
مدينة لا تُبكى
« في هذه المدينة.. لا يُنفى من يجهل ، بل يُنفى من يعرف أكثر مما ينبغي ! » هل شعرت يوماً أن انتمائك أصبح عبئاً عليك ؟ خلف جدران الصمت ، هناك حكايات لا تُروى بالكلمات ، بل تُعاش بالقلب . رحلة قصيرة لكنها عميقة مع العم منصور وآدم في مواجهة الزيف . رواية : مدينة لا تُبكى بقلم : عبد المجيد ڨناوي اقرأ القصة كاملة عبر الرابط التالي : [ https://www.facebook.com/share/p/1FhqrHkSt3/ ]
رواية قصيرة
بقلم : عبد المجيد ڨناوي
من سلسلة حكايات عمي منصور
✦ ✦ ✦
في مساءٍ غارقٍ بالسكينة ، جلس العم منصور على كرسيه الخشبي العتيق ، يراقب غروباً لم يكن مجرد غيابٍ للشمس .. بل كان يشبه شيئاً يتوارى في أعماقه
كان غروباً تعلّم أن يفهمه بقلبه ، دون أن يسكب مرارته في شكوى .
اقترب آدم ، ممسكاً بهاتفه الذي يضج بالعالم ، لكن عينيه كانتا ممتلئتين بأسئلةٍ أضخم من سنوات عمره الصغير .
جلس بجانب عمه ، وسأل بصوتٍ خفيض :
— « عمي .. لماذا يهمس الناس بأن المدينة قد تعبت ؟ وأين رحل رجالها الصادقون ؟ »
ابتسم العم منصور ابتسامةً باهتة ، كأنها طيف ذكريات بعيدة .. ونظر إلى الأفق البعيد ، حيث يرى ما لا تراه الأعين
وفي خلجات صدره ، تردد صدى صوتٍ قديم :
« لم تضِع المدينة يا بني .. لكن الطريق العائد إليها أصبح غريباً . »
تنهد العم بهدوء ، وقال :
— « يا آدم .. المدن لا تذبل فجأة . هي تتعب حين يفيض الكلام .. ويجفّ الفعل .
تتعب حين يُوصد الباب في وجه من يريد خدمتها بصدق ، ويُفسح الطريق لمن يُجيد الكلام عنها فقط " ».
سكت قليلاً ، ثم أردف بلهجةٍ غلبت عليها العبرة :
— « كان هناك من حاول .. حاول بقلبٍ نقي . لكن بعض الطرق يا بني ، لا تفتح أبوابها لمن يسير بنيةٍ صافي . »
رفع آدم رأسه بدهشة تملأ ملامحه :
— « وهل اختفوا جميعاً ؟ »
هز العم منصور رأسه برفق ، كأنه يزيح غبار السنين عن ذاكرته :
— « لا يا بني .. لم يختفوا . بعضهم أُبعد قسراً .. وبعضهم آثر الصمت بعد تعب .
ليس لأنهم بلا صوت ، بل لأن الكلام في حضرة الزيف .. له ثمنٌ باهظ . »
وحدث نفسه سراً :
( لم يكن صمتنا ضعفاً .. كان محاولة أخيرة للحفاظ على ما تبقى من طهر في أرواحنا ) .
نظر العم إلى الأفق مجدداً ، وقال بقاعدةٍ صاغتها الأيام :
— « في بعض البقاع يا آدم .. لا يُنفى من يجهل ، بل يُنفى من يعرف أكثر مما ينبغي »
سكت آدم ، وكأن غشاوة بدأت تنجلي عن بصيرته ، فسأل بهدوء :
— « وهل المدينة مريضة حقاً ؟ »
أجاب العم منصور بمرارةٍ حكيمة :
— « نعم .. لكنها لا تموت بالمرض . تموت حين يتحول حبها إلى مجرد شعارات ، وتصبح خدمتها تهمة ، والصدق فيها عبئاً ثقيلاً »
اقترب منه ، ووضع يده الخشنة التي حفرت فيها السنون أخاديدها على كتف الصغير :
— « لا يغرنك من يرفعون أصواتهم باسمها يا آدم . فمن يحبها حقاً ، يسكن صوته في أفعاله ، حتى وإن لم يغادرها أبداً . »
وهمس في سره :
( لم أهجركِ يوماً .. إنما ابتعدتُ قليلاً لأحمي بقايا انتمائي إليكِ ) .
الوصية الأخيرة
رفع آدم عينيه ببريقٍ جديد ، وسأل :
— « وما هو دورنا نحن ؟ »
هنا ، ابتسم العم منصور ابتسامةً صلبة كالجبال ، وفي عينيه لمع قرارٌ لا يلين :
— « نفعل ما عجزوا عن فعله .. نخدمها دون انتظار تصفيقٍ من أحد
. نقول الحق ، حتى وإن كانت الرياح تصرخ فينا « اسكتوا » . »
سكت لبرهة ، ثم أضاف بصوتٍ عميقٍ يهز الوجدان :
— « يا آدم .. المدينة لا تحتاج إلى حناجر تصرخ باسمها ، بل إلى سواعد ترفعها في صمت . »
— « وإن سُدّت السبل .. نحفر في الصخر طريقاً . »
— « وإن ضاق المكان .. نوسّع بصيرتنا . »
— « وإن خذلتنا الوجوه .. نتمسك بالمبادئ كالقابض على الجمر »
ثم نظر في عيني آدم مباشرة ، وكأنه يفرغ أمانة العمر في قلبه :
— « تذكر دائماً .. ليس السؤال : أين ذهب الرجال ؟ بل السؤال الحقيقي : هل ستكون أنت واحداً منهم .. حين تدق ساعة الحقيقة ؟ »
سكت الاثنان ..
وكان الليل قد أرخى سدوله على الكون
لكن هذه المرة .. لم يكن صمتاً كئيباً .
لقد كان صمتاً يشبه المخاض ..
كان بداية نورٍ لا يُطفأ .
___