
📘 حين يموت الإنسان في الإنسان ( الجزء 05 )
حكاية « حين يموت الإنسان في الإنسان » 📖 الجزء الخامس 🪶 بقلم : عبد المجيد قناوي ✍️ مدخل : حين يصبح السؤال أثقل من الخبر 🌿 ماذا يحدث للإنسان قبل أن يقتل إنسانًا آخر ؟ هل تبدأ الجريمة عندما ينطلق الرصاص ، أم تبدأ قبل ذلك بكثير... حين تتحول كلمة « نحن » إلى جدار ، ويصبح « الآخر » عدوًا ، ثم شيئًا أقل من الإنسان ؟ من النازية إلى رواندا والبوسنة والعراق ومن سوريا إلى بيروت وغزة ، تتكرر المأساة بأشكال مختلفة ، وتتغير الوجوه والأزمنة ، لكن السؤال يبقى واحدًا : كيف يموت الضمير قبل أن يموت الإنسان ؟ في حواراته مع حفيده آدم ، الشاب الذي جاء من الجامعة محمّلًا بأسئلة التاريخ والسياسة والدين ، يحاول عمي منصور أن يفكك خيوط هذه الظاهرة : العصبية ، والخوف ، والدعاية ، والتعصب ، واستغلال المقدس ، وصناعة العدو ، وتبرير العنف ، ونزع الإنسانية عن الآخر . لا تبحث هذه الحكاية عن إجابة سياسية واحدة ، ولا تضع كل المآسي في قالب واحد ؛ بل تبحث عن الإنسان خلف الأحداث ، وعن اللحظة التي يصبح فيها قتل الآخر ممكنًا في العقل ، ومقبولًا في الضمير . فحين يموت الإنسان في داخلنا... يصبح موت الإنسان أمامنا أمرًا عاديًا ... ويبقى السؤال : هل نستطيع أن نستعيد الإنسان في داخل الإنسان قبل فوات الأوان ؟ في الإنسان
🌿 حين يموت الإنسان في الإنسان
📖 حكاية من « من سلسلة حكايات عمي منصور »
رواية تربوية | فكرية | إنسانية | دينية | تاريخية | تأملية
✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي
📖🌿 الجزء الخامس
الفصل التاسع :
غزة... حين يصبح الطفل سؤالًا
في ذلك الصباح ، لم يكن هاتف آدم في يده .
كان موضوعًا على الطاولة ، لكنه ظل مفتوحًا على شاشة تحمل صورة طفل .
لم يلمسه .
دخل عمي منصور إلى الغرفة ، فرأى وجه حفيده شاحبًا .
قال :
ــ ما بك يا آدم ؟
أشار آدم إلى الهاتف .
ــ غزة .
اقترب عمي منصور ببطء .
نظر إلى الشاشة ، ثم جلس .
لم يتحدث للحظات .
قال آدم :
ــ جدي ، حاولت أن أتعامل مع الأمر كباحث .
ــ وماذا وجدت ؟
ــ وجدت الاحتلال ، والحرب ، والأمن ، والسياسة ، والمصالح الإقليمية والدولية ، وتاريخًا طويلًا من الصراع .
ــ وهذا كله جزء من الصورة .
ــ نعم .
ــ لكن ؟
قال آدم :
ــ لكنني كلما قرأت أكثر ، شعرت أن هذه الكلمات الكبيرة تخفي شيئًا صغيرًا جدًا .
ــ ماذا ؟
ــ طفلًا .
نظر عمي منصور إليه .
ــ الطفل لا يعرف الجغرافيا السياسية .
ــ ولا يعرف موازين القوى .
ــ ولا يعرف صفقات الدول .
ــ ولا يعرف لماذا يتصارع الكبار .
ــ لكنه يعرف الخوف .
ــ والجوع .
ــ وفقدان أمه أو أبيه .
قال آدم :
ــ وهذا هو الشيء الذي لا أستطيع تجاوزه .
---
أخذ عمي منصور نفسًا عميقًا .
قال :
ــ لا تجعل كثرة التحليل تجعلك تفقد الإنسان يا بني .
ــ لكننا نحتاج إلى التحليل حتى نفهم .
ــ نعم .
ــ ونحتاج إلى التاريخ .
ــ نعم .
ــ ونحتاج إلى السياسة .
ــ نعم .
ــ ونحتاج إلى القانون .
ــ نعم .
ــ فلماذا أشعر أحيانًا أن كل هذه العلوم تصبح عاجزة أمام صورة طفل ؟
قال عمي منصور :
ــ لأنها تستطيع أن تشرح لك كيف حدث الشيء ، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيبك عن سؤال : هل كان ينبغي أن يحدث أصلًا ؟
سكت آدم .
ثم قال :
ــ هذا سؤال أخلاقي .
ــ نعم .
ــ وليس سياسيًا فقط .
ــ ولا اقتصاديًا فقط .
ــ ولا دينيًا فقط .
ــ بل إنساني قبل كل شيء .
---
قال آدم :
ــ جدي ، أحيانًا أسمع من يقول : « هذه حرب ، وفي الحرب يموت الناس » .
نظر إليه عمي منصور بصرامة .
ــ وهل هذه الجملة تكفي ؟
ــ لا .
ــ لماذا ؟
ــ لأنها قد تحول المأساة إلى أمر طبيعي .
قال عمي منصور :
ــ الحرب قد تفسر وقوع الموت ، لكنها لا تجعل كل موت مشروعًا .
ــ خصوصًا موت الأطفال والمدنيين .
ــ نعم .
ــ إذن لا يجوز أن تصبح كلمة « حرب » غطاءً لكل شيء .
ــ بالضبط .
ثم أضاف :
ــ الحرب لا تلغي الأخلاق ، وإلا أصبح كل شيء مباحًا بمجرد أن نعلن أننا في حرب .
---
ظل آدم ينظر إلى الشاشة .
قال :
ــ هناك شيء آخر يؤلمني .
ــ ما هو ؟
ــ اللغة .
ــ اللغة ؟
ــ نعم .
ــ ماذا تفعل اللغة ؟
ــ عندما نتحدث عن القتلى بلغة الأرقام فقط ، يصبح الألم بعيدًا .
ــ صحيح .
ــ وعندما نصف جماعة كاملة بأنها « خطر » ، يصبح قتل أفرادها أسهل .
ــ صحيح .
ــ وعندما نكرر أن كل فرد من الطرف الآخر مسؤول عن أفعال جماعته ، نكون قد ألغينا الفرد .
قال عمي منصور :
ــ اللغة قد تكون آخر حاجز قبل الرصاصة .
رفع آدم رأسه .
ــ كيف ؟
ــ لأنك إذا حفظت للإنسان اسمه ، ووجهه ، وكرامته ، يصبح قتله أصعب على الضمير .
ــ وإذا جردته من ذلك ؟
ــ يصبح مجرد هدف .
---
قال آدم :
ــ وهذا ما يخيفني في الدعاية .
ــ لماذا ؟
ــ لأنها لا تحتاج دائمًا إلى أن تأمرك بالقتل .
ــ ماذا تفعل إذن ؟
ــ أحيانًا يكفي أن تجعلك تتوقف عن التعاطف .
صمت عمي منصور .
ثم قال :
ــ هذه ملاحظة عميقة .
ــ لأن الإنسان قد لا يصبح قاتلًا ، لكنه يصبح غير مبالٍ .
ــ واللامبالاة قد تكون بداية خطيرة .
ــ خصوصًا عندما يصبح موت الآخر بالنسبة إليه خبرًا عابرًا .
قال عمي منصور :
ــ حين تتوقف عن رؤية ألم الآخر ، لا يعني ذلك أنك أصبحت قويًا ؛ قد يعني أنك فقدت شيئًا من إنسانيتك .
---
جلس آدم أكثر استقامة .
قال :
ــ لكن جدي ، هناك سؤال أخطر .
ــ ما هو ؟
ــ لماذا يستطيع بعض الناس أن يروا أطفالًا يموتون ثم يبررون ذلك ؟
ــ كيف يبررون ؟
ــ يقولون : « هناك سبب أمني » .
ــ وقد يكون للأمن اعتبارات حقيقية في أي صراع ، لكن ذلك لا يلغي السؤال الأخلاقي والقانوني عن حماية المدنيين .
ــ أو يقولون : « الطرف الآخر بدأ » .
ــ حتى لو كان هناك صراع أو جريمة سابقة ، لا يصبح كل إنسان من الطرف الآخر هدفًا مشروعًا .
ــ أو يقولون : « نحن ندافع عن أنفسنا » .
ــ الدفاع عن النفس لا يعني أن كل فعل يصبح مباحًا .
ــ إذن المشكلة في التبرير .
قال عمي منصور :
ــ المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان مستعدًا للبحث عن مبرر للجريمة قبل أن يسأل نفسه إن كانت جريمة أصلًا .
---
أطرق آدم رأسه .
ثم قال :
ــ جدي ، هل الدين يمكن أن يساعدنا هنا ؟
ابتسم عمي منصور .
ــ إذا كان الدين يوقظ فيك الخوف من ظلم الإنسان ، نعم .
ــ وإذا أصبح مجرد هوية ؟
ــ يصبح جزءًا من المشكلة .
ــ كيف ؟
ــ عندما يقول الإنسان : « لأنني من هذه الجماعة ، فإن كل ما أفعله دفاع عن المقدس » .
قال آدم :
ــ أي أنه يعطي نفسه حصانة أخلاقية .
ــ نعم .
ثم فتح عمي منصور المصحف .
وقال :
ــ لهذا أحب أن أتذكر دائمًا أن القرآن لا يربط قيمة الإنسان بانتمائه إلى جماعتك فقط .
ثم قرأ :
﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [ المائدة : 32 ]
أغلق المصحف بهدوء .
وقال :
ــ انظر يا بني إلى عظمة المعنى .
ــ قتل نفس واحدة يصبح في ميزان القرآن كقتل الناس جميعًا .
ــ لأن الإنسان ليس رقمًا .
ــ ولا طائفة .
ــ ولا قومية .
ــ ولا حزبًا .
ــ ولا مشروعًا سياسيًا .
ثم قال :
ــ إنه إنسان .
---
قال آدم :
ــ لكن البعض سيقول : هذه الآية تتحدث في سياق بني إسرائيل ، وليست حكمًا تاريخيًا بسيطًا على كل الصراعات .
ابتسم عمي منصور .
ــ أحسنت .
ــ لأنني لا أريد أن نستعمل الآيات خارج سياقها .
ــ وهذا ما أريده منك .
ــ إذن ماذا نستفيد منها ؟
ــ نستفيد من المعنى الأخلاقي الذي يرسخ حرمة النفس وعظمة الحياة ، دون أن نحول الآية إلى شعار سياسي .
قال آدم :
ــ هكذا يصبح الدين جزءًا من بناء الضمير ، لا وقودًا للحرب .
قال عمي منصور :
ــ وهذا هو الفرق الذي أريده منك أن تحافظ عليه طوال هذه الحكاية .
---
عاد آدم إلى هاتفه .
قال :
ــ جدي ، هل تعلم ما الذي جعلني أفكر في كل ما تحدثنا عنه ؟
ــ ماذا ؟
ــ أن العالم أصبح قادرًا على رؤية المأساة لحظة وقوعها .
ــ نعم .
ــ في الماضي كان الإنسان قد لا يعرف ما يحدث على بعد آلاف الكيلومترات .
ــ أما اليوم ؟
ــ يرى الطفل تحت الركام في هاتفه .
ــ ثم ماذا ؟
ــ يستطيع أن يغلق الشاشة .
سكت عمي منصور طويلًا .
ثم قال :
ــ ربما أصبح امتحان الإنسان اليوم ليس فقط فيما يفعله ، بل فيما يختار أن يراه وما يختار أن يتجاهله .
قال آدم :
ــ لكن هل مشاهدة المأساة تكفي ؟
ــ لا .
ــ وماذا يفعل الإنسان إذن ؟
ــ على الأقل لا يسمح للكراهية أن تجعله يفرح بموت الأبرياء .
ــ حتى لو كانوا من الطرف الذي يختلف معه ؟
ــ خصوصًا إذا كانوا كذلك .
---
كان الصمت ثقيلًا .
ثم قال آدم :
ــ جدي ، أعتقد أنني فهمت الآن لماذا لا يكفي التفسير السياسي أو الاقتصادي وحده .
ــ لماذا ؟
ــ لأن المصالح قد تفسر لماذا تتصارع الدول ، لكنها لا تفسر وحدها كيف يتقبل الإنسان موت طفل .
ــ أحسنت .
ــ والسياسة قد تشرح القرار ، لكنها لا تشرح وحدها لماذا يصبح قتل المدنيين مقبولًا في ذهن البعض .
ــ نعم .
ــ والاقتصاد قد يفسر بعض المصالح ، لكنه لا يفسر موت الضمير .
قال عمي منصور :
ــ هناك لحظة تتجاوز فيها الجريمة حسابات المصلحة ، وتدخل إلى منطقة أخلاقية مظلمة : منطقة يصبح فيها الآخر أقل إنسانية في أعيننا .
قال آدم :
ــ وهذه هي « العصبية » التي كنا نبحث عنها منذ البداية .
ــ ربما أحد وجوهها .
ــ العصبية الاجتماعية .
ــ نعم .
ــ والدينية .
ــ نعم .
ــ والسياسية .
ــ نعم .
ــ والقومية .
ــ نعم .
ــ وكلها يمكن أن تصبح خطيرة عندما تجعل « نحن » أعلى من الإنسان .
قال عمي منصور :
ــ إذا أصبح انتماؤك إلى جماعتك يمنعك من رؤية ظلمها ، فقد تحولت من صاحب هوية إلى أسير عصبية .
---
نهض آدم .
لكنه لم يغلق الهاتف هذه المرة .
ترك الصورة أمامه .
قال :
ــ جدي ، أريد أن أكتب جملة واحدة في آخر هذه الصفحة .
ــ اكتب .
كتب آدم :
« لا أريد أن أتعلم من التاريخ كيف ننتصر على الآخرين ، بل كيف لا نفقد إنسانيتنا ونحن نختلف معهم . »
قرأ عمي منصور الجملة .
ثم ابتسم .
ــ الآن يا بني ، بدأت الحكاية تصل إلى معناها الحقيقي .
ــ وما الخطوة القادمة ؟
نظر عمي منصور إلى المصحف ، ثم إلى الهاتف ، ثم إلى حفيده .
وقال :
ــ بقي أن نسأل السؤال الأصعب : هل يمكن للإنسان أن يكره جريمةً ارتكبها عدوه ، ثم يبرر جريمةً مشابهة عندما يرتكبها من يحب ؟
توقف آدم .
فقد أدرك أن هذا السؤال سيضع الجميع أمام المرآة .
لا إسرائيل وحدها .
ولا الفلسطيني وحده .
ولا المسلم وحده .
ولا المسيحي وحده .
ولا اليهودي وحده .
ولا العربي وحده .
بل الإنسان نفسه .
الفصل العاشر :
عندما يصبح الحق ابن الجماعة
في صباح اليوم التالي ، وجد آدم عمي منصور جالسًا في المكان نفسه .
كانت شجرة التين ساكنة ، والهواء باردًا قليلًا .
جلس آدم أمامه ، لكنه لم يفتح كتبه هذه المرة .
قال عمي منصور :
ــ يبدو أنك جئت من دون أوراق .
ــ لأنني جئت بسؤال .
ــ وما الجديد في ذلك ؟
ابتسم آدم .
ــ السؤال هذه المرة عن نفسي .
رفع عمي منصور حاجبيه .
ــ عن نفسك ؟
ــ نعم .
ــ تفضل .
قال آدم :
ــ اكتشفت شيئًا أخافني .
ــ ماذا ؟
ــ أننا نحن البشر لا نكره الجريمة دائمًا .
ــ كيف ؟
ــ أحيانًا نكرهها عندما يرتكبها الآخر ، ثم نبحث لها عن عذر عندما يرتكبها من نحب .
صمت عمي منصور .
ثم قال :
ــ هذه واحدة من أخطر صور العصبية .
ــ لأن الإنسان لا يعود يحاكم الفعل نفسه .
ــ بل يحاكم صاحبه .
ــ فإذا كان من جماعتنا قال : « لا بد أن هناك سببًا » .
ــ وإذا كان من جماعتهم قال : « هذا دليل على طبيعتهم الشريرة » .
قال آدم :
ــ وكأن الأخلاق تتغير حسب هوية الفاعل .
أجاب عمي منصور :
ــ وهنا لا يعود الإنسان يبحث عن الحق ، بل يبحث عن حجة ينتصر بها لجماعته .
---
قال آدم :
ــ لكن أليس طبيعيًا أن ندافع عن أهلنا ؟
ــ الدفاع عن المظلوم طبيعي .
ــ وعن جماعتنا ؟
ــ إذا كانت مظلومة ، نعم .
ــ وإذا كانت ظالمة ؟
صمت عمي منصور لحظة .
ثم قال :
ــ هنا يبدأ الامتحان الحقيقي .
ــ لماذا ؟
ــ لأن أسهل شيء أن تكون عادلًا مع من لا تحب .
ــ والأصعب ؟
ــ أن تكون عادلًا مع من تحب .
قال آدم :
ــ إذن العدالة لا تُختبر عندما نرى خصمنا يخطئ .
ــ بل عندما نرى جماعتنا تخطئ .
---
فتح آدم هاتفه .
ــ جدي ، لماذا تختلف ردود أفعال الناس أمام الجريمة نفسها ؟
ــ لأن الإنسان لا يرى العالم بعين واحدة .
ــ بل بعين هويته ؟
ــ وبخبراته ، وخوفه ، وذاكرته ، ومصالحه ، وإعلامه ، والجماعة التي ينتمي إليها .
ــ إذن يمكن أن يشاهد شخصان الصورة نفسها ويخرجان بحكمين متناقضين .
ــ نعم .
ــ أحدهما يرى طفلًا .
ــ والآخر يرى « طرفًا من أطراف الصراع » .
ــ أحدهما يرى إنسانًا .
ــ والآخر يرى رمزًا .
قال عمي منصور :
ــ وحين يتحول الإنسان إلى رمز ، يصبح التعاطف معه مشروطًا بانتمائه .
---
قال آدم :
ــ وهذا يذكرني بما قرأته عن الحروب .
ــ ماذا قرأت ؟
ــ أن كل طرف يبني روايته الخاصة للضحايا .
ــ نعم .
ــ فيقول : « ضحايانا أبرياء ، وضحاياهم نتيجة لما فعلوه » .
ــ وهذه العبارة يمكن أن تفتح بابًا خطيرًا .
ــ لأن كل طرف يصبح قاضيًا لنفسه .
قال عمي منصور :
ــ لذلك لا يمكن أن تكون العدالة مجرد شعور .
ــ بل تحتاج إلى معيار .
ــ وإلى قانون .
ــ وإلى ضمير .
ــ وإلى شجاعة أخلاقية .
قال آدم :
ــ والشجاعة الأخلاقية هي أن تقول لجماعتك : « أخطأتم » ؟
ابتسم عمي منصور .
ــ أحيانًا تكون أصعب كلمة يمكن أن تقولها .
---
ثم قال آدم :
ــ جدي ، ماذا يقول الدين في هذا ؟
أجاب عمي منصور :
ــ الدين الحقيقي لا يطلب منك أن تكون عادلًا مع الآخرين فقط .
ــ بل مع نفسك وجماعتك أيضًا ؟
ــ نعم .
ثم قال :
ــ ألم تسمع قول الله تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾
[النساء : 135]
قال آدم :
ــ أي أن العدل لا يتوقف عندما يكون الخطأ من أقرب الناس إلينا .
ــ بل هنا يصبح الامتحان أشد .
ثم أضاف :
ــ وهناك آية أخرى أحبها في هذا المعنى :
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾[ المائدة : 8 ]
تأمل آدم الآية طويلًا .
ثم قال :
ــ هذه الآية تكاد تكون عكس العصبية تمامًا .
ابتسم عمي منصور .
ــ كيف ؟
ــ لأنها تقول إن كراهية قوم لا تعطيك الحق في ظلمهم .
ــ نعم .
ــ أي أن حتى الكراهية لا تعفي الإنسان من العدل .
ــ وهذا هو جوهر الأمر .
---
قال آدم :
ــ جدي ، إذن يمكن أن يكون الإنسان متدينًا ، لكنه عصبي .
ــ بالتأكيد .
ــ ويمكن أن يصلي ويصوم ، ثم يظلم خصمه لأنه يراه من « هم » ؟
ــ نعم .
ــ إذن العبادة وحدها لا تكفي إذا لم تغيّر السلوك .
هز عمي منصور رأسه .
ــ العبادة التي لا توقظ الضمير قد تتحول إلى عادة ، والدين الذي لا يمنع الظلم قد يتحول في يد الإنسان إلى هوية يتفاخر بها .
قال آدم :
ــ وهذه الفكرة كنا نناقشها من قبل .
ــ نعم ، لكنها هنا تأخذ معنى آخر .
ــ لأنها تدخل في موضوع الحرب .
ــ ولأن الحرب تكشف الإنسان أكثر مما تكشفه الخطب .
---
سكت آدم .
ثم قال :
ــ أحيانًا أشعر أن أخطر جملة في الحرب ليست : « اقتل » .
نظر إليه عمي منصور .
ــ ما هي إذن ؟
ــ « هم يستحقون ذلك » .
ظل عمي منصور صامتًا .
ثم قال :
ــ نعم .
ــ لأنها تلغي السؤال الأخلاقي قبل وقوع الجريمة .
ــ تمامًا .
ــ فإذا اقتنع الإنسان أن الآخر يستحق الموت ، لم يعد يحتاج إلى ضمير يمنعه .
قال عمي منصور :
ــ ولهذا قد تبدأ الإبادة بكلمة ، قبل أن تبدأ في الميدان .
---
ثم قال آدم :
ــ لكن هناك شيء آخر .
ــ ماذا ؟
ــ أحيانًا يُطلب من الإنسان أن يختار بين « أمن جماعته » و « حياة الآخر » وكأنهما شيئان متناقضان دائمًا .
ــ وهذه طريقة خطيرة في التفكير .
ــ لأن الإنسان قد يقبل أي شيء باسم الأمن .
ــ الأمن حاجة حقيقية ، لكن تحويله إلى كلمة سحرية تبرر كل شيء يقتل القانون والضمير معًا .
قال آدم :
ــ إذن حتى الخوف يمكن أن يتحول إلى أداة سياسية .
ــ نعم .
ــ والسياسي الذي يريد السيطرة على الناس يحتاج أحيانًا إلى عدو دائم .
ــ لأن الإنسان الخائف يسهل توجيهه .
ــ وهذه تعود بنا إلى « نحن » و « هم » .
قال عمي منصور :
ــ حين تحتاج السلطة إلى عدو كي تحافظ على تماسك جماعتها ، يصبح الخلاف السياسي قابلًا للتحول إلى كراهية اجتماعية .
---
رفع آدم دفتره .
وقال :
ــ أريد أن أكتب شيئًا آخر .
ــ اكتب .
كتب :
« لا تسأل فقط : من قتل ؟ اسأل أيضًا : كيف أقنع نفسه بأن من قتله يستحق الموت ؟ »
قرأ عمي منصور العبارة .
ثم قال :
ــ هذه هي المسافة التي تفصل بين دراسة الجريمة ودراسة الإنسان .
ــ لأننا لا نريد فقط معرفة من ضغط على الزناد .
ــ بل نريد أن نفهم كيف مات الضمير قبل أن تُقتل الضحية .
---
وقبل أن يغلق آدم دفتره ، قال :
ــ جدي ، بقي عندي سؤال .
ــ كعادتك .
ابتسم آدم .
ــ إذا كان الإنسان قادرًا على تبرير الجريمة لجماعته ، فكيف نخرج من هذه الدائرة ؟
نظر عمي منصور إلى حفيده .
ثم قال بهدوء :
ــ نحتاج إلى إنسان يستطيع أن يقول : « هذا ظالم ، حتى لو فعله من أحب » .
ــ وهل هذا يكفي ؟
ــ إنه البداية .
ــ وما بعدها ؟
ــ أن يتعلم الإنسان أن هويته ليست تصريحًا لظلم الآخرين .
ــ والدين ؟
ــ طريق للضمير لا رخصة للكراهية .
ــ والوطن ؟
ــ بيتًا نحبه لا سيفًا نرفعه على كل مخالف .
ــ والسياسة ؟
ــ وسيلة لخدمة الإنسان ، لا آلة لتحويله إلى وقود .
ــ والتاريخ ؟
ابتسم عمي منصور .
ــ مرآة ، لا سلاحًا .
أغلق آدم دفتره .
لكن عمي منصور لم يتحرك .
ظل ينظر إلى حفيده وكأنه يريد أن يقول شيئًا آخر .
ثم قال :
ــ يا آدم ، بقيت أمامنا مسألة أخطر من كل ما تحدثنا عنه .
ــ ما هي ؟
ــ عندما لا يكتفي الإنسان بتبرير قتل الآخر ، بل يستمتع بمشهد موته .
تجمد وجه آدم .
ــ يستمتع ؟
ــ نعم .
ــ هل يمكن أن يصل الإنسان إلى ذلك ؟
قال عمي منصور :
ــ عندما تكتمل عملية نزع الإنسانية .
ثم أضاف :
ــ عندها لا يعود موت الآخر مأساة في عينه ، بل يصبح انتصارًا .
نظر آدم إلى جده .
وفهم أن الحكاية دخلت الآن إلى أعمق مناطقها ظلمة .
( يُتبع.. ) 🌿📖
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.