ابتسم عمي منصور ابتسامة شجن :
— مجتمعاتٌ أحسنت العمل فأثمرت ، ومجتمعاتٌ أكثرَت الكلام حتى صار الكلام أحيانًا بديلًا عن العمل .
ثم أضاف سريعًا :
— ولكن إياك أن تجعلها حكمًا على الناس جميعًا .
ومضيا معًا في الطريق ، بينما بقي دكان الحاج مدني خلفهما ، واقفًا في مكانه كعلامة استفهام كبيرة .
علامة استفهام لم تكن تخص رجلًا واحدًا…
بل تخص كل إنسان يتساءل :
هل نعيش ما نقول… أم نكتفي بالقول ؟
📌🌿 تنويه للمتابعين
نلتقي معكم إن شاء الله في الجزء الثالث [ الفصلان 5 و 6 ] ، لنكمل رحلتنا الحوارية ، ونبحث في :
المفارقة الحضارية بين الفكر والعمل... وأُمّة « اقرأ » التي لا تقرأ .
( يتبع.. ) 🌿📖
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.