📚 حين يموت الإنسان في الإنسان ( الجزء الثاني )
رواية

📚 حين يموت الإنسان في الإنسان ( الجزء الثاني )

27 أوت 2026111 مشاهدة12 دقائق للقراءة

حكاية « حين يموت الإنسان في الإنسان » 📖 الجزء الثاني 🪶 بقلم : عبد المجيد قناوي ✍️ مدخل : حين يصبح السؤال أثقل من الخبر 🌿 ماذا يحدث للإنسان قبل أن يقتل إنسانًا آخر ؟ هل تبدأ الجريمة عندما ينطلق الرصاص ، أم تبدأ قبل ذلك بكثير... حين تتحول كلمة « نحن » إلى جدار ، ويصبح « الآخر » عدوًا ، ثم شيئًا أقل من الإنسان ؟ من النازية إلى رواندا والبوسنة والعراق ومن سوريا إلى بيروت وغزة ، تتكرر المأساة بأشكال مختلفة ، وتتغير الوجوه والأزمنة ، لكن السؤال يبقى واحدًا : كيف يموت الضمير قبل أن يموت الإنسان ؟ في حواراته مع حفيده آدم ، الشاب الذي جاء من الجامعة محمّلًا بأسئلة التاريخ والسياسة والدين ، يحاول عمي منصور أن يفكك خيوط هذه الظاهرة : العصبية ، والخوف ، والدعاية ، والتعصب ، واستغلال المقدس ، وصناعة العدو ، وتبرير العنف ، ونزع الإنسانية عن الآخر . لا تبحث هذه الحكاية عن إجابة سياسية واحدة ، ولا تضع كل المآسي في قالب واحد ؛ بل تبحث عن الإنسان خلف الأحداث ، وعن اللحظة التي يصبح فيها قتل الآخر ممكنًا في العقل ، ومقبولًا في الضمير . فحين يموت الإنسان في داخلنا... يصبح موت الإنسان أمامنا أمرًا عاديًا ... ويبقى السؤال : هل نستطيع أن نستعيد الإنسان في داخل الإنسان قبل فوات الأوان ؟

🌿 حين يموت الإنسان في الإنسان

📖 حكاية من « من سلسلة حكايات عمي منصور »

رواية تربوية | فكرية | إنسانية | دينية | تاريخية | تأملية

✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي

📖🌿 الجزء الثاني

الفصل الثالث :

حين يرتدي التعصب ثوب المقدس

في المساء ، كان آدم جالسًا في مكتبة عمي منصور ، يقلب بين يديه بعض الكتب التي تركها أساتذته في الجامعة .

كانت على الطاولة كتب في التاريخ السياسي ، وأخرى في علم الاجتماع ، وكتاب عن تاريخ الأديان ، وآخر عن الحركات الأيديولوجية .

دخل عمي منصور ، فنظر إلى الكتب وقال :

ــ يبدو أنك جئتني هذه المرة بكل أساتذتك !

ابتسم آدم :

ــ لم آتِ بهم يا جدي ، وإنما جئت بما قالوه .

جلس عمي منصور إلى جواره .

ــ وما الذي قالوه حتى جئتني بكل هذه الكتب ؟

قال آدم :

ــ قالوا إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان هو أن يتحول اعتقاده إلى حصانة تمنعه من مراجعة نفسه .

هز عمي منصور رأسه :

ــ كلام يستحق التوقف عنده .

ــ لكنني أريد أن أسألك سؤالًا .

ــ تفضل .

ــ كيف نفرق بين الإيمان الحقيقي وبين العصبية الدينية؟

صمت عمي منصور قليلًا .

ثم قال :

ــ اسأل نفسك أولًا : ماذا يفعل إيمانك بك ؟

نظر إليه آدم باستغراب .

ــ ماذا تقصد ؟

ــ إذا جعلك إيمانك أكثر رحمة ، وأكثر عدلًا ، وأكثر تواضعًا ، وأكثر خوفًا من ظلم الناس ، فهو إيمان يربي صاحبه .

ثم تابع :

ــ أما إذا جعلك ترى نفسك أفضل من الناس ، وتبحث عن عيوبهم قبل أن تبحث عن عيوبك ، وتفرح بإدانة المخالف أكثر مما تفرح بإصلاح نفسك ، فاسأل نفسك : هل الذي يحركني هو الإيمان أم العصبية؟

قال آدم :

ــ لكن الإنسان قد يختلف مع غيره لأنه يعتقد أن ما يؤمن به هو الحق .

ــ ومن قال إن الاختلاف ممنوع ؟

ــ إذن يمكن أن أعتقد أنني على حق دون أن أكره الآخر ؟

ابتسم عمي منصور :

ــ بل يجب أن تستطيع ذلك .

ــ وكيف ؟

ــ بأن تفرق بين رفض الفكرة وإهانة صاحبها .

أومأ آدم برأسه .

ــ هذه نقطة مهمة .

ــ بل هي من أهم النقاط يا بني .

ثم أضاف :

ــ تستطيع أن تقول : « أختلف معك » .

ــ نعم .

ــ وتستطيع أن تقول : « أرى أن فكرتك خاطئة » .

ــ نعم .

ــ لكنك حين تقول : « أنت لا تستحق الاحترام لأنك تختلف معي » ، فقد انتقلت من نقد الفكرة إلى إهانة الإنسان .

قال آدم :

ــ ومن هنا يبدأ نزع الإنسانية ؟

ــ أحيانًا يبدأ من هنا ، وأحيانًا يبدأ من مكان آخر . لكن الطريق واحد : أن يصبح الإنسان أقل قيمة في أعيننا بسبب اختلافه .

فتح آدم دفتره وكتب شيئًا .

لاحظ عمي منصور ذلك وقال :

ــ ماذا كتبت ؟

ابتسم آدم :

ــ « لا تجعل اختلافك مع الإنسان سببًا لإلغاء إنسانيته » .

ضحك عمي منصور :

ــ هذه المرة لم أسرقها من كتاب !

ــ وأنا لم أقل إنني كتبتها من كتاب .

ضحكا معًا .

ثم عاد آدم إلى الجدية .

ــ جدي ، هل التاريخ مليء بهذا النوع من التعصب ؟

ــ التاريخ مليء بالإنسان يا بني ، ولذلك هو مليء بأفضل ما فيه وأسوأ ما فيه .

ــ أعطني مثالًا .

نظر عمي منصور إلى رف الكتب .

ــ هل تريد مثالًا قريبًا أم بعيدًا ؟

ــ بعيدًا .

ــ إذن لنذهب إلى أوروبا .

أخذ كتاب التاريخ من يد آدم .

ــ هناك ، في القرن العشرين ، رأى العالم كيف يمكن لفكرة عن التفوق العرقي أن تتحول إلى دولة ، ثم إلى قوانين ، ثم إلى آلة دعاية ، ثم إلى اضطهاد ، ثم إلى قتل جماعي .

قال آدم :

ــ تقصد ألمانيا النازية .

ــ نعم .

ــ لكن النازية لم تكن مجرد تعصب ديني .

ــ صحيح .

ــ كانت أيديولوجيا سياسية وعنصرية .

ــ وهذا مهم جدًا .

ثم قال عمي منصور :

ــ لا أريدك يا بني أن تضع كل أشكال التعصب في صندوق واحد . فالتاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك .

قال آدم :

ــ لكن هناك شيء مشترك بينها .

ــ ما هو ؟

ــ صناعة صورة للآخر .

ــ أحسنت .

ــ وتحويله من إنسان له حقوق إلى مشكلة يجب التخلص منها .

هز عمي منصور رأسه .

ــ وهذا هو الخيط الذي نبحث عنه .

سكت آدم لحظة .

ثم قال :

ــ ولكن هل يستطيع الإنسان أن يصل إلى الإبادة وهو يظن أنه يفعل الخير ؟

لم يجب عمي منصور فورًا .

أغلق الكتاب ببطء .

ثم قال :

ــ هذه من أخطر الأسئلة التي يمكن أن يسألها الإنسان .

ــ لماذا ؟

ــ لأن الإنسان إذا أقنع نفسه أن جريمته خدمة للخير ، فلن يعود بحاجة إلى ضمير يراجعه .

شعر آدم بثقل العبارة .

ــ وهل حدث ذلك فعلًا ؟

ــ حدث .

ــ في ألمانيا ؟

ــ نعم .

ــ وفي أماكن أخرى ؟

ــ نعم .

ــ رواندا ؟

ــ نعم .

ــ البوسنة ؟

ــ نعم .

قال عمي منصور :

ــ لكن لا تكتفِ بأسماء البلدان والأحداث . ابحث عن الآلية التي جعلت الإنسان يقتل جاره .

قال آدم :

ــ الخوف ؟

ــ والخوف .

ــ الدعاية ؟

ــ والدعاية .

ــ التحريض ؟

ــ والتحريض .

ــ الانقسام العرقي أو الديني ؟

ــ نعم .

ثم قال :

ــ لكن هناك شيئًا أشد خطرًا .

ــ نزع الإنسانية ؟

ابتسم عمي منصور .

ــ بدأت تتعلم كيف تسبقني إلى الإجابة .

قال آدم :

ــ لأنني أتعلم منك أيضًا .

سكتا قليلًا .

ثم قال آدم :

ــ جدي ، هناك سؤال آخر يقلقني .

ــ ما هو ؟

ــ عندما تدخل السياسة إلى الدين ، وعندما يدخل الدين إلى السياسة ، كيف نعرف أين تنتهي العقيدة وتبدأ المصلحة ؟

نظر عمي منصور إليه طويلًا .

ثم قال :

ــ لا نعرف دائمًا من الكلمات وحدها .

ــ إذن من ماذا ؟

ــ من الأفعال .

ــ كيف ؟

ــ انظر إلى من يتحدث باسم الدين : هل يطلب العدل لنفسه ولخصمه ؟ هل يحفظ كرامة الإنسان حين يختلف معه ؟ هل يرفض الظلم حتى عندما يقع على خصمه ؟

صمت آدم .

قال عمي منصور :

ــ الدين الذي يُستخدم لتبرير الظلم يحتاج إلى من يسأل : أين ذهبت الرحمة التي يتحدث عنها ؟

ثم نظر إلى حفيده .

ــ والسياسة التي تستعمل المقدس لتعبئة الناس ضد بعضهم تحتاج أيضًا إلى سؤال آخر : من المستفيد من تحويل الإيمان إلى وقود للصراع ؟

قال آدم :

ــ المصالح ؟

ــ ربما المصالح . وربما السلطة . وربما الخوف . وربما كل ذلك معًا .

ثم أضاف :

ــ ولذلك لا يجوز أن نختصر كل حرب في تفسير واحد .

قال آدم :

ــ وهذا ما تعلمناه في الجامعة .

ابتسم عمي منصور :

ــ إذن يبدو أنني بدأت أتخرج معك !

ضحك آدم .

لكن ضحكته سرعان ما انطفأت .

قال :

ــ جدي ... إذا كان المقدس يمكن أن يُستعمل لتبرير العنف ، فهذا يعني أن الإنسان قد يقتل وهو يعتقد أنه يدافع عن الله .

أطرق عمي منصور رأسه .

ثم قال بهدوء :

ــ وهنا يا بني ، نصل إلى أخطر نقطة في الحكاية : حين يتوقف الإنسان عن سؤال نفسه ، ويبدأ في الحديث باسم الله وكأنه يملك تفويضًا منه لقتل عباده .

رفع آدم عينيه .

لم يجد جوابًا .

أما عمي منصور ، فبقي صامتًا .

وفي الخارج ، كانت الريح تحرك أغصان شجرة التين .

وكان كلاهما يعرف أن الحديث القادم لن يكون عن التعصب وحده .

بل عن اللحظة التي يصبح فيها المقدس أداة في يد السلطة ، والسياسة لباسًا للعقيدة ، والإنسان وقودًا لمعركة لا يفهم نهايتها .

الفصل الرابع :

حين يصبح المقدّس وقودًا للحرب

في اليوم التالي ، لم يذهب آدم إلى الجامعة مباشرة .

بقي قليلًا في بيت عمي منصور ، فقد كان يريد أن يستكمل الحوار الذي توقف عند أكثر الأسئلة حساسية .

وجد عمي منصور في الحديقة ، يحمل إبريق الماء ويسقي بعض النباتات التي بدأت أوراقها تميل إلى الجفاف .

قال آدم :

ــ جدي ، هل كنت تفكر في حديثنا بالأمس ؟

ابتسم عمي منصور :

ــ أنا لا أنام بسهولة بعد الأسئلة الكبيرة .

ــ وأنا كذلك .

وضع عمي منصور الإبريق جانبًا .

ــ وما السؤال الجديد ؟

جلس آدم على المقعد الخشبي وقال :

ــ كنا نتحدث عن الدين والسياسة ، وعن اللحظة التي يتحول فيها المقدس إلى أداة للصراع .

ــ نعم .

ــ لكنني فكرت في شيء آخر : لماذا يصدق الإنسان أحيانًا أن قتاله للآخر هو دفاع عن الله أو الوطن أو الجماعة ؟

جلس عمي منصور إلى جواره .

ــ لأن الإنسان يا بني يستطيع أن يعطي أفعاله أسماء جميلة ، حتى عندما تكون أفعاله قبيحة .

تأمل آدم كلامه .

ــ تقصد أن المشكلة ليست في الفعل وحده ، بل في الاسم الذي نعطيه له ؟

ــ أحيانًا .

ــ كيف ؟

ــ يمكن أن نسمي العدوان دفاعًا ، والانتقام عدلًا ، والكراهية غيرة ، والتعصب وفاءً ، والطاعة العمياء انضباطًا .

قال آدم :

ــ والخطر أن الإنسان قد يصدق ما يسمي به فعله .

ــ نعم .

ثم أضاف :

ــ وأخطر شيء أن يتحول التبرير من كلام نقوله للآخرين إلى قصة نرويها لأنفسنا حتى نستطيع النوم .

صمت آدم .

ثم قال :

ــ وهذا يفسر لماذا يمكن للإنسان أن يرتكب الفظائع وهو مقتنع بأنه صاحب قضية عادلة ؟

ــ قد يفسر جزءًا من الأمر ، لكن لا تنسَ السلطة والدعاية والخوف والمصالح والظروف التاريخية .

ــ أعرف .

ــ أنت تريد تفسير الإنسان ، لكن الإنسان لا يعيش خارج التاريخ .

ابتسم آدم :

ــ بدأت تتحدث مثل أستاذ جامعي !

ضحك عمي منصور :

ــ لا تقل ذلك لأستاذك ، فيطلب مني أن ألقي محاضرة مكانه !

ثم عاد إلى الجدية :

ــ لكن تذكر شيئًا يا بني : فهم الأسباب لا يعني تبرير الجريمة .

ــ هذه نقطة مهمة .

ــ عندما ندرس النازية ، لا نبحث عن أعذار لهتلر حتى نفهمه ، بل نحاول أن نفهم كيف استطاعت منظومة كاملة أن تجعل العنصرية قانونًا ، والدعاية حقيقة ، والآخر عدوًا .

قال آدم :

ــ وكيف أصبح ملايين الناس جزءًا من تلك المنظومة ؟

ــ هنا يأتي دور الخوف والطاعة والدعاية والمصلحة ، ودور الإنسان نفسه حين يتنازل عن مسؤوليته الأخلاقية .

قال آدم :

ــ لكن التاريخ لم يتوقف عند ألمانيا .

ــ بالطبع لا .

ــ رأينا رواندا .

ــ نعم .

ــ والبوسنة .

ــ نعم .

ــ وفي كل مرة كان هناك اختلاف في الظروف ، لكن كانت هناك قدرة على تحويل الجار إلى عدو .

قال عمي منصور :

ــ وهذا ما يجب أن تتعلمه من التاريخ : لا تبحث عن نسخة مطابقة من الماضي ، بل ابحث عن العلامات التي تسبقه.

رفع آدم رأسه .

ــ ما هذه العلامات ؟

قال عمي منصور :

ــ عندما يبدأ الناس في تصنيف البشر إلى « نحن » و« هم » .

ــ ثم ؟

ــ عندما يصبح الخوف لغة يومية .

ــ ثم ؟

ــ عندما تتحول الدعاية إلى آلة لصناعة صورة مشوهة عن الآخر .

ــ ثم ؟

ــ عندما يصبح قتل المدنيين رقمًا ، لا وجوهًا وأسماءً وحكايات .

سكت آدم .

ثم قال :

ــ هذه الأخيرة مؤلمة جدًا .

ــ لأنها تكشف بداية موت الإنسان في داخل الإنسان .

قال آدم :

ــ عندما نقول : قُتل ألف شخص ، قد ننسى أن وراء الرقم ألف أم وأب وطفل وحلم .

ــ نعم .

ــ وربما لهذا يصبح الرقم أسهل على الضمير من الوجه .

نظر إليه عمي منصور وقال :

ــ الوجه يذكّرنا بالإنسان ، أما الرقم فقد يسمح لنا أحيانًا بأن ننساه.

---

بقي آدم صامتًا قليلًا .

ثم قال :

ــ جدي ، هل يمكن أن يدخل الدين في هذه المعادلة بطريقة أخطر ؟

ــ كيف ؟

ــ عندما تستخدم السلطة أو الجماعة الدين لإعطاء الحرب قداسة .

قال عمي منصور :

ــ يمكن .

ــ رأينا في التاريخ شعارات دينية استُعملت في حروب وصراعات كثيرة .

ــ نعم .

ــ وحتى في العصر الحديث ، سمعنا قادة سياسيين يستخدمون لغة دينية لتبرير الحروب .

رفع عمي منصور رأسه .

ــ وهل تذكر ما قاله جورج بوش بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ؟

قال آدم :

ــ تقصد حديثه عن « الحملة الصليبية » ؟

ــ نعم . وقد أثارت تلك العبارة انتقادات واسعة ، لأنها حملت إيحاءً دينيًا خطيرًا في سياق حرب كانت ستترك آثارًا عميقة في العالم الإسلامي .

قال آدم :

ــ والأخطر أن اللغة الدينية عندما تدخل خطاب الحرب يمكن أن تجعل الصراع يبدو وكأنه معركة بين الخير والشر .

ــ وهذا هو الخطر .

ــ لأنك إذا أقنعت الناس بأنك تمثل الخير المطلق ، فماذا يصبح خصمك ؟

ــ يصبح الشر المطلق في مخيلتك .

ــ وإذا أصبح شرًا مطلقًا ؟

قال عمي منصور :

ــ يصبح من السهل أن تنسى أنه إنسان .

سكت آدم .

ثم قال :

ــ وهذا لا يخص دينًا واحدًا .

ــ بالطبع لا .

ــ فقد يستخدم المسيحي المتعصب دينه ، والمسلم المتعصب دينه ، واليهودي المتعصب قراءته الخاصة لدينه ، وقد يستخدم غير المتدين أيديولوجيته بالطريقة نفسها .

ابتسم عمي منصور .

ــ الآن أنت تقترب من جوهر المسألة .

ــ وهو ؟

قال عمي منصور :

ــ المشكلة ليست في اسم المقدس وحده ، بل في الإنسان الذي يستعمل المقدس ليمنح نفسه حصانة أخلاقية.

ثم أضاف :

ــ وقد يكون الإنسان مؤمنًا فعلًا ، لكنه يخلط بين الإيمان والتعصب ، وبين الدفاع عن الحق والرغبة في سحق الآخر .

قال آدم :

ــ وكيف نعرف الفرق ؟

أجاب عمي منصور :

ــ اسأل عن الثمن الذي يقبله هذا الإنسان من أجل فكرته .

ــ ماذا تقصد ؟

ــ إذا كان مستعدًا أن يخسر المال ، أو المكانة ، أو السلطة ، من أجل الحق ، فهذا شيء .

ثم صمت لحظة .

ــ أما إذا كان مستعدًا أن يدفع حياة الآخرين ثمنًا لأفكاره ، فهنا يجب أن نتوقف طويلًا .

قال آدم :

ــ حتى لو كان يعتقد أن القضية مقدسة ؟

ــ خصوصًا إذا كان يعتقد ذلك .

---

هبّت نسمة خفيفة في الحديقة .

وتحركت أوراق شجرة التين فوق رأسيهما .

قال آدم :

ــ جدي ، ماذا عن القادة الذين يخوضون الحروب باسم الأمن أو الوطن ؟

ــ السؤال نفسه يا بني .

ــ حتى عندما لا يستخدمون الدين ؟

ــ نعم .

ــ لأن الوطن يمكن أن يصبح مقدسًا أيضًا ؟

ابتسم عمي منصور :

ــ حب الوطن شيء جميل ، لكن تحويل الوطن إلى مبرر لظلم كل من يخالف السلطة شيء آخر .

قال آدم :

ــ إذن هناك فرق بين الوطنية والقومية المتعصبة ؟

ــ كما أن هناك فرقًا بين الإيمان والتعصب الديني ، هناك فرق بين الوطنية والعصبية القومية .

ــ الوطنية تقول : أحب بلدي .

ــ والعصبية قد تقول : بلدي فوق كل شيء ، حتى فوق الحق .

ــ وقد تقول : الآخر خطر لأنه ليس منا .

ــ نعم .

قال آدم :

ــ وهنا تعود « نحن » من جديد .

ضحك عمي منصور :

ــ يبدو أنها أصبحت ضيفتنا الدائمة !

ابتسم آدم .

ثم قال :

ــ « نحن » في الدين ، و« نحن » في السياسة ، و« نحن » في العرق ، و« نحن » في القومية...

ــ ويمكن أن تصبح « نحن » في كل شيء .

ــ وإذا اجتمعت كلها ؟

تغير وجه عمي منصور .

وقال بهدوء :

ــ عندها يصبح الإنسان أمام منظومة كاملة تستطيع أن تقنعه بأن الآخر ليس مجرد خصم ، بل خطر يجب التخلص منه.

شعر آدم بقشعريرة .

ــ وهل يمكن أن يصل الأمر إلى الإبادة ؟

نظر عمي منصور إلى حفيده طويلًا .

ثم قال :

ــ نعم يا بني .

ــ بهذه السهولة ؟

ــ لا .

ثم أضاف :

ــ الإبادة لا تبدأ بالموت ، بل تبدأ عندما يُسمح للعقل بأن يتخيل حياة الآخر بلا قيمة.

ساد الصمت .

وكان السؤال هذه المرة أثقل من كل ما سبقه .

فقد خرج الحوار من حدود التعصب ، ووصل إلى أخطر نقطة في الرحلة :

كيف يتحول الإنسان من كراهية الآخر إلى الرغبة في إبادته ؟

وهل تكفي الأيديولوجيا وحدها لصناعة ذلك ؟

أم أن هناك شيئًا أعمق في النفس البشرية ، يتغذى على الخوف والطاعة والدعاية والسلطة ؟

نظر آدم إلى عمي منصور .

ولم يسأل .

كان يعرف أن الفصل القادم سيأخذهم إلى الوجه الأكثر ظلمة في التاريخ .

( يُتبع.. ) 🌿📖

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

18 + 20 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.