مدينة لا تُبكى
رواية

مدينة لا تُبكى

28 أفريل 2026134 مشاهدة4 دقائق للقراءة

« في هذه المدينة.. لا يُنفى من يجهل ، بل يُنفى من يعرف أكثر مما ينبغي ! » هل شعرت يوماً أن انتمائك أصبح عبئاً عليك ؟ خلف جدران الصمت ، هناك حكايات لا تُروى بالكلمات ، بل تُعاش بالقلب . رحلة قصيرة لكنها عميقة مع العم منصور وآدم في مواجهة الزيف . رواية : مدينة لا تُبكى بقلم : عبد المجيد ڨناوي اقرأ القصة كاملة عبر الرابط التالي : [ https://www.facebook.com/share/p/1FhqrHkSt3/ ]

رواية قصيرة

مدينة_لا_تُبكى

بقلم : عبد المجيد ڨناوي

من سلسلة حكايات عمي منصور

✦ ✦ ✦

في مساءٍ غارقٍ بالسكينة ، جلس العم منصور على كرسيه الخشبي العتيق ، يراقب غروباً لم يكن مجرد غيابٍ للشمس .. بل كان يشبه شيئاً يتوارى في أعماقه

كان غروباً تعلّم أن يفهمه بقلبه ، دون أن يسكب مرارته في شكوى .

اقترب آدم ، ممسكاً بهاتفه الذي يضج بالعالم ، لكن عينيه كانتا ممتلئتين بأسئلةٍ أضخم من سنوات عمره الصغير .

جلس بجانب عمه ، وسأل بصوتٍ خفيض :

— « عمي .. لماذا يهمس الناس بأن المدينة قد تعبت ؟ وأين رحل رجالها الصادقون ؟ »

ابتسم العم منصور ابتسامةً باهتة ، كأنها طيف ذكريات بعيدة .. ونظر إلى الأفق البعيد ، حيث يرى ما لا تراه الأعين

وفي خلجات صدره ، تردد صدى صوتٍ قديم :

« لم تضِع المدينة يا بني .. لكن الطريق العائد إليها أصبح غريباً . »

الوجع_الصامت

تنهد العم بهدوء ، وقال :

— « يا آدم .. المدن لا تذبل فجأة . هي تتعب حين يفيض الكلام .. ويجفّ الفعل .

تتعب حين يُوصد الباب في وجه من يريد خدمتها بصدق ، ويُفسح الطريق لمن يُجيد الكلام عنها فقط " ».

سكت قليلاً ، ثم أردف بلهجةٍ غلبت عليها العبرة :

— « كان هناك من حاول .. حاول بقلبٍ نقي . لكن بعض الطرق يا بني ، لا تفتح أبوابها لمن يسير بنيةٍ صافي . »

رفع آدم رأسه بدهشة تملأ ملامحه :

— « وهل اختفوا جميعاً ؟ »

هز العم منصور رأسه برفق ، كأنه يزيح غبار السنين عن ذاكرته :

— « لا يا بني .. لم يختفوا . بعضهم أُبعد قسراً .. وبعضهم آثر الصمت بعد تعب .

ليس لأنهم بلا صوت ، بل لأن الكلام في حضرة الزيف .. له ثمنٌ باهظ . »

وحدث نفسه سراً :

( لم يكن صمتنا ضعفاً .. كان محاولة أخيرة للحفاظ على ما تبقى من طهر في أرواحنا ) .

ميزان_الغربة

نظر العم إلى الأفق مجدداً ، وقال بقاعدةٍ صاغتها الأيام :

— « في بعض البقاع يا آدم .. لا يُنفى من يجهل ، بل يُنفى من يعرف أكثر مما ينبغي »

سكت آدم ، وكأن غشاوة بدأت تنجلي عن بصيرته ، فسأل بهدوء :

— « وهل المدينة مريضة حقاً ؟ »

أجاب العم منصور بمرارةٍ حكيمة :

— « نعم .. لكنها لا تموت بالمرض . تموت حين يتحول حبها إلى مجرد شعارات ، وتصبح خدمتها تهمة ، والصدق فيها عبئاً ثقيلاً »

اقترب منه ، ووضع يده الخشنة التي حفرت فيها السنون أخاديدها على كتف الصغير :

— « لا يغرنك من يرفعون أصواتهم باسمها يا آدم . فمن يحبها حقاً ، يسكن صوته في أفعاله ، حتى وإن لم يغادرها أبداً . »

وهمس في سره :

( لم أهجركِ يوماً .. إنما ابتعدتُ قليلاً لأحمي بقايا انتمائي إليكِ ) .

الوصية الأخيرة

رفع آدم عينيه ببريقٍ جديد ، وسأل :

— « وما هو دورنا نحن ؟ »

هنا ، ابتسم العم منصور ابتسامةً صلبة كالجبال ، وفي عينيه لمع قرارٌ لا يلين :

— « نفعل ما عجزوا عن فعله .. نخدمها دون انتظار تصفيقٍ من أحد

. نقول الحق ، حتى وإن كانت الرياح تصرخ فينا « اسكتوا » . »

سكت لبرهة ، ثم أضاف بصوتٍ عميقٍ يهز الوجدان :

— « يا آدم .. المدينة لا تحتاج إلى حناجر تصرخ باسمها ، بل إلى سواعد ترفعها في صمت . »

— « وإن سُدّت السبل .. نحفر في الصخر طريقاً . »

— « وإن ضاق المكان .. نوسّع بصيرتنا . »

— « وإن خذلتنا الوجوه .. نتمسك بالمبادئ كالقابض على الجمر »

ثم نظر في عيني آدم مباشرة ، وكأنه يفرغ أمانة العمر في قلبه :

— « تذكر دائماً .. ليس السؤال : أين ذهب الرجال ؟ بل السؤال الحقيقي : هل ستكون أنت واحداً منهم .. حين تدق ساعة الحقيقة ؟ »

سكت الاثنان ..

وكان الليل قد أرخى سدوله على الكون

لكن هذه المرة .. لم يكن صمتاً كئيباً .

لقد كان صمتاً يشبه المخاض ..

كان بداية نورٍ لا يُطفأ .

___

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر