
📘 أمانة المقعد 📚 حين يصبح الترشّح بداية السؤال عن المسؤولية 🌿 الجزء 01 : ضجيج الترشح
🌿 حين تصبح السياسة أكثر من مجرد شعارات … وأكثر من مجرد مقعد ! هل يكفي أن يُقبل ملف الترشح حتى يحتفل صاحبه وكأنه بلغ الغاية ؟ وهل كل من يرفع شعار خدمة الناس يدرك حقًّا معنى المسؤولية التي يطلبها ؟ تحت ظلال شجرة الليمون العتيقة ، يجلس عمي منصور مع حفيده آدم ، في رحلة فكرية هادئة تتجاوز ضجيج الترشح ووعود الحملات الانتخابية ، لتفتح باب الأسئلة الصعبة : ما الفرق بين من يبحث عن الأضواء ، ومن يستعد لحمل الأمانة ؟ وبين من يُحسن الكلام عن خدمة الناس ، ومن يملك الاستعداد لتحويل الوعود إلى عمل وأثر ؟ في هذا الجزء الأول من رواية « أمانة المقعد » ، لن نبحث عن أسماء لندينها ، ولا عن أشخاص لنحكم عليهم ، بل سنحاول أن نفهم معًا كيف ينبغي أن نفكر في المسؤولية ، وما الذي يجعل المقعد أكثر من مجرد موقع يتنافس عليه الطامحون . 📖 اقتربوا من الحكاية … فقد تكون الأسئلة التي يطرحها عمي منصور أهم من كثير من الشعارات التي نسمعها ! 🌿 الجزء الأول 01 : ضجيج الترشح 📚 من سلسلة « حكايات عمي منصور وحفيده آدم » ✍️ بقلم : الكاتب والمؤلف عبد المجيد قناوي
حين يصبح الترشّح بداية السؤال عن المسؤولية
📚 من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم
✍️ بقلم : الكاتب والمؤلف عبد المجيد ڨناوي
🌿 الجزء الأول 01 :
ضجيج الترشح
الفصل الأول :
حين صار قبول الملف إنجازًا 🌿
.
كان المساء يمدّ ظلاله على البيت القديم ، وكانت شجرة الليمون في الفناء تستقبل نسمة خفيفة تحرّك أوراقها في هدوء .
جلس عمي منصور على كرسيه الخشبي المعتاد ، ووضع عصاه إلى جواره ، بينما كان آدم يجلس على مقربة منه ، ممسكًا بهاتفه ، يتنقّل بين المنشورات والتعليقات التي ازدحمت بها صفحات التواصل الاجتماعي .
وفجأة ، أطلق آدم ضحكة قصيرة ، ثم قال :
- يا جدي ، يبدو أن السياسة عندنا دخلت مرحلة جديدة !
رفع عمي منصور عينيه عن فنجان الشاي ، وتأمله قليلًا .
- وما الذي حدث هذه المرة ؟ هل وجدوا حلًّا لمشكلة البطالة ، أم أصلحوا الطريق الذي ينتظر الناس منذ سنوات ؟
ضحك آدم .
- لا يا جدي ، الأمر أعظم من ذلك بكثير !
- أعظم ؟ إذن ، بشّرني . لعلّ أحدهم اكتشف سرّ التنمية الذي عجز عنه الخبراء !
رفع آدم هاتفه ، وقرأ بصوت مسموع :
- « الحمد لله ، تم قبول ملف ترشحي » .
ثم أضاف ، وهو يهزّ رأسه :
- انظر يا جدي ! تهاني ، ومباركات ، وعبارات من قبيل : تستحق كل خير ، وبالتوفيق ، ومنها إلى النجاح الكبير ! كأن الرجل فاز بالانتخابات ، أو أنهى أزمة البلاد بمجرد قبول ملفه !
ابتسم عمي منصور ، ثم أعاد فنجانه إلى الصحن .
- ولماذا لا يفرح يا آدم ؟ لقد تقدّم بملف ، واجتاز مرحلة من الإجراءات ، وقُبل ترشحه . أليس من حقه أن يفرح ؟
توقف آدم عن الضحك .
لم يكن يتوقع أن يبدأ جده من هذه الزاوية .
- من حقه أن يفرح يا جدي ، لم أقل غير ذلك . لكنني أتحدث عن معنى الاحتفال . ماذا أنجز حتى الآن ؟ لم نقرأ برنامجه ، ولم نعرف رؤيته ، ولم نرَ منه عملًا يخدم الناس . كل ما نعرفه أنه أصبح مؤهلًا لدخول المنافسة ، وفق الإجراءات التي خضع لها .
أومأ عمي منصور برأسه .
- هذا كلام معقول . لكن دعنا نتفق أولًا على أمر ، يا بني . قبول الملف ليس هو الفوز ، والفوز ليس هو النجاح ، والنجاح ليس مجرد الجلوس على المقعد .
- إذن ، لماذا نحتفل بالبداية قبل أن نعرف النهاية ؟
- لأن الناس أحيانًا تفرح بفتح الباب ، وتنسى أن تسأل عمّا وراءه .
نظر آدم إلى هاتفه من جديد ، ثم قال :
- المشكلة يا جدي أن بعض الناس يتحدثون عن قبول الملف كما لو أنه شهادة كفاءة ونزاهة ، مع أنه لا يثبت وحده أيًّا من الأمرين .
اعتدل عمي منصور في جلسته .
- هنا ينبغي أن نكون دقيقين . قبول الملف يعني أن الجهة المختصة قبلته في ضوء الشروط والإجراءات التي تحققت منها . لكنه لا يمنح صاحبه شهادة بأنه أحسن إدارة بلدية ، أو أجاد تسيير مؤسسة ، أو عرف كيف يحل مشكلات الناس .
- ولا يعني أنه يملك برنامجًا ناجحًا !
- صحيح . فالبرنامج شيء ، والقدرة على تنفيذه شيء آخر ، والنتائج التي يحققها شيء ثالث .
سكت قليلًا ، ثم أضاف :
- لكن لا تظلم الرجل لمجرد أنه أعلن فرحته . ربما كان صادقًا في سعادته ، وربما رأى في قبول ملفه خطوة مهمة في مساره . نحن لا نحاكم النيات ، يا آدم ، وإنما ننظر في الأفعال والوقائع .
أعجب آدم بهذا التفريق ، لكنه لم يتخلَّ عن اعتراضه .
- أتفق معك يا جدي . غير أنني أخشى أن تتحول هذه البداية إلى غاية . أن يصبح الوصول إلى القائمة أهم من الاستعداد لخدمة الناس ، وأن يفرح المترشّح بالمقعد قبل أن يفكر في الأمانة التي يحملها .
نظر عمي منصور نحو شجرة الليمون ، وكأن كلمات حفيده أعادته إلى ذكرى قديمة .
- هل تعرف ما الذي يحزنني في مثل هذه الأمور ؟
- ماذا يا جدي ؟
- أن بعض الناس يقضون وقتًا طويلًا في التفكير في كيفية الوصول إلى المسؤولية ، ولا يقضون وقتًا كافيًا في التفكير فيما سيفعلونه بعد الوصول إليها .
اقترب آدم قليلًا .
- كأن المقعد أصبح غاية ، لا وسيلة ؟
- نعم . مع أن المقعد لا قيمة له في ذاته . قيمته فيما ينجزه صاحبه للناس ، وفي الحقوق التي يصونها ، وفي الأمانة التي يحفظها ، وفي قدرته على اتخاذ القرار الصائب حين يصبح القرار صعبًا .
ثم أشار بعصاه إلى باب الدكان القديم في طرف الفناء .
- انظر إلى ذلك الباب يا بني . لو جاءك رجل وقال : لقد نجحت في فتح الدكان ، فهل يعني ذلك أنه نجح في التجارة ؟
ابتسم آدم .
- بالطبع لا . قد يفتح الدكان ثم يغلقه بعد شهر ، وقد يملأه بالبضائع ولا يعرف كيف يبيعها ، وقد يربح المال على حساب الناس ، وقد يخسر لأنه لا يحسن التسيير .
- أحسنت . وقد يكون صاحب الدكان أمينًا ، لكنه لا يعرف كيف يدير تجارته . وقد يكون ماهرًا في الحساب ، لكنه يغشّ زبائنه . لهذا لا يكفي أن نسأل : هل فتح الباب ؟ بل نسأل أيضًا : ماذا يفعل وراء الباب ؟
عاد آدم إلى هاتفه ، وأغلق المنشور ، ثم فتح صفحة أخرى .
- يا جدي ، قرأت اليوم تعليقًا يقول إن قبول ملفات الترشّح أصبح إنجازًا لأن الدولة بدأت تفرز المترشّحين وتمنع أصحاب المال الفاسد والمشبوه من الوصول إلى المسؤولية .
هزّ عمي منصور رأسه بتأنٍّ .
- إذا كانت الإجراءات القانونية تساعد على منع الفساد ، وتحمي المنافسة من المال غير المشروع ، فهذا أمر مهم . لا ينبغي أن نستهين بحماية الحياة السياسية من الفساد .
ثم استدرك :
- لكن علينا أن نميّز بين أمرين . الأول هو ضرورة التحقق من استيفاء الشروط القانونية ومكافحة الفساد بالأدوات التي يحددها القانون . والثاني هو اعتبار قبول الملف دليلًا نهائيًا على أن صاحبه نزيه وكفء في كل شيء . فالأول إجراء ضروري ، أما الثاني فحكم لا تسمح لنا الأوراق وحدها بإصداره .
قال آدم :
- وماذا لو رُفض ملف مترشّح يقول إنه يستحق المشاركة ؟
أجاب عمي منصور دون تردد :
- نسأل أولًا عن السبب . هل استند الرفض إلى شرط قانوني واضح ؟ وهل طُبّق الشرط على الجميع بالطريقة نفسها ؟ وهل أُبلغ المعني بالأسباب وفق ما يقرره القانون ؟ وهل أتيحت له سبل الطعن والمراجعة المقررة ؟
ثم نظر إلى حفيده مباشرة .
- يا آدم ، لا نحارب الفساد بظلم الناس ، ولا نحمي الحقوق بالتساهل مع الفساد . القانون العادل هو الذي يضع لكل شيء ميزانه .
بدا أن آدم بدأ يرى المسألة من زاوية أوسع .
- إذن ، لسنا أمام سؤال واحد ، بل أمام أسئلة كثيرة . كيف نختار المترشّحين ؟ وكيف نتحقق من نزاهتهم ؟ وكيف نضمن عدالة الإجراءات ؟ ثم كيف نعرف أن من فاز قادر على أداء مهمته ؟
ابتسم عمي منصور .
- الآن بدأت تفكر في الطريق كله ، بدل أن تتوقف عند الباب الأول .
ثم صمت لحظة ، قبل أن يسأل :
- قل لي يا آدم ، لو كان أمامك مترشّحان ، أحدهما يحسن الكلام ويكثر الوعود ، والآخر قليل الكلام لكنه يقدم برنامجًا واضحًا ، فبمن تختار ؟
أجاب آدم بسرعة :
- بالثاني ، طبعًا .
- ولماذا ؟
- لأن البرنامج الواضح أفضل من الكلام العام .
- حسن . وماذا لو كان الأول صاحب برنامج جيد ، لكنه لا يملك الكفاءة اللازمة لتنفيذه ؟
- عندها لن يكفي البرنامج .
- وماذا لو كان الثاني كفؤًا وأمينًا ، لكنه لا يملك صلاحية تنفيذ بعض ما وعد به ؟
تردد آدم قليلًا .
- ينبغي أن نعرف حدود صلاحياته أولًا . فإن كان قد وعد بما لا يملك ، فهو مسؤول عن وعده . أما إن واجه عوائق حقيقية لم يكن يستطيع توقعها ، فيجب أن ننظر في ظروفه وما فعله لمواجهتها .
ابتسم عمي منصور ، وحرّك مسبحته بين أصابعه .
- أرأيت ؟ الحكم على الناس يحتاج إلى معرفة ، لا إلى الحماسة وحدها .
ثم أضاف بنبرة هادئة :
- السياسة يا بني ليست أن تختار شخصًا ، ثم تمنحه ثقتك إلى الأبد . وليست أن تشكّ في الجميع حتى لا تثق بأحد . السياسة أن تختار على أساس ما تعرفه ، وتراقب على أساس ما تراه ، وتحاسب على أساس ما يثبته العمل .
ظل آدم صامتًا .
كانت هذه العبارة مختلفة عن كثير مما اعتاد قراءته على الشاشة . هناك ، كان الناس ينقسمون بسرعة إلى مؤيد ومعارض ، ونزيه وفاسد ، وناجح وفاشل . أما جده ، فكان يعيده في كل مرة إلى التفاصيل التي تختبئ وراء الأحكام السريعة .
قال آدم بعد تفكير :
- لكن يا جدي ، ماذا لو اكتشف المواطن بعد الانتخابات أن المترشّح الذي اختاره لم يكن كما تصوّر ؟
- عندها يتعلم ، ويسأل ، ويتابع ، ويستعمل الوسائل القانونية المتاحة للمساءلة . أما أن يكتفي بالندم ، ثم يكرر الاختيار نفسه دون مراجعة ، فذلك يعني أنه لم يستفد من تجربته .
- وهل يكفي وعي المواطن لإصلاح السياسة ؟
- لا يكفي وحده ، لكنه جزء أساسي من الإصلاح . نحتاج إلى أحزاب تؤهل مناضليها ، وقوانين واضحة وعادلة ، ومترشّحين يتحملون مسؤولياتهم ، ومؤسسات تمارس صلاحياتها ، ومواطن لا ينسى أن صوته أمانة .
رفع آدم عينيه إلى جده .
- يبدو أن المشكلة أكبر من قبول ملف !
ضحك عمي منصور ضحكة خفيفة .
- وهل كنت تظن أن شجرة كبيرة مثل هذه نبتت من ورقة واحدة ؟
نظر آدم إلى شجرة الليمون . كانت أغصانها تتحرك مع النسيم ، بينما بقي جذعها ثابتًا في مكانه .
فكر في أن السياسة ، مثل الشجرة ، لا تُعرف من أوراقها وحدها . قد تبدو الأوراق خضراء ، لكن الحكم على الشجرة يحتاج إلى النظر في جذورها ، وفيما تقدمه من ثمر .
ثم قال :
- أتعرف يا جدي ما الذي أريد أن أفهمه أكثر من غيره ؟
- ماذا تريد أن تفهم ؟
- لماذا يتنافس بعض الناس بشدة للوصول إلى المسؤولية ، ثم يتغير كل شيء بعد أن يصلوا إليها ؟ لماذا يصبح الوعد صعبًا بعد الفوز ، ويصبح المواطن الذي كان حاضرًا في كل خطاب غائبًا عن كثير من القرارات ؟
لم يُجب عمي منصور فورًا .
أخذ فنجانه ، وارتشف منه رشفة صغيرة ، ثم وضعه في مكانه .
- هذا سؤال يستحق أن نبحث عنه ، يا آدم . لكننا لن نجد جوابه في منشور واحد ، ولا في جلسة واحدة . علينا أن ننظر إلى الطريق الذي يسبق المقعد ، وإلى ما يحدث بعد الجلوس عليه .
ثم أشار إلى هاتف حفيده .
- في المرة القادمة ، لا تأتني بما يقوله الناس فقط . اذهب واسألهم : ماذا ينتظرون من المترشّح ؟ وما الذي يجعلهم يثقون فيه ؟ وماذا يفعلون حين يخيب ظنهم ؟
ابتسم آدم .
- تريدني أن أتحول إلى صحفي يا جدي ؟
- لا . أريدك أن تتعلم كيف تسمع قبل أن تحكم .
أغلق آدم هاتفه ، ووضعه إلى جواره . ثم نظر إلى شجرة الليمون مرة أخرى .
كان قد دخل الجلسة ساخرًا من رجل احتفل بقبول ملف ترشّحه ، وخرج منها وهو يفكر في مسؤولية أكبر : مسؤولية المجتمع الذي يختار ، والأحزاب التي ترشح ، والقانون الذي ينظم ، والمنتخب الذي يعد وينفذ ، والمواطن الذي ينتظر ثم يحاسب .
لكن سؤالًا واحدًا ظل يطارده :
هل تبدأ مشكلة السياسة عندما يصل غير المؤهل إلى المقعد ، أم قبل ذلك بكثير ، عندما نعجز عن التمييز بين من يريد خدمة الناس ومن يريد أن يصبح شخصًا مهمًا في أعينهم ؟
لم يجد آدم جوابًا نهائيًا .
ولم يكن عمي منصور مستعجلًا في منحه جوابًا .
فبعض الأسئلة ، كما كان يقول دائمًا ، لا تنضج بالإجابة السريعة ، بل تحتاج إلى أن نمشي معها قليلًا .
وفي تلك الليلة ، أدرك آدم أن قبول ملف الترشّح قد يكون بداية الطريق ، لكن الطريق نفسه يحتاج إلى غربال آخر .
غربال لا يكتفي بالأوراق والأختام ، بل يسأل عن الفكرة ، والقدرة ، والأمانة ، والعمل .
وكان عليه أن يعرف كيف يعمل هذا الغربال .
.
📖 الفصل الثاني :
المقعد الذي يتسع للأحلام
🌳 أحلام تتجاوز حدود المقعد
في صباح اليوم التالي ، كان آدم يجلس في دكان عمي منصور القديم ، يساعده في ترتيب بعض الأغراض التي تراكمت فوق الرفوف. كان ضوء الشمس يتسلل من الباب نصف المفتوح ، ويلقي بخطوط ذهبية على علب الشاي وأكياس القهوة ، بينما كانت رائحة النعناع الطازج تعبق بالمكان.
وضع آدم هاتفه فوق الطاولة ، ثم عاد إلى تصفح المنشورات المتعلقة بالانتخابات المحلية.
قال ، وهو يبتسم ابتسامة فيها شيء من السخرية :
- جدي ، يبدو أن عدد من يريدون خدمة المواطنين أكبر بكثير من عدد المواطنين أنفسهم !
رفع عمي منصور رأسه عن صندوق صغير كان يرتب محتوياته ، ونظر إليه من فوق نظارته .
- وكيف عرفت ذلك ؟
- كل من أعلن ترشحه يتحدث عن خدمة الناس ، ومحاربة الفساد ، وتحسين ظروف الحياة . كلهم يريدون تغيير الواقع ، وإصلاح المجالس ، وإعادة الثقة للمواطن . لو جمعنا هذه الوعود في برنامج واحد ، لأصبحنا نعيش في مدينة مثالية قبل موعد الاقتراع !
ضحك عمي منصور بهدوء ، ثم وضع الصندوق جانبًا .
- لا تظلم الناس يا آدم . قد يكون بين المترشحين من يحمل نية صادقة ، ومن يملك أفكارًا نافعة ، ومن يرى في المسؤولية فرصة حقيقية لخدمة مجتمعه .
أجابه آدم بسرعة :
- وأنا لم أقل إنهم جميعًا سيئون . لكنني أتساءل : لماذا لا نسمع هذه الأفكار قبل الانتخابات بوقت كافٍ ؟ ولماذا لا يظهر بعضهم إلا عندما يقترب موعد الترشح ؟ أين كانوا حين كانت الأحياء تشتكي من مشكلاتها ، وحين كان الناس يبحثون عمن يسمعهم ؟
مسح عمي منصور يديه بقطعة قماش ، ثم جلس على كرسيه الخشبي .
- هذا سؤال مشروع . لكن الجواب لا يكون بالتعميم . فهناك من يعمل في صمت ولا يعرف كيف يسوّق لنفسه ، وهناك من لا يتحرك إلا حين يرى أن الأضواء ستتجه نحوه . وبين هؤلاء درجات كثيرة لا نستطيع أن نحكم عليها من منشور واحد .
تأمل آدم كلامه لحظة ، ثم قال :
- إذن ، كيف نميز بينهم ؟
ابتسم الجد .
- هنا تبدأ الحكاية الحقيقية يا بني . فالناس لا يُعرفون فقط بما يقولونه حين يطلبون ثقتك ، بل بما فعلوه قبل أن يحتاجوا إليها .
.
🪑 المقعد الذي يراه كل واحد بطريقته
في منتصف النهار ، دخل إلى الدكان رجل يعرفه عمي منصور منذ سنوات ، اسمه مراد . كان قد أعلن ترشحه ضمن قائمة محلية ، وجاء يشتري بعض الحاجيات قبل أن يتوجه إلى لقاء مع عدد من أنصاره .
صافح عمي منصور بحرارة ، ثم التفت إلى آدم .
- سمعت أنك أصبحت محللًا سياسيًا يا آدم !
ابتسم الشاب .
- لا يا عم مراد ، ما زلت أتعلم . لكن الانتخابات جعلتني أطرح أسئلة أكثر مما أجد من إجابات .
جلس مراد على المقعد المقابل ، وقال بنبرة واثقة :
- الأسئلة مهمة ، لكن الناس تريد من يعمل ، لا من يسأل فقط .
رد آدم :
- صحيح . ولهذا أريد أن أعرف ما الذي ستفعله إن فزت ؟
لم يتغير وجه مراد ، لكنه عدّل جلسته وقال :
- لدينا برنامج لتحسين النظافة ، وإصلاح الطرق ، ومتابعة الإنارة العمومية ، والاهتمام بالشباب . نريد أن نعيد الحياة إلى أحيائنا .
قال آدم :
- هذه أمور مهمة ، لكنها موجودة في معظم البرامج . ما الذي يميز برنامجكم ؟ وهل تعرفون ما الذي يمكن للمجلس فعله فعلًا ، وما الذي يحتاج إلى ميزانية أو موافقة جهة أخرى ؟
تدخل عمي منصور بهدوء :
- دعه يكمل يا آدم . فالمترشح من حقه أن يشرح ، ومن حق المواطن أن يفهم .
تنفس مراد بعمق ، ثم قال :
- لا أزعم أننا سنحل كل المشكلات . هناك صلاحيات محددة ، وإجراءات إدارية ، وميزانيات لا نستطيع تجاوزها . لكننا نريد أن نتابع الملفات بجدية ، ونضغط في الاتجاه الصحيح ، ونشرح للناس ما يمكن إنجازه وما يتعذر إنجازه .
نظر إليه آدم باهتمام أكبر . لم يكن يتوقع منه هذا الجواب .
- هذا أفضل من وعد الناس بكل شيء . لكن هل ستنشرون حصيلة أعمالكم إذا فزتم ؟ حتى يعرف المواطن ما أنجزتموه ، وما تعطل ، ولماذا ؟
تردد مراد قليلًا ، ثم قال :
- لم نفكر في ذلك بالتفصيل ، لكن الفكرة جيدة . يمكننا أن نضع حصيلة دورية تكون في متناول المواطنين .
قال عمي منصور :
- ها أنت ترى يا آدم . السؤال الصريح قد يساعد أحيانًا على تحسين الفكرة ، لا على إحراج صاحبها فقط .
ابتسم مراد ، ثم نهض استعدادًا للمغادرة .
- سأفكر في اقتراحك . وربما نحتاج إلى شباب يطرحون الأسئلة التي لا تخطر لنا دائمًا .
وحين خرج ، بقي آدم يتابع خطواته من الباب ، ثم قال :
- لم يكن جوابه سيئًا كما توقعت .
رد جده :
- لأنك بدأت تستمع قبل أن تصدر الحكم . لا تجعل شكك في بعض الممارسات يمنعك من رؤية ما قد يكون جيدًا عند الآخرين .
.
💭 حين يحاور الإنسان نفسه
بعد خروج مراد ، عاد الدكان إلى هدوئه . أخذ آدم كأس الشاي الذي أعده له جده ، لكنه لم يشرب منه مباشرة .
كان يفكر في سؤال لم يطرحه على مراد :
هل يكفي أن تكون لدى المترشح نية صادقة حتى يكون صالحًا للمسؤولية ؟
قال فجأة :
- جدي ، لدي اعتراض آخر .
- تفضل ، فالشاي لا يفسد بالأسئلة !
ضحك آدم ، ثم تابع :
- لنفترض أن شخصًا يريد فعلًا خدمة الناس ، لكنه لا يملك الكفاءة ، ولا يعرف القوانين ، ولا يفهم الميزانية أو صلاحيات المجلس . هل تكفي نيته الطيبة ؟
هز عمي منصور رأسه .
- لا . النية الطيبة مهمة ، لكنها لا تعوّض الجهل بما تقتضيه المسؤولية . من يريد أن يعالج الناس يحتاج إلى علم ، ومن يريد أن يبني يحتاج إلى معرفة ، ومن يريد إدارة شؤون المواطنين يحتاج إلى فهم القوانين والموارد والناس .
قال آدم :
- إذن ، لماذا يتحدث المترشحون كثيرًا عن نياتهم ، وقليلًا عن قدراتهم ؟
أجاب الجد :
- لأن الحديث عن النية أسهل من تقديم دليل على الكفاءة . يستطيع الإنسان أن يقول : أريد الخير للجميع . لكن السؤال هو : هل يعرف الطريق إلى هذا الخير ؟ وهل يستطيع أن يميز بين ما يتمناه وما يقدر على إنجازه ؟
سكت قليلًا ، ثم أضاف :
- وهناك أمر آخر . قد يكون الإنسان كفؤًا ، لكنه لا يتحلى بالنزاهة . وقد يكون نزيهًا ، لكنه يفتقر إلى الخبرة . وقد يكون صاحب خبرة ونزاهة ، لكنه لا يحسن الإصغاء إلى الناس . المسؤولية تحتاج إلى توازن بين هذه الصفات ، ولا يكفي أن نجد واحدة منها ونغض الطرف عن البقية .
قال آدم :
- كأننا نبحث عن شخص كامل ، وهذا غير موجود .
ابتسم عمي منصور .
- لا نبحث عن إنسان كامل ، بل عن إنسان يعرف حدود قدرته ، ويستعين بمن يكمل نقصه ، ويقبل النقد ، ولا يجعل المنصب أكبر من حجمه . الكمال ليس شرطًا في البشر ، لكن الاعتراف بالخطأ والتعلم منه من علامات النضج .
ثم أشار إلى رفوف الدكان وقال :
- انظر إلى هذه الرفوف . لو وضعت عليها أجمل العلب ، لكنها كانت فارغة ، فهل تصبح تجارتنا ناجحة ؟
أجاب آدم :
- لا ، لأن المظهر لا يملأ الفراغ .
- وكذلك المسؤولية . لا يكفي أن يكون للمترشح خطاب جميل وصورة جذابة . المهم ما يحمله من معرفة ، وما يملكه من أمانة ، وما يستطيع أن يقدمه في حدود صلاحياته .
.
⚖️ هل الكفاءة وحدها تكفي ؟
نهض آدم واتجه إلى الباب ، ثم عاد كأنه تذكر شيئًا .
- لكن يا جدي ، أليس من الممكن أن يكون شخص ما كفؤًا ونزيهًا ، ثم يُقصى لأسباب لا علاقة لها بكفاءته أو نزاهته ؟
نظر إليه عمي منصور بجدية .
- بالتأكيد . ولهذا لا بد من عدالة شروط الترشح ، ووضوح القانون ، واحترام حق كل مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية . لا يجوز أن نطالب المترشح بالكفاءة والنزاهة ، ثم نقبل أن يُحرم من حقه دون أساس قانوني واضح .
قال آدم :
- إذن ، علينا أن نحذر من طرفين : أن يصل إلى المسؤولية من لا يستحقها ، وأن يُمنع منها من يستحق فرصة المنافسة .
أومأ الجد موافقًا .
- أحسنت . فالحرص على نزاهة الانتخابات لا يعني قبول كل مترشح دون شروط ، كما أن تطبيق الشروط لا يبرر التوسع فيها دون سند قانوني . يجب أن يكون الباب مفتوحًا لمن يستوفي الشروط ، وأن يكون المنع قائمًا على أساس صحيح ، لا على الانطباعات أو الخصومات أو التأويلات التي لا يمكن مناقشتها .
ثم أضاف بعد لحظة :
- لكن تذكر أيضًا أن رفض ملف شخص لا يثبت وحده أنه تعرض للظلم ، كما أن قبول ملفه لا يثبت وحده أنه أهل للمسؤولية . لكل حالة وقائعها ، ولكل قرار أساسه الذي ينبغي فهمه والتحقق منه .
شعر آدم أن الحديث تجاوز السؤال الأول الذي بدأ به صباحه . لم يعد الأمر متعلقًا بمن يعلن ترشحه ، بل بالقواعد التي تضمن منافسة عادلة ، وبالمعايير التي تساعد المواطن على الاختيار .
قال :
- يبدو أن الطريق أصعب مما كنت أظن .
رد عمي منصور :
- الطريق الجاد أصعب من الشعارات دائمًا .
.
🌿 الأحلام التي تحتاج إلى ميزان
مع اقتراب المساء ، أغلق عمي منصور الدكان ، وسار مع آدم نحو البيت . كان الهواء لطيفًا ، وأغصان شجرة الليمون تتحرك مع نسيم خفيف .
جلسا في المكان المعتاد ، ووضع الجد إبريق الشاي بينهما .
قال آدم :
- جدي ، ما زلت أعتقد أن بعض الناس يدخلون الانتخابات بحثًا عن المكانة والنفوذ ، لا عن خدمة المواطنين .
أجابه عمي منصور :
- قد يكون ذلك صحيحًا في بعض الحالات ، لكن لا تجعل احتمالًا يتحول إلى حكم على الجميع . راقب السلوك ، وافحص البرنامج ، واسأل عن الكفاءة ، وانتظر ما تكشفه الوقائع . فالنيات لا نملك مفاتيحها ، أما الأعمال فيمكن أن نناقشها ونحاسب عليها .
ثم تناول فنجانه وأكمل :
- ولا تنسَ أن بعض الناس يدخلون الانتخابات وهم يحملون أحلامًا صادقة ، لكنهم يكتشفون بعد الوصول إلى المجلس أن الطريق مليء بالعقبات . عندها يظهر الفرق بين من يتعلم ويتابع ويبحث عن الحلول ، ومن يتخذ الصعوبات ذريعة ليتخلى عن وعوده .
قال آدم :
- وماذا لو اكتشف المنتخب أن صلاحياته محدودة ، وأن بعض القرارات لا يملك اتخاذها ؟
- عليه أن يشرح ذلك للناس ، وأن يعمل فيما تسمح به صلاحياته ، وأن يسعى إلى الحلول المشروعة فيما يتجاوزها . ليس مطلوبًا منه أن يصنع المعجزات ، لكن من حق المواطن أن يعرف ما الذي حاول فعله ، وما الذي حققه ، وما الذي عجز عنه ، ولماذا .
تأمل آدم السماء التي بدأت تتلون بألوان الغروب ، ثم قال :
- أظن أن المشكلة ليست في الأحلام نفسها ، بل في أن تتحول الأحلام إلى وعود لا يعرف أصحابها كيف يحققونها .
ابتسم عمي منصور .
- نعم . الأحلام ضرورية ، لكنها تحتاج إلى معرفة وصدق وعمل . والمقعد الذي يتسع للأحلام قد يضيق بالمسؤولية إذا جلس عليه من لم يستعد لها .
ظل آدم صامتًا لحظات ، ثم فتح هاتفه من جديد . لم يعد يبحث عن أسماء المترشحين فقط ، بل بدأ يدوّن أسئلة يريد أن يطرحها على كل من يطلب ثقة الناس :
ما البرنامج المحدد ؟
ما حدود الصلاحيات ؟
ما الكفاءة التي يحملها المترشح ؟
كيف سيشرك المواطنين في متابعة العمل ؟
وكيف سيعلن عن النتائج ، حتى عندما لا تكون في صالحه ؟
رفع رأسه وقال :
- جدي ، أريد أن أعدّ قائمة بالأسئلة التي ينبغي أن يطرحها المواطن على كل مترشح ، مهما كان انتماؤه .
قال عمي منصور :
- فكرة جيدة ، بشرط ألا تجعلها امتحانًا لإحراج الناس ، بل وسيلة لفهم ما يعرضونه عليك .
ثم أضاف وهو يرفع فنجانه :
- تذكر يا آدم : لا تمنح ثقتك لأن أحدهم أحسن الكلام ، ولا تحجبها لمجرد أنك لا تتفق معه . امنحها بعد أن تفهم ، وراجعها عندما تظهر الوقائع ، وحاسب صاحبها على ما يستطيع فعله ، لا على ما يستحيل عليه .
نظر آدم إلى شجرة الليمون ، وتأمل جذورها الممتدة في التراب .
كان المقعد في نظره ، صباح ذلك اليوم ، مجرد مكان يتنافس الناس على الوصول إليه . أما الآن ، فقد بدأ يراه أمانة تتطلب استعدادًا قبل الوصول ، وصدقًا أثناء العمل ، وشجاعة عند المحاسبة .
لكنه أدرك أن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية :
ماذا يحدث حين تتوفر لدى المترشح الكفاءة والنزاهة ، ثم يجد نفسه أمام باب مغلق لا يعرف لماذا أُغلق في وجهه ؟
هل يكون الخلل في الشخص ، أم في القواعد ، أم في طريقة تطبيقها ؟
لم يجد آدم جوابًا نهائيًا .
وكان عليه أن ينتظر ، وأن يسأل ، وأن يقترب أكثر من تفاصيل الحكاية .
ففي السياسة ، كما في الحياة ، لا يكفي أن نعرف من يقف أمام الباب ؛ علينا أيضًا أن نفهم من يملك مفتاحه ، وبأي حق يفتحه أو يغلقه .
يتبع ...
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.