🌅 📖  حين يصبح التَّديُّن عادة… ويغيب الدِّين 🌿 الجزء الثاني
مدونة

🌅 📖 حين يصبح التَّديُّن عادة… ويغيب الدِّين 🌿 الجزء الثاني

23 أوت 2026183 مشاهدة12 دقائق للقراءة

📖 رواية « حين يصبح التدين عادة… ويغيب الدين » ✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي 🌿 ليست القضية هنا : الصلاة أم العمل ؟ ولا الشعيرة أم الأخلاق ؟ ولا التراث أم العقل ؟ ولا الدين أم التكنولوجيا ؟ القضية الحقيقية التي تخوضها هذه الرواية هي : كيف تتكامل هذه كلها في إنسانٍ يعبد الله ، ويعقل ، ويعمل ، ويعدل ، ويعمر الأرض ؟ رحلة حوارية حية تتلاقى فيها تجربة الشيخ « عمي منصور » وتساؤلات حفيده « آدم » ، حيث لم يعد « آدم » مجرد مستمع ، بل شريكًا حقيقيًا في صناعة السؤال وطرق أبوابه . حوار ينطلق بين جيل الحكمة والخبرة وجيل العقل والتقنية ، ليتدرج القارئ معنا من تفكيك المشكلة إلى فهمها ، ثم إلى امتلاك أدوات تجاوزها ، وصولًا إلى بناء الإنسان الذي ينعكس دينه على سلوكه في الشارع والبيت والسوق .

🌿 إطلالة فكرية من رواية

📚 من حكايات عمي منصور وحفيده آدم

​🕌 حين يصبح التَّديُّن عادة… ويغيب الدِّين

📖 رواية تربوية | فكرية | اجتماعية | روحية | فلسفية

____________________________________

🌿 الجزء الثاني

الصلاة والسلوك

« كيف تتحول الصلاة من مجرد ركوع وسجود إلى استقامة حقيقية تمنع من الفحشاء والمنكر في التعامل اليومي ؟ »

نتابع الحوار بين آدم وعمي منصور للبحث عن العلاقة الوثيقة بين خشوع المحراب وصدق المعاملة في السوق والبيت .

🌿 الفصل الثالث :

الصلاة التي تبحث عن أثرها

كان صوت أذان الظهر يتردد في أرجاء الحي ، قادمًا من مئذنة المسجد القريب .

وقف عمي منصور ، وعدّل جبته الهادئة ، ثم نظر إلى آدم الذي كان يغلق دفتره ببطء ، وقال له :

— هيا بنا يا بني.. الصلاة لا تنتظر .

مشيَا معًا في الأزقة الضيقة نحو المسجد . كانت الخُطى متقاربة ، وكان الصمت بينهما يمتلئ بصدى السؤال الذي أُلقي قبل قليل على الشرفة .

داخل المسجد ، كانت الصفوف متراصة . أقيمت الصلاة ، ووقف الجميع خلف الإمام : التاجر ، والموظف ، والعامل ، والغريب . خشعت الأصوات ، وانحنت الرؤوس ، وسجدت الجباه على السجاد الممتد .

وبعد الانتهاء من الصلاة والأذكار ، خرج عمي منصور وآدم مع جموع المصلين .

وعند باب المسجد ، وقعت عين آدم على موقفٍ خاطف : رجلٌ كان يصلي في الصف الأول بخُشوع ظاهر ، خرج مسرعًا ليصرخ في وجه رجل مسن يبيع بعض الخضار على الرصيف ، مدعيًا أنه ضايق سيارته المركونة ، ولم يتورّع عن تقريع الرجل بألفاظ قاسية أمام الناس !

مشى آدم بجانب جده صامتًا ، لكن عينيه كانتا تتكلمان .

عندما عادا إلى الشرفة ، قال آدم بصوت خفيض تحمل نبرته وجعًا :

— جدي.. ألم يكن هذا الرجل يقف بجانبنا في الصف الأول قبل دقائق ؟ ألم يضع جبهته على الأرض خاشعًا كما وضعناها ؟ كيف يخرج من المسجد بهذه السرعة ليمحو بأفعاله ما بناه في صلاته ؟

أخذ عمي منصور نَفَسًا عميقًا ، ثم جلس على كرسيه ، ووضع يده على الطاولة وقال :

— يا آدم.. احذر أن تقع في الفخ الذي يقع فيه الكثيرون .

رفع آدم حاجبه متسائلًا :

— أيّ فخ يا جدي ؟

قال عمي منصور بثبات وحكمة :

— فخ المقارنة الفاسدة . بعض الناس حين يرون هذا الانفصام بين الصلاة والسلوك ، يسارعون إلى القول : « إذن الصلاة لا فائدة منها » ، أو « العمل الصالح أهم من الصلاة » ، وهذا خطأ جلي .

الصلاة يا بني فريضة قائمة بذاتها ، وهي صلة عظيمة بين العبد وربه ، ولا توجد عبادة تسدّ مسدّها أو تُغني عنها .

ثم مال بجسده قليلًا نحو آدم وأضاف :

— الفساد ليس في الصلاة.. الفساد في "طريقة أداء" هذا المصلي لصلاته . الصلاة لم تفشل ، وإنما لم يظهر أثرها في سلوكه ؛ لأنه أدى حركاتها ، ولم يحمل معناها معه إلى حياته .

قرّب آدم كرسيه وسأل :

— وكيف تترك الصلاة أثرها يا جدي ؟ لماذا يصلي البعض عقودًا ولا تتغير أخلاقهم ؟

ابتسم عمي منصور ابتسامة فيها أسى ، ثم قال :

— لأن الصلاة عند بعض الناس تحولت إلى " عادة جسدية " ونشاط ميكانيكي ؛ حركات نؤديها بالبدن ، بينما العقل يسرح في التجارة والأسواق ، والقلب غائب . حين تدخل الصلاة بالجسد فقط وتترك قلبك وعقلك خارج المسجد ، تخرج من الصلاة كما دخلتها ، لم تتغير فيك زاوية واحدة .

ثم أردف عمي منصور بنبرة هادئة ورصينة :

— انظر يا بني إلى القاعدة القرآنية الجليلة في الغاية من الصلاة :

« ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾ » .

فإذا رأيت مصليًا يغش ، أو يكذب ، أو يظلم ، فاعلم أن صلاته تحتاج إلى تصحيح في روحها وحضورها لا في أركانها الظاهرة .

واسترسل يشرح ليربط المعنى بقانون إلهي آخر يربط بين القول والعمل :

— وتأمل كيف يكتمل هذا المعنى مع قوله تعالى :

« ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ » .

فالكلمة الطيبة لا ينبغي أن تبقى مجرد قول ، بل يصدقها العمل الصالح ؛ وما أجمل أن تتحول العبادة التي نؤديها في المسجد إلى أمانة وعدل ورحمة في السوق والشارع والبيت .

تأمل آدم الآيات ، ثم قال :

— إذن يا جدي ، الصلاة والعمل الصالح ليسا بديلين عن بعضهما ، بل هما جناحانا للتزكية ؟

قال عمي منصور بنبرة قاطعة :

— أحسنت ! الصلاة ليست بديلاً عن العمل الصالح ، والعمل الصالح ليس بديلاً عن الصلاة ؛ بل كلاهما من صلب الدين ، والعبادة الصادقة هي التي تثمر أخلاقًا في الشارع ، وأمانة في السوق ، وعدلًا في المعاملة .

ثم أخرج المسبحة وقال بلهجة هادئة :

— وفي الوقت نفسه يا بني ، لا يحق لنا أن نحكم على قبول صلاة أحد أو رفضها ، فالقبول والجزاء مردُّهما إلى الله وحده . دورنا ليس أن نصنف الناس ، بل أن نسأل أنفسنا بصدق : هل تحولت صلاتنا نحن إلى نهر يغسل أخلاقنا يوميًا ، أم أصبحت مجرد حركات نؤديها لنبرئ بها ذمتنا ظاهريًا ؟

فتح آدم دفتره وسجّل هذه المعاني الدقيقة ، ثم رفع عينيه وقال :

— يا جدي.. ولكن هناك فرقًا بين من يغفل في صلاته فيضعف سلوكه ، وبين من يستغل هذه العبادة والشكل الظاهري عمداً للتغطية على ظلمه أو أكل أموال الناس ! هؤلاء لا يجهلون الأثر فقط ، بل يتخذون التدين حجابًا وستارًا !

توقفت حبات المسبحة بين أصابع عمي منصور ، ونظر إلى الحديقة ثم قال بصوت خفيض :

— هنا يا بني ننتقل من عجز النفس وغفلتها إلى المساحة الأكثر ظلمة.. مساحة الانفصام والقصدية واستغلال الرمز .

ثم التفت إليه وقال :

— وهذا ما سنتحدث عنه في حديثنا القادم : حين يصبح التدين ستارًا.. ويتحول الشكل إلى وسيلة لخداع الخلق !

🌿 الفصل الرابع :

حين يصبح التدين ستارًا

كان دكان الحاج مدني القديم يقع عند مفرق الشارع المؤدي إلى دكان عمي منصور .

كان الحاج مدني رجلًا مهيبًا ؛ لحية بيضاء مشذبة بعناية ، وثوبًا ناصعًا ، ومسبحة لا تكاد تفارق يده ، وصوتًا جهوريًا يسمعه أهل الحي وهو يتحدث عن مخافة الله ، والحلال والحرام ، ولزوم الجماعة .

وكان الناس يجلّونه .

بل إن بعضهم كان يرجع إليه في خصوماته ، ويستأنس برأيه ، لأن مظهره الديني منحَه في أعينهم ثقةً ومكانة .

في ذلك الصباح ، كان آدم يقف بالقرب من الدكان ، ينتظر عمي منصور ليشتريا بعض المستلزمات .

وفجأة ، سمع صوتًا خافتًا متوترًا يأتي من خلف الدكان .

اقترب قليلًا .

كان هناك شاب بسيط يعمل في نقل البضائع . بدا عليه التعب ، وكان وجهه شاحبًا من أثر يوم طويل .

وقف أمام الحاج مدني وقال بصوت خافت :

— يا حاج مدني… هذا حق عملي لثلاثة أيام كاملة ، ولم أتقاضَ أجري بعد . ثم إنك رفعت عليّ إيجار المستودع دون أن تخبرني مسبقًا . عائلتي تنتظر مصاريفها ، وأنا لا أطلب صدقة… أطلب حقي .

تغير وجه الحاج مدني .

وانفجر غاضبًا :

— اتق الله يا بني ! أهكذا تتحدث معي وأنا الذي أعطيتك فرصة للعمل ؟ ألم تسمع عن الصبر ؟ احذر أن تظلمني بلسانك ! وحسابنا أمام الله !

تراجع الشاب خطوة .

ثم قال بصوت مكسور :

— أنا لا أريد إلا أجري يا حاج…

لكن الحاج مدني أدار وجهه عنه .

وفي اللحظة نفسها ، لمح رجلًا من أعيان الحي يمر في الشارع .

تغير وجهه في لحظة .

اختفت ملامح الغضب ، وظهرت ابتسامة واسعة .

رفع صوته :

— مرحبًا بالشيخ الفاضل ! بارك الله في خطواتك إلى المسجد ! تفضل ، لا بد أن نشرب الشاي معًا .

نظر الشاب إلى الأرض .

بقي واقفًا للحظات ، ثم حمل أغراضه وانصرف بخطوات ثقيلة .

أما الحاج مدني ، فجلس مع ضيفه يتحدثان عن الزهد والتقوى ، وعن مخافة الله ، وعن حسن الخلق .

كان آدم قد رأى المشهد كله .

لم يتكلم .

شعر بغصة في حلقه .

وبعد دقائق وصل عمي منصور .

أمسك آدم بذراعه ومشيا مبتعدين عن الدكان ، حتى وصلا إلى ظل شجرة زيتون قديمة .

توقف آدم .

كان الغضب واضحًا في صوته :

— هل رأيت يا جدي ؟ هذا يتجاوز مجرد الغفلة في الصلاة.. هذا استغلال صريح ! رجل يتحدث عن الله أمام الناس ، ثم يستعمل الكلام الديني ليصادر حق رجل ضعيف . يطالب العامل بالصبر ، لكنه لا يصبر على سماع مطالبة بحقه ! كيف يمكن للإنسان أن يجعل من الدين ستارًا لسلوكه بدل أن يكون الدين سببًا في إصلاحه ؟

نظر عمي منصور إلى الدكان البعيد .

كان في عينيه ألم واضح .

لكنه لم يترك غضب آدم يقوده إلى التعميم .

وضع يده على كتفه وقال :

— يا بني… اهدأ ، ولا تجعل الشعلة تحرق يدك .

ثم أضاف :

— خطأ الطبيب لا يجعل الطب خطأ… وانحراف هذا الرجل لا يجعل الدين منحرفًا .

تنهد آدم .

— أعرف ذلك يا جدي . لكن المشكلة أن الناس لا يفرّقون دائمًا بين الاثنين . حين يرون هذا التناقض والتكسب بالرمز الديني مرة بعد مرة ، تبدأ ثقتهم في الخطاب الديني نفسه بالاهتزاز .

أومأ عمي منصور .

— وهذه مشكلة حقيقية .

جلس على مقعد حجري تحت شجرة الزيتون ، ثم قال :

— المشكلة تبدأ عندما يستبدل الإنسان حقيقة التدين بصورته واستغلالها الاجتماعي .

رفع آدم عينيه إليه .

تابع عمي منصور :

— الصورة سهلة يا بني .

وأشار بيده :

— ثوب جميل… مظهر حسن… عبارات محفوظة… حضور في المناسبات… صور وتكريمات… حديث متكرر عن الحلال والحرام… ووقوف في الصفوف الأولى أمام الناس .

ثم توقف .

— كل ذلك قد يكون خيرًا إذا كان صادقًا .

وأضاف :

— لكنه يتحول إلى درع وستار حين يغيب الصدق .

ثم اقترب قليلًا من آدم وقال :

— أما حقيقة التدين فهي أصعب بكثير .

ثم سكت لحظة ، وكأنه يستحضر ميزانًا دقيقًا بين ما تراه العيون وما يعلمه الله ، وقال :

— وقد لخّص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في حديث جامع ، فقال :

« إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ » .

( رواه مسلم ) .

ثم تابع عمي منصور :

— ويؤكد القرآن هذا الميزان بقوله تعالى :

« ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات : 13] » .

ثم نظر إلى آدم وقال :

— فليست قيمة الإنسان في ثوبه ، ولا في مظهره ، ولا في مكانته بين الناس ، وإنما في تقواه ، وفي الأثر الذي تتركه تلك التقوى في قلبه وعمله وسلوكه .

ثم أردف :

— وحقيقة التدين يا بني أن تعدل حين تكون قويًا .

أن تؤدي للعامل أجره .

أن تقول الحق ولو كان على نفسك .

أن تحفظ الأمانة عندما لا يراك أحد .

أن تعفو حين تستطيع الانتقام .

وأن تخاف الله في السر أكثر مما تخاف الناس في العلن .

ظل آدم صامتًا .

ثم قال :

— جدي… لكن لماذا يسكت بعض من يتحدثون باسم الدين أمام هذه المواقف ؟ لماذا تكون كلماتهم قوية على الضعيف ، ناعمة أمام صاحب النفوذ ؟

تنفس عمي منصور بعمق .

وقال :

— لأن الإنسان الذي يحمل رسالة يمكن أن يضعف أمام الدنيا مثل غيره .

ثم أضاف :

— الخوف ، والمصلحة ، وحب المكانة ، كلها امتحانات .

وتابع :

— حين يفضل صاحب الرسالة رضا المخلوق على رضا الخالق ، أو يخشى على منصبه ومكانته ، يتحول الخطاب الديني شيئًا فشيئًا إلى كلام عام وآمن… كلام يتحدث عن المنكر ، لكن من دون أن يقترب من موضع الجرح .

رفع آدم رأسه :

— أليس من واجبه أن ينصح ؟

— بلى .

ثم أردف عمي منصور :

— لكن النصيحة ليست فضيحة ، والشجاعة ليست تهورًا .

— إذن كيف ؟

ابتسم عمي منصور :

— بالحكمة والموعظة الحسنة ، وبالكلمة التي تصلح ولا تفسد ، وتواجه الخطأ من غير ظلم ، وتردع الظالم من غير أن تتحول إلى ظلم آخر .

سكت قليلًا .

ثم قال :

— لكن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح الخوف سببًا في دفن الحقيقة .

ظل آدم ينظر إلى الأرض .

ثم قال :

— وربما لهذا بدأ بعض الناس لا يصغون أصلًا .

أجاب عمي منصور :

— نعم .

— لماذا ؟

— لأن الكلمة إذا تكررت دون أن يرى الناس أثرها في الواقع ، فقدت شيئًا من قوتها .

ثم نظر إلى حفيده :

— الواعظ لا يملك أن يصلح الناس كلهم ، لكنه يملك أن يكون صادقًا فيما يقول . والناس قد يغفرون للإنسان قلة العلم ، لكن يصعب عليهم أن يغفروا له أن يتحدث عن التقوى ثم يروا منه استغلالًا يناقضها .

أخرج آدم دفتره .

كتب :

« التدين الشكلي قد يصنع صورةً جميلة أمام الناس ، أما التزكية الحقيقية فتظهر عندما يغيب الناس . »

قرأ عمي منصور العبارة ، ثم ابتسم .

— هذه أفضل يا آدم .

رفع آدم رأسه .

— لماذا ؟

— لأن الإنسان يستطيع أن يتزين أمام الناس ساعة ، لكنه لا يستطيع أن يمثل طوال حياته .

ثم سكت .

وبعد لحظات قال آدم :

— جدي… إذا كان هذا التناقض موجودًا بين بعض من يتخذون التدين ستارًا ، فكيف نستغرب حين نرى في مجتمعات أخرى — لا تدين بالإسلام — عدلًا ونظامًا وإتقانًا واحترامًا للقانون ؟

رفع عمي منصور رأسه .

لم يجب فورًا .

ثم قال :

— هنا يا آدم… وصلنا إلى سؤال لا ينبغي أن نهرب منه .

— أي سؤال ؟

وقف عمي منصور ، وأخذ مسبحته .

— هل يكفي أن نملك الحقيقة في الكتب إذا لم نستطع تحويلها إلى حياة ؟

نظر آدم إليه .

فأضاف عمي منصور :

— وهل يمكن أن يتعلم الإنسان من تجربة غيره دون أن يتنازل عن هويته وإيمانه ؟

ثم بدأ يمشي ببطء .

تبعَه آدم .

وبعد خطوات قال عمي منصور :

— لا تمدح مجتمعًا لأنه غربي ، ولا تذمه لأنه غربي . انظر إلى ما أحسن فيه ، وتعلم منه . ولا تذم مجتمعك لمجرد جلد الذات ، بل اسأل : أين أخفقنا ؟ ولماذا ؟

ابتسم آدم :

— إذن لن يكون الفصل القادم عن الغرب ؟

ضحك عمي منصور :

— بل سيكون عن أنفسنا ونحن ننظر إلى الغرب .

ثم تابع سيره وقال :

— عن الإنسان الذي وظف عقله ، ونظم حياته ، وعمر أرضه… وعن الإنسان الذي يملك كتابًا يدعوه إلى العلم والعمل والإتقان ، لكنه أحيانًا يكتفي بالحديث عنه .

توقف لحظة ، ثم نظر إلى آدم :

— وهنا تبدأ المفارقة الأكبر .

قال آدم :

— وما هي ؟

ابتسم عمي منصور ابتسامة شجن :

— مجتمعاتٌ أحسنت العمل فأثمرت ، ومجتمعاتٌ أكثرَت الكلام حتى صار الكلام أحيانًا بديلًا عن العمل .

ثم أضاف سريعًا :

— ولكن إياك أن تجعلها حكمًا على الناس جميعًا .

ومضيا معًا في الطريق ، بينما بقي دكان الحاج مدني خلفهما ، واقفًا في مكانه كعلامة استفهام كبيرة .

علامة استفهام لم تكن تخص رجلًا واحدًا…

بل تخص كل إنسان يتساءل :

هل نعيش ما نقول… أم نكتفي بالقول ؟

📌🌿 تنويه للمتابعين

نلتقي معكم إن شاء الله في الجزء الثالث [ الفصلان 5 و 6 ] ، لنكمل رحلتنا الحوارية ، ونبحث في :

المفارقة الحضارية بين الفكر والعمل... وأُمّة « اقرأ » التي لا تقرأ .

( يتبع.. ) 🌿📖

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

5 + 15 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.