📘 حين يموت الإنسان في الإنسان  ( الجزء 03 )
رواية

📘 حين يموت الإنسان في الإنسان ( الجزء 03 )

15 سبتمبر 2026230 مشاهدة13 دقائق للقراءة

حكاية « حين يموت الإنسان في الإنسان » 📖 الجزء الثالث 🪶 بقلم : عبد المجيد قناوي ✍️ مدخل : حين يصبح السؤال أثقل من الخبر 🌿 ماذا يحدث للإنسان قبل أن يقتل إنسانًا آخر ؟ هل تبدأ الجريمة عندما ينطلق الرصاص ، أم تبدأ قبل ذلك بكثير... حين تتحول كلمة « نحن » إلى جدار ، ويصبح « الآخر » عدوًا ، ثم شيئًا أقل من الإنسان ؟ من النازية إلى رواندا والبوسنة والعراق ومن سوريا إلى بيروت وغزة ، تتكرر المأساة بأشكال مختلفة ، وتتغير الوجوه والأزمنة ، لكن السؤال يبقى واحدًا : كيف يموت الضمير قبل أن يموت الإنسان ؟ في حواراته مع حفيده آدم ، الشاب الذي جاء من الجامعة محمّلًا بأسئلة التاريخ والسياسة والدين ، يحاول عمي منصور أن يفكك خيوط هذه الظاهرة : العصبية ، والخوف ، والدعاية ، والتعصب ، واستغلال المقدس ، وصناعة العدو ، وتبرير العنف ، ونزع الإنسانية عن الآخر . لا تبحث هذه الحكاية عن إجابة سياسية واحدة ، ولا تضع كل المآسي في قالب واحد ؛ بل تبحث عن الإنسان خلف الأحداث ، وعن اللحظة التي يصبح فيها قتل الآخر ممكنًا في العقل ، ومقبولًا في الضمير . فحين يموت الإنسان في داخلنا... يصبح موت الإنسان أمامنا أمرًا عاديًا ... ويبقى السؤال : هل نستطيع أن نستعيد الإنسان في داخل الإنسان قبل فوات الأوان ؟

🌿 حين يموت الإنسان في الإنسان

📖 حكاية من « من سلسلة حكايات عمي منصور »

رواية تربوية | فكرية | إنسانية | دينية | تاريخية | تأملية

✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي

📖🌿 الجزء الثالث


الفصل الخامس :

حين يصبح الإنسان رقمًا


في اليوم التالي ، وصل آدم إلى بيت عمي منصور وفي يده مجموعة من الأوراق .
لم يكن يحملها كما يحمل كتبه عادة ، بل كان يضمها إلى صدره وكأنه يحمل شيئًا أثقل من الورق .
لاحظ عمي منصور ذلك وهو يجلس في فناء البيت .
قال :
ــ ما بك يا آدم ؟
وضع آدم الأوراق على الطاولة .
ــ قرأت الليلة الماضية عن رواندا .
سكت عمي منصور .
ــ ماذا وجدت ؟
ــ وجدت أن الإنسان يستطيع أن يعيش إلى جوار جاره سنوات طويلة ، ثم يأتي يوم يُقنع فيه بأن جاره لم يعد جارًا ، بل أصبح عدوًا .
ــ وكيف حدث ذلك ؟
ــ بالتعبئة ، والتحريض ، والخوف ، والدعاية ، والانقسام على أساس الهوية .
ثم أضاف :
ــ والأمر لم يتوقف عند الكلام . تحولت الكراهية إلى قتل جماعي .
نظر عمي منصور إلى الأوراق .
ــ وهل وجدت تفسيرًا واحدًا ؟
ــ لا .
ــ جيد .
رفع آدم عينيه إليه .
ــ لماذا تقول « جيد » ؟
ــ لأن الكارثة الإنسانية الكبرى لا تُفهم بمفتاح واحد .
جلس آدم .
ــ هذا ما بدأ يقلقني يا جدي . كلما درست حادثة تاريخية ، وجدت أن وراءها طبقات كثيرة : سياسة ، واقتصاد ، وصراع على السلطة ، وخوف ، ودعاية ، وتاريخ من التوترات .
ــ وهذا صحيح .
ــ لكنني أشعر أن كل هذه العوامل لا تشرح وحدها كيف يستطيع الإنسان أن يقتل إنسانًا يعرفه .
قال عمي منصور :
ــ لأنك تبحث الآن عن السؤال الذي يسبق الجريمة .
ــ ما هو ؟
ــ متى يتوقف الآخر عن أن يكون إنسانًا في نظر قاتله ؟
سكت آدم .
ثم قال :
ــ ربما عندما يصبح مجرد « واحد منهم » .
ابتسم عمي منصور بحزن .
ــ نعم .
ــ أي عندما يختفي الفرد داخل الجماعة .
ــ بالضبط .
ــ فلا يعود اسمه مهمًا ، ولا قصته ، ولا أطفاله ، ولا أحلامه .
ــ ويصبح عنوانًا لجماعة مكروهة .
قال آدم :
ــ وهذا مخيف .
ــ لأنه يجعل قتل الإنسان أسهل حين لا تعود تراه إنسانًا .


ثم نظر عمي منصور إلى الأوراق .
ــ هل قرأت عن البوسنة أيضًا ؟
ــ نعم .
ــ وماذا وجدت هناك ؟
قال آدم :
ــ وجدت أن الجار يمكن أن يتحول إلى عدو ، وأن الهوية يمكن أن تصبح سلاحًا عندما تستغلها السياسة والحرب .
ثم سكت قليلًا .
ــ والأكثر إيلامًا أن الضحايا لم يكونوا أرقامًا عندما بدأوا حياتهم .
ابتسم عمي منصور ابتسامة حزينة .
ــ هذه هي المشكلة .
ــ أي مشكلة ؟
ــ أننا عندما نكتب التاريخ نضع أحيانًا ملايين البشر داخل أرقام .
ثم أشار إلى الأوراق .
ــ « عشرات الآلاف قُتلوا » .
ــ نعم .
ــ لكن كل رقم كان يومًا إنسانًا له اسم .
ــ وله أم .
ــ وله بيت .
ــ وله أحلام .
ــ وله شخص ينتظره .
قال عمي منصور :
ــ حين يتحول الإنسان إلى رقم ، يصبح موته أسهل على الذاكرة ، وأحيانًا أسهل على الضمير .
رفع آدم رأسه بسرعة .
ــ لكن الإحصاءات ضرورية لفهم حجم الكارثة .
ــ بالطبع .
ــ إذن لا نستطيع الاستغناء عنها .
ــ لا .

الأرقام تحفظ حجم الجريمة ، لكن الوجوه تحفظ معناها .
سكت آدم .
ثم قال :
ــ هذه العبارة مهمة جدًا .
ــ اكتبها إذن .
فتح آدم دفتره .
ــ « الأرقام تحفظ حجم الجريمة ، لكن الوجوه تحفظ معناها » .
ابتسم عمي منصور .
ــ الآن أصبح لدفترك عمل حقيقي .
بعد لحظات ، قال آدم :
ــ جدي ، هل الإبادة نتيجة حتمية للتعصب ؟
ــ لا .
ــ إذن ما الذي يجعل التعصب يصل إليها ؟
فكر عمي منصور قليلًا .
ــ عندما تجتمع عدة أشياء : سلطة بلا رقابة ، ودعاية بلا مسؤولية ، وخوف بلا عقل ، وتعصب بلا مراجعة ، وسلاح بلا ضمير .
قال آدم :
ــ وماذا عن الصمت ؟
نظر إليه عمي منصور .
ــ الصمت أيضًا .
ــ هل الصمت سبب ؟
ــ ليس كل صمت جريمة . الإنسان قد يصمت خوفًا أو عجزًا .
ثم أضاف :
ــ لكن حين يستطيع الإنسان أن يمنع ظلمًا واضحًا ولا يفعل ، يصبح السؤال الأخلاقي أثقل .
قال آدم :
ــ وهل كل من عاش داخل منظومة ظالمة يكون مذنبًا ؟
ــ لا يا بني .
ــ إذن كيف نحكم ؟
ــ لا نحكم على الملايين بحكم واحد .
ثم قال :
ــ التاريخ يحتاج إلى عدل حتى عندما ندرسه .
تأمل آدم العبارة .
ــ ماذا تعني ؟
ــ أن نفرق بين من خطط للجريمة ، ومن نفذها ، ومن قاومها ، ومن خاف منها ، ومن استفاد منها ، ومن حاول النجاة .

ــ حتى داخل الجماعة نفسها ؟

ــ نعم . فحتى في أحلك الظروف ، لا يكون الناس نسخةً واحدة من بعضهم .
ظل آدم صامتًا .
ثم قال :
ــ أحيانًا أشعر أن الإنسان يبحث عن عذر لنفسه داخل الجماعة .
ــ كيف ؟
ــ يقول : « الجميع كانوا يفعلون ذلك » .
ــ وهذه جملة خطيرة .
ــ لماذا ؟
ــ لأنها تجعل كثرة الفاعلين وكأنها تمحو مسؤولية الفرد .
قال آدم :
ــ لكن الفرد قد يكون تحت ضغط هائل .
ــ نعم .
ــ وقد يخاف على حياته .
ــ نعم .
ــ وقد يكون مضللًا .
ــ نعم .
ــ إذن المسؤولية ليست دائمًا سهلة .
ــ لم أقل إنها سهلة .
ثم ابتسم عمي منصور :
ــ ولذلك لا أحب الأحكام السريعة .
ــ حتى على المجرمين ؟
ــ الحكم على الجريمة شيء ، وفهم كيف حدثت شيء آخر .
ــ حتى لا تتكرر ؟
ــ بالضبط .
قال آدم :
ــ لأننا إذا قلنا : « هؤلاء كانوا وحوشًا » فقط ، فلن نتعلم كيف أصبحوا كذلك .
هز عمي منصور رأسه .
ــ الآن فهمت لماذا قلت لك في البداية : لا تدرس القاتل وحده ، ادرس الطريق الذي أوصله إلى القتل .
نهض آدم وأخذ نفسًا عميقًا .
ــ جدي ، بدأت أفهم شيئًا آخر .
ــ ماذا ؟
ــ الإبادة ليست مجرد انفجار مفاجئ للعنف .
ــ أكمل .
ــ إنها تحتاج إلى تهيئة العقل أولًا .
ــ نعم .
ــ أن تجعل الإنسان يصدق أن الآخر خطر .
ــ نعم .
ــ ثم أن تجعله يصدق أن الآخر أقل قيمة .
ــ نعم .
ــ ثم أن تجعله يصدق أن التخلص منه ضرورة .
ساد الصمت .
قال عمي منصور :
ــ وهنا تصبح الجريمة أخطر من القتل نفسه ؛ لأنك لم تعد تقتل جسدًا فقط ، بل قتلت في داخلك السؤال الذي كان يمكن أن يمنعك .
قال آدم :
ــ سؤال الضمير ؟
ــ نعم .
ــ ولهذا قلت : « حين يموت الإنسان في الإنسان » ؟
ابتسم عمي منصور .
ــ بدأت تصل إلى عنوان حكايتنا .
جلس آدم من جديد .
وقال :
ــ لكنني ما زلت لا أفهم شيئًا .
ــ ماذا ؟
ــ كيف يستطيع الإنسان أن يرى طفلًا أمامه ، ثم يقتله باسم قضية أو عرق أو دين أو وطن ؟
لم يجب عمي منصور .
ظل ينظر إلى شجرة التين .
ثم قال :
ــ ربما لأن الإنسان الذي يقف أمامه لم يعد في عينيه طفلًا .
ــ بل ماذا ؟
ــ أصبح رمزًا .
ــ رمزًا لماذا ؟
ــ لكل ما لقنوه إياه أن يكرهه .
سكت آدم .
ثم قال بصوت خافت :
ــ إذن الطفل يدفع ثمن فكرة لم يخترها .
ــ نعم .
ــ وثمن هوية وُولد بها .
ــ نعم .
ــ وثمن حرب لم يبدأها .
ــ نعم .
أطرق عمي منصور رأسه .
ــ ولهذا يا بني ، عندما يموت طفل في حرب ، لا تسأل فقط : من أطلق الرصاصة ؟
ــ بل ؟
رفع عمي منصور عينيه وقال :
ــ اسأل أيضًا : من علّم الإنسان أن يرى في هذا الطفل عدوًا ؟
ساد الصمت طويلًا .
وكان آدم يعرف أن السؤال أصبح أكبر من رواندا ، وأكبر من البوسنة ، وأكبر من أوروبا .
لقد وصلوا إلى السؤال الذي لا يستطيع التاريخ وحده الإجابة عنه :
هل يمكن أن تتحول الفكرة إلى مرض ، وأن يتحول المرض إلى عقيدة ، وأن تتحول العقيدة إلى سلاح ؟
وفي مكان ما من العالم ، كان التاريخ يثبت مرة أخرى أن الإنسان حين يفقد قدرته على رؤية إنسانية الآخر ، لا يعود بعيدًا عن الكارثة .


الفصل السادس :

حين تتحول الفكرة إلى آلة


في ذلك المساء ، كان المطر يطرق زجاج النوافذ بهدوء .
جلس آدم في المكتبة أمام مجموعة من الكتب ، وكان أحدها مفتوحًا على صفحات تتحدث عن ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي .
دخل عمي منصور ، فلاحظ أن حفيده لم يشعر بدخوله .
قال :
ــ ما الذي أخذ منك كل هذا التركيز يا آدم ؟
رفع آدم رأسه .
ــ ألمانيا .
اقترب عمي منصور .
ــ هتلر ؟
ــ نعم .
جلس إلى جانبه .
ــ وماذا وجدت هذه المرة ؟
قال آدم :
ــ وجدت شيئًا أخافني أكثر من أرقام الضحايا .
ــ ماذا ؟
ــ أن الأمر لم يبدأ بالقتل .
ابتسم عمي منصور بحزن .
ــ كنت أعرف أنك ستصل إلى هذه النقطة .
ــ بدأت الحكاية بخطاب ، ثم دعاية ، ثم قوانين ، ثم تمييز ، ثم عزل ، ثم تجريد من الحقوق ... وبعد ذلك جاءت الإبادة .
قال عمي منصور :
ــ أي أن الجريمة كانت تسير درجة بعد درجة .
ــ نعم .
ــ وهذا ما يجعلها أخطر .
رفع آدم إحدى الأوراق .
ــ النازيون لم يقولوا للناس منذ اليوم الأول : « اقتلوا ملايين البشر » .
ــ ماذا فعلوا إذن ؟
ــ أقنعوهم أولًا بأن هناك فئة من البشر هي سبب مشكلات البلاد .
ــ ثم ؟
ــ أعطوها صفات سلبية ، وكرروها حتى أصبحت جزءًا من الخطاب العام .
ــ ثم ؟
ــ حوّلوا الكراهية إلى قوانين .
قال عمي منصور :
ــ وهنا تصبح الكارثة أكثر خطورة .
ــ لماذا ؟
ــ لأن الإنسان عندما يرى الظلم في الشارع قد يرفضه ، لكن عندما يرى الظلم مكتوبًا في القانون قد يظن أن القانون نفسه يمنحه الشرعية .
قال آدم :
ــ وهذا ما حدث فعلًا .
ــ القانون ليس دائمًا مرادفًا للعدل يا بني .
سكت آدم .
ثم قال :
ــ هذه فكرة مهمة جدًا .
ــ لأن الإنسان قد يطيع قانونًا ظالمًا ، ثم يقنع نفسه بأنه لم يفعل شيئًا سوى تنفيذ القانون .
قال آدم :
ــ وهنا تعود مسألة الطاعة .
ــ نعم .
ــ التي تحدثنا عنها في الفصل الأول .
ــ لكنها الآن أصبحت أخطر .
ــ لأن الطاعة لم تعد أمرًا عسكريًا فقط ، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية .
أومأ عمي منصور .
ــ عندما يدخل الظلم إلى المدرسة ، والإدارة ، والإعلام ، والقانون ، والوظيفة ، والشارع ، يصبح مقاومته أصعب .
قال آدم :
ــ لأن المنظومة كلها تضغط على الفرد .
ــ نعم .
ثم أضاف :
ــ ولهذا لا يكفي أن نسأل : من كان الحاكم ؟ بل يجب أن نسأل أيضًا : كيف استطاع أن يجعل فكرته تعيش في عقول الآخرين ؟
قلب آدم صفحات الكتاب .
قال :
ــ هناك شيء آخر .
ــ ما هو ؟
ــ الدعاية .
ــ ماذا عنها ؟
ــ كانت آلة ضخمة .
ــ وما الذي تفعله الدعاية عندما تكون في يد سلطة تريد السيطرة ؟
قال آدم :
ــ لا تكتفي بإخبار الناس بما حدث ، بل تحدد لهم كيف يفكرون فيما حدث .
ابتسم عمي منصور .
ــ أحسنت .
ــ قد تعرض عليك صورة ، ثم تعطيك تفسيرها ، ثم تكرر التفسير حتى يصبح عندك حقيقة .
ــ وهذا ليس جديدًا .
ــ لكن وسائل اليوم أكثر قوة .
نظر عمي منصور إلى هاتف آدم .
ــ نعم . اليوم يستطيع الإنسان أن يحمل آلة الدعاية في جيبه .
رفع آدم هاتفه .
ــ وهنا تكمن المفارقة . التقنية يمكن أن تكون وسيلة للمعرفة ، ويمكن أن تصبح وسيلة للتلاعب .
قال عمي منصور :
ــ الأداة لا تملك الضمير .
ــ والإنسان هو الذي يقرر كيف يستخدمها .
ــ تمامًا .
سكت آدم قليلًا .
ثم قال :
ــ جدي ، هل كان كل الألمان مؤيدين لهتلر ؟
رفع عمي منصور عينيه إليه .
ــ لا .
ــ لكن أحيانًا نتحدث عن « الألمان » وكأنهم كتلة واحدة .
ــ وهذه مشكلة يجب أن نحذر منها .
ــ لماذا ؟
ــ لأنك إذا عممت الذنب على شعب كامل ، فقد ارتكبت ظلمًا جديدًا أثناء حديثك عن ظلم قديم .
قال آدم :
ــ كان هناك مؤيدون ، ومعارضون ، وخائفون ، ومتفرجون ، ومن استفادوا ، ومن قاوموا .
ــ تمامًا .
ــ وبعضهم دفع حياته لأنه رفض النظام .
ــ وهذا مهم حتى لا نحول التاريخ إلى حكاية بسيطة فيها أشرار مطلقون وأناس بلا إرادة .
قال آدم :
ــ لأن الإنسان أكثر تعقيدًا .
ــ نعم .
ثم أضاف عمي منصور :
ــ لكن تعقيد الإنسان لا يعني تبرئة المجرم .
ــ بالطبع .
ــ نفهم الظروف حتى نعرف كيف وقعت الجريمة ، ونحاكم الجريمة حتى لا تتحول المعرفة إلى عذر .
نظر آدم إلى صورة في الكتاب .
قال :
ــ جدي ، هناك شيء آخر أريد أن أفهمه .
ــ تفضل .
ــ كيف استطاعت الدولة أن تجعل الإنسان يقبل أن بعض جيرانه لا يستحقون الحقوق نفسها ؟
قال عمي منصور :
ــ عندما تبدأ بتقسيم البشر إلى درجات .
ــ درجات ؟
ــ نعم . إنسان كامل ، وإنسان أقل قيمة .
ــ ثم يصبح الأقل قيمة أقل استحقاقًا .
ــ ثم يصبح خارج الجماعة .
ــ ثم يصبح خطرًا .
ــ ثم يصبح التخلص منه مقبولًا .
قال آدم :
ــ هذه هي السلسلة نفسها .
ــ نعم .
ــ من « نحن » و« هم » إلى « هم خطر » ، ثم إلى « هم لا يستحقون » .
قال عمي منصور :
ــ وحين تصل إلى « لا يستحقون » ، يصبح قتلهم أسهل من قتل إنسان تراه شبيهًا بك .
ارتجف آدم قليلًا .
ثم قال :
ــ لهذا كان نزع الإنسانية خطوة أساسية .
ــ نعم .
بقي الاثنان صامتين .
ثم قال آدم :
ــ لكنني لا أريد أن أتعامل مع النازية وكأنها قصة انتهت .
ــ لماذا ؟
ــ لأن الخطر ليس في اسم هتلر فقط .
نظر إليه عمي منصور باهتمام .
ــ ماذا تقصد ؟
قال آدم :
ــ إذا قلنا : « هتلر كان شريرًا وانتهى الأمر » ، فقد نشعر بالأمان ونظن أن شيئًا كهذا لا يمكن أن يتكرر .
ــ وهذا وهم .
ــ لأن الظروف قد تتغير ، والأسماء تتغير ، والشعارات تتغير ، لكن قابلية الإنسان للتعصب والخوف والطاعة قد تبقى .
ابتسم عمي منصور .
ــ الآن فهمت لماذا جئتني بهذه الكتب .
ثم قال :
ــ التاريخ لا يطلب منا أن نحفظ أسماء الموتى فقط ، بل أن نتعلم كيف نمنع موتهم من أن يتكرر في صور جديدة .
قال آدم :
ــ وهل يمكن أن تظهر « النازية » بأسماء أخرى ؟
ــ لا تبحث عن الاسم يا بني .
ــ عن ماذا أبحث ؟
ــ ابحث عن الفكرة عندما تقول إن فئة من البشر أقل قيمة من غيرها ، وابحث عن السلطة عندما تجعل هذه الفكرة قانونًا ، وابحث عن المجتمع عندما يصمت عنها .
أغلق آدم الكتاب ببطء .
ــ إذن القضية ليست ألمانيا وحدها .
ــ لا .
ــ ولا اليهود وحدهم .
ــ لا .
ــ بل الإنسان كله .
أجاب عمي منصور :
ــ نعم . لأن الجريمة عندما تُرتكب ضد إنسان واحد ، فهي تهين الإنسانية كلها ، حتى لو حاول القاتل أن يقنع نفسه بغير ذلك .
ثم أطرق عمي منصور برأسه لحظة ، ورفع عينيه بنظرةٍ يملؤها السكون وقال :
ــ وهل تعلم يا بني أن هذا ليس مجرد تحليلٍ فلسفيّ أو تاريخي ؟ إنه الميزان الإلهي الحاسم والجامع للإنسان .
نظر إليه آدم مستفهمًا ، فتابع عمي منصور بهدوء :
ــ لقد اختصر القرآن هذه المنظومة الأخلاقية كلّها في آية واحدة تُعيد للضمير عافيته حين يقول سبحانه وتعالى : ﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ .
سكت عمي منصور ليدع للكلمات مجراها في النفس ، ثم أضاف :
ــ تأمل كيف لم يقل « قتَل مؤمنًا » أو « قتل جاره » أو « ابن قوميته » ، بل جاءت الكلمة مطلقة : « نَفْسًا » .. عاريةً من كل تصنيفٍ عائديّ أو عرقياً أو سياسي . فالاعتداء على روحٍ واحدة هو شروعٌ في اغتيال مفهوم الإنسانية كلّها .
أومأ آدم برأسه ، وكأن قطعةً جوهريةً كانت غائبةً قد استقرت في مكانها الصحيح من اللوحة :
ــ وكما أن قتْلَها قتلٌ للجميع .. فإن إحياءها إحياءٌ للجميع أيضاً .
ابتسم عمي منصور ابتسامةً دافئة :
ــ بالضبط .. وهنا تكمن معركة المؤمن الحقيقي يا بني : أن يكون سفيرًا للإحياء والتكريم في عالمٍ يتقن صناعة الموت والتجريد .
نظر آدم إلى النافذة .
كان المطر قد توقف .
وبقيت قطرات الماء معلقة على الزجاج ، تعكس ضوء المصباح في المكتبة .
قال آدم :
ــ جدي ، بعد ألمانيا ورواندا والبوسنة ... هل هناك شيء واحد نستطيع أن نتعلمه من كل هذه المآسي ؟
فكر عمي منصور طويلًا .
ثم قال :
ــ نعم .
ــ ما هو ؟
ــ لا تنتظر حتى يبدأ القتل كي تدافع عن الإنسان . دافع عنه عندما يبدأون بتجريده من اسمه ، وكرامته ، وحقوقه ، وإنسانيته .
رفع آدم عينيه إليه .
وكان يعرف أن الرحلة لم تصل بعد إلى أكثر فصولها إيلامًا .
فالتاريخ سيأخذهما إلى أماكن أخرى ، حيث امتزجت الحرب بالهوية ، والسياسة بالدين ، والخوف بالمصلحة .
وحيث سيضطر آدم إلى مواجهة سؤال أصعب :
ماذا يحدث عندما تصبح الجريمة نفسها جزءًا من رواية سياسية أو دينية أو قومية ، فيرى كل طرف نفسه ضحية والآخر وحده مذنبًا ؟


( يُتبع... ) 🌿 📖

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

2 - 16 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.