
جلد منفوخ... و وطن لا ينكسر
🌿 جلدٌ منفوخ... ووطنٌ لا ينكسر 🌿 من حكايات عمي منصور ✍️ عبد المجيد قناوي / بين دمعة مشجعٍ حزين على خروج منتخب بلاده ، وابتسامة حكيمٍ يرى ما وراء النتيجة ، وُلدت هذه الحكاية . ليست دفاعًا عن فشل ، ولا تبريرًا لأخطاء ، بل دعوة للتفريق بين نقد الأداء وحب الوطن ، وبين خيبة مباراة وقيمة أمة كاملة . 🌿 جلدٌ منفوخ... ووطنٌ لا ينكسر حكاية جديدة من حكايات عمي منصور، أهديها لكل من أحب الجزائر في الفوز، ولم يتوقف عن حبها في الخسارة . 🌿 جلدٌ منفوخ... ووطنٌ لا ينكسر / 🌿 من حكايات عمي منصور ✍️ عبد المجيد قناوي 📖 قراءة ممتعة .
🌿 جلدٌ منفوخ... ووطنٌ لا ينكسر
🌿 من حكايات عمي منصور
✍️ عبد المجيد قناوي
أطلقت صافرة الحكم في كندا معلنةً نهاية حلم المونديال ، وفي تلك اللحظة بالذات ، ساد صمت مطبق في أرجاء الحي ، لم تكسره إلا أصوات مفرقعات معزولة أطلقها قلة من مناصري المنتخب السويسري المقيمين في الجوار .
على شاشة الهاتف ، كانت التعليقات تتفجر غضباً وحسرة : "باردين القلب"، "باعوا الماتش"، " رحيل بيتكوفيتش وصادي فوراً " .
اندفع آدم نحو فناء البيت بخطوات متسارعة ، وجهه محتقن بالدموع ، وعيناه مسمرتان على شاشة هاتفه يلتهم التعليقات والنقاشات الساخنة .
هناك ، تحت ظلال دالية العنب القديمة ، كان الجد عمي منصور يجلس بوقاره المعهود . التقط الجد نظرات حفيده المضطربة ، وبحركة هادئة ، مد يده إلى الراديو القديم وأطفأه ، ثم وضع فنجان قهوته جانباً وقال بصوت دافئ :
" اقعد يا وليدي ، اقعد واستغفر مولاك . أرى وجهك يفور كقدر يغلي ، كأن الأرض ضاقت بما رحبت " .
آدم (بنبرة حادة وصوت مخنوق ويشير إلى شاشة هاتفه) :
" نوكل ربي على هاد القنطة يا جدي ! خرجنا بطريقة تبكي... سويسرا أقصتنا بأخطاء بدائية ، والمدرب بيتكوفيتش قاد منتخب بلاده الأصلي إلى التأهل وإحنا حطّمنا بتبديلاته العشوائية ! اسمع ماذا يقول القائد السابق رفيق حليش ، كلامه يضع الإصبع على الجرح تماماً ويعري كل شيء " .
عمي منصور (يعتدل في جلسته مهتماً) :
" حليش ؟ إيه... ابن المهنة وقائد خاض معارك المونديال ويعرف ضغط المواجهات الكبرى . ليتكلم حليش يا وليدي ، فكلامه فيه وزن " .
آدم (يقرأ بحماس من الشاشة) :
" يقول حليش إن هناك عشوائية كبيرة وغياباً للهوية التكتيكية ! بيتكوفيتش قام بمغامرة تكتيكية مجنونة في لقاء لا يحتمل التجارب ؛ غير مركز حسام عوار فحدّ من خطورته وحرم الفريق من توازنه ، والأدهى أنه أقحم الشاب أنيس مازة كمهاجم وهمي فصار معزولاً تماماً ! أين هي القراءة الفنية للمنافس ؟
حليش يقول إن المدرب هو من يتحمل المسؤولية الأكبر لأن المنظومة بأكملها كانت مرتبكة وغابت عنها الشراسة والدفاع انهار بأخطاء ساذجة ! " .
عمي منصور (يهز رأسه موافقاً وبتأمل عميق) :
"تحليل دقيق وصادق من قائد غيور يا آدم . عندما يتحدث حليش عن غياب ’" الجرينتا "‘ والشراسة ، فهو يتحدث عن الركيزة التي بُنيت عليها هوية المنتخب تاريخياً .
اللاعب في الميدان ينفذ ما يُطلب منه ، لكن عندما يغيب التوجيه وتعم العشوائية وتُقلب المراكز دون مبرر ، يصبح المدير الفني هو المسؤول الأول عن رسم الهوية وإعادة شحن الروح .
أما المال العام وهدره في عقود وتجديدات عشوائية قبل المونديال فهو أمانة ومسؤولية... والأمانة يا آدم مثل الوديعة عند الجار ؛ لا يكفي أن تقول ضاعت ، بل عليك أن تشرح كيف ضاعت ولماذا ضاعت . من هنا تبدأ المحاسبة الحقيقية " .
آدم (يقلب في هاتفه محاولاً التخفيف من الصدمة) :
" لكن يا جدي ، الكثير من الصفحات تهرب من هذا الكلام وتقول : ’عادي جداً... نورمال... حتى ألمانيا وإيطاليا لم تتأهل للمونديال أو أقصيت مبكراً ‘ ! لماذا نجلد أنفسنا ؟ " .
عمي منصور (تتغير نبرته إلى الجدية والحزم) :
" شوف يا وليدي... هذا الكلام بالذات هو الهروب إلى الأمام . إنه يشبه تماماً عقلية النعامة ؛ تغرس رأسها في الرمال لتتجنب رؤية الخطر ، وتظن أن صيادها لا يراها لأنها حُجبت عنه ، بينما جسدها كله مكشوف للعاصفة ! مقارنة فشلنا بفشل الكبار هي تخدير مؤقت للمشاعر وإعذار سلبية .
صرخة حليش تنبهنا أن الإقصاء لا يجب أن يمر كمجرد ’مباراة وخسرناها ‘ ، بل كفرصة للمساءلة ومواجهة المرآة .
من الشجاعة أن نقول : فشلنا وعلينا أن نتحاسب ، فالاعتراف بالخطأ أول خطوات الفضيلة والإصلاح" .
آدم (يتنهد) :
" وما هي الحقيقة الأعمق التي يجب أن نستوعبها يا جدي ؟ " .
عمي منصور (يستند إلى كرسيه وتلمع عيناه ببريق الهوية) :
" الحقيقة يا وليدي أن قميص ’الخضر‘ يحتاج إلى روح تختلف عن بقية القمصان . أنا يا آدم أميل دائمًا إلى ابن البلد في قيادة العارضة الفنية ، لأنني أعتقد أن من عاش تاريخ هذا الوطن ، وتجرع آلامه ، وذاق طعم أفراحه ، يشعر بثقل هذا القميص ومسؤوليته بطريقة مختلفة تماماً .
وإن كان هذا لا يمنع بطبيعة الحال وجود مدربين أجانب ناجحين ومخلصين لمهنتهم ويملكون ضميراً حياً .
لقد اختلف الناس حول بلماضي كما اختلفوا اليوم حول غيره ، فلا أحد فوق النقد ، ولا أحد يستحق أن يحمل وحده كل الأوزار " .
ثم صمت الجد قليلاً ، وتابع بنبرة أكثر عمقاً :
" هناك لحظات في تاريخ الكرة لا تُقاس بالنتيجة فقط ، بل بما تتركه في الوجدان .
أتذكر ملحمة ’ أم درمان ‘ ؟ هدف عنتر يحيى التاريخي ضد مصر... قذيفة لم تأتِ من فراغ ؛ عنتر ولد ونشأ في فرنسا ، لكن جينات عائلته ثورية ، وجده شهيد سقى أرض هذا الوطن بدمه ، فانفجرت الروح القتالية من قدمه كبركانٍ من العزم والإيمان .
في المنافسات الدولية تُرفع الأعلام وتُعزف الأناشيد الوطنية قبل كل لقاء ، ولذلك يا آدم ، لا أفهم كيف يستطيع لاعب أن يسمع نشيد بلاده ويرى علمها يرفرف أمامه ثم يلعب بركود وكأن الأمر مجرد حصة تدريبية عادية ! الكرة هنا تعبير عن هوية أمة ، وليست لمجرد استعراض وتمريرات باردة " .
آدم (يهز رأسه موافقاً ، ثم يقرأ تعليقاً آخر) :
" معك حق يا جدي... لكن انظر إلى ما يكتبه الناس الآن ؛ هناك هجوم عنيف وتخوين للاعبين ، ودعوات للخروج في ’ جمعة الغضب ‘ ، واتهامات بالسرقة والعصابة... هل هذا هو الحل ؟ " .
عمي منصور (ينظر لآدم بنظرة حكيمة) :
"هنا مكمن الخطر يا وليدي... الغضب الجماهيري مشروع ، ومن حق المشجع الذي يحترق دمه أن ينقد ويطالب برحيل الفاشلين ، سواء في الاتحادية أو الإدارة .
لكن الغضب يا آدم مثل النار ؛ إن بقي في الموقد أنضج الطعام ، وإن خرج منه أحرق البيت .
الصراخ الأعمى والتخوين بلا دليل يفسد القضية ، والإصلاح الحقيقي يبدأ بالنقد العاقل والمحاسبة القانونية المنظمة ، لا بإشاعة الفوضى" .
آدم (يستمع بإنصات ، ثم تلمع عيناه بابتسامة) :
" تدري يا جدي... بمناسبة المونديال وكندا ، تذكرت قصة الطفل وسيم ، ذاك الصبي صاحب الـ 14 عاماً الذي تعرض للضرب المبرح من متعصبين جهلة في أمريكا لمجرد أنه كان يرتدي قميص الجزائر ويشجع الأشقاء ؟
لقد تدخل رئيس الجمهورية شخصياً ، وتابعت السفارة قضيته حتى سجن المعتدون ، واليوم حضر وسيم وعائلته المباراة بدعوة رسمية كإكرام له " .
عمي منصور (تتسع ابتسامته وتفيض عيناه بالفخر) :
" أصبت يا آدم ! هذه هي العبرة الكبرى التي أردتك أن تصل إليها . طفل صغير جُرح واعتُدي عليه من أجل قميص بلاده ، فانتفضت الدولة كلها لحمايته وإنصافه . كرامة هذا الطفل الجزائري وصون قيمته في أقاصي الأرض هي الانتصار الحقيقي ، لأن الأوطان الحية لا تموت بهزيمة رياضية ؛ فالمنتخبات تصنع الأفراح ، أما الأوطان فتصنع الرجال " .
ثم وضع الجد يده على كتف آدم وقال مستخلصاً العبرة :
" دعك يا وليدي من عاطفة مرتبطة بجلد منفوخ بالهواء لا أكثر ؛ إن دارت الكورة في شباك المنافس فرحنا ، وإن دارت في شباكنا حزنا...
ففي النهاية ، تبقى المباريات مجرد منافسات رياضية عابرة ، أما الوطن فهو أعظم وأكبر من كل النتائج . قد تُخسر المباريات... لكن الأوطان الحقيقية لا تنكسر" .
تنفس آدم الصعداء ، وشعر بأن جبل " القنطة " الذي كان يربض على صدره قد تبخر ، فأغلق هاتفه ببطء ، وابتسم لجده قائلاً : " الحمد لله على نعمة الوطن... ونعمة حكمتك يا جدي " .
🌿 من حكايات عمي منصور
✍️ عبد المجيد قناوي