
📚 حين يموت الإنسان في الإنسان ( الجزء الثاني )
حكاية « حين يموت الإنسان في الإنسان » 📖 الجزء الثاني 🪶 بقلم : عبد المجيد قناوي ✍️ مدخل : حين يصبح السؤال أثقل من الخبر 🌿 ماذا يحدث للإنسان قبل أن يقتل إنسانًا آخر ؟ هل تبدأ الجريمة عندما ينطلق الرصاص ، أم تبدأ قبل ذلك بكثير... حين تتحول كلمة « نحن » إلى جدار ، ويصبح « الآخر » عدوًا ، ثم شيئًا أقل من الإنسان ؟ من النازية إلى رواندا والبوسنة والعراق ومن سوريا إلى بيروت وغزة ، تتكرر المأساة بأشكال مختلفة ، وتتغير الوجوه والأزمنة ، لكن السؤال يبقى واحدًا : كيف يموت الضمير قبل أن يموت الإنسان ؟ في حواراته مع حفيده آدم ، الشاب الذي جاء من الجامعة محمّلًا بأسئلة التاريخ والسياسة والدين ، يحاول عمي منصور أن يفكك خيوط هذه الظاهرة : العصبية ، والخوف ، والدعاية ، والتعصب ، واستغلال المقدس ، وصناعة العدو ، وتبرير العنف ، ونزع الإنسانية عن الآخر . لا تبحث هذه الحكاية عن إجابة سياسية واحدة ، ولا تضع كل المآسي في قالب واحد ؛ بل تبحث عن الإنسان خلف الأحداث ، وعن اللحظة التي يصبح فيها قتل الآخر ممكنًا في العقل ، ومقبولًا في الضمير . فحين يموت الإنسان في داخلنا... يصبح موت الإنسان أمامنا أمرًا عاديًا ... ويبقى السؤال : هل نستطيع أن نستعيد الإنسان في داخل الإنسان قبل فوات الأوان ؟
🌿 حين يموت الإنسان في الإنسان
📖 حكاية من « من سلسلة حكايات عمي منصور »
رواية تربوية | فكرية | إنسانية | دينية | تاريخية | تأملية
✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي
📖🌿 الجزء الثاني
الفصل الثالث :
حين يرتدي التعصب ثوب المقدس
في المساء ، كان آدم جالسًا في مكتبة عمي منصور ، يقلب بين يديه بعض الكتب التي تركها أساتذته في الجامعة .
كانت على الطاولة كتب في التاريخ السياسي ، وأخرى في علم الاجتماع ، وكتاب عن تاريخ الأديان ، وآخر عن الحركات الأيديولوجية .
دخل عمي منصور ، فنظر إلى الكتب وقال :
ــ يبدو أنك جئتني هذه المرة بكل أساتذتك !
ابتسم آدم :
ــ لم آتِ بهم يا جدي ، وإنما جئت بما قالوه .
جلس عمي منصور إلى جواره .
ــ وما الذي قالوه حتى جئتني بكل هذه الكتب ؟
قال آدم :
ــ قالوا إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان هو أن يتحول اعتقاده إلى حصانة تمنعه من مراجعة نفسه .
هز عمي منصور رأسه :
ــ كلام يستحق التوقف عنده .
ــ لكنني أريد أن أسألك سؤالًا .
ــ تفضل .
ــ كيف نفرق بين الإيمان الحقيقي وبين العصبية الدينية؟
صمت عمي منصور قليلًا .
ثم قال :
ــ اسأل نفسك أولًا : ماذا يفعل إيمانك بك ؟
نظر إليه آدم باستغراب .
ــ ماذا تقصد ؟
ــ إذا جعلك إيمانك أكثر رحمة ، وأكثر عدلًا ، وأكثر تواضعًا ، وأكثر خوفًا من ظلم الناس ، فهو إيمان يربي صاحبه .
ثم تابع :
ــ أما إذا جعلك ترى نفسك أفضل من الناس ، وتبحث عن عيوبهم قبل أن تبحث عن عيوبك ، وتفرح بإدانة المخالف أكثر مما تفرح بإصلاح نفسك ، فاسأل نفسك : هل الذي يحركني هو الإيمان أم العصبية؟
قال آدم :
ــ لكن الإنسان قد يختلف مع غيره لأنه يعتقد أن ما يؤمن به هو الحق .
ــ ومن قال إن الاختلاف ممنوع ؟
ــ إذن يمكن أن أعتقد أنني على حق دون أن أكره الآخر ؟
ابتسم عمي منصور :
ــ بل يجب أن تستطيع ذلك .
ــ وكيف ؟
ــ بأن تفرق بين رفض الفكرة وإهانة صاحبها .
أومأ آدم برأسه .
ــ هذه نقطة مهمة .
ــ بل هي من أهم النقاط يا بني .
ثم أضاف :
ــ تستطيع أن تقول : « أختلف معك » .
ــ نعم .
ــ وتستطيع أن تقول : « أرى أن فكرتك خاطئة » .
ــ نعم .
ــ لكنك حين تقول : « أنت لا تستحق الاحترام لأنك تختلف معي » ، فقد انتقلت من نقد الفكرة إلى إهانة الإنسان .
قال آدم :
ــ ومن هنا يبدأ نزع الإنسانية ؟
ــ أحيانًا يبدأ من هنا ، وأحيانًا يبدأ من مكان آخر . لكن الطريق واحد : أن يصبح الإنسان أقل قيمة في أعيننا بسبب اختلافه .
فتح آدم دفتره وكتب شيئًا .
لاحظ عمي منصور ذلك وقال :
ــ ماذا كتبت ؟
ابتسم آدم :
ــ « لا تجعل اختلافك مع الإنسان سببًا لإلغاء إنسانيته » .
ضحك عمي منصور :
ــ هذه المرة لم أسرقها من كتاب !
ــ وأنا لم أقل إنني كتبتها من كتاب .
ضحكا معًا .
ثم عاد آدم إلى الجدية .
ــ جدي ، هل التاريخ مليء بهذا النوع من التعصب ؟
ــ التاريخ مليء بالإنسان يا بني ، ولذلك هو مليء بأفضل ما فيه وأسوأ ما فيه .
ــ أعطني مثالًا .
نظر عمي منصور إلى رف الكتب .
ــ هل تريد مثالًا قريبًا أم بعيدًا ؟
ــ بعيدًا .
ــ إذن لنذهب إلى أوروبا .
أخذ كتاب التاريخ من يد آدم .
ــ هناك ، في القرن العشرين ، رأى العالم كيف يمكن لفكرة عن التفوق العرقي أن تتحول إلى دولة ، ثم إلى قوانين ، ثم إلى آلة دعاية ، ثم إلى اضطهاد ، ثم إلى قتل جماعي .
قال آدم :
ــ تقصد ألمانيا النازية .
ــ نعم .
ــ لكن النازية لم تكن مجرد تعصب ديني .
ــ صحيح .
ــ كانت أيديولوجيا سياسية وعنصرية .
ــ وهذا مهم جدًا .
ثم قال عمي منصور :
ــ لا أريدك يا بني أن تضع كل أشكال التعصب في صندوق واحد . فالتاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك .
قال آدم :
ــ لكن هناك شيء مشترك بينها .
ــ ما هو ؟
ــ صناعة صورة للآخر .
ــ أحسنت .
ــ وتحويله من إنسان له حقوق إلى مشكلة يجب التخلص منها .
هز عمي منصور رأسه .
ــ وهذا هو الخيط الذي نبحث عنه .
سكت آدم لحظة .
ثم قال :
ــ ولكن هل يستطيع الإنسان أن يصل إلى الإبادة وهو يظن أنه يفعل الخير ؟
لم يجب عمي منصور فورًا .
أغلق الكتاب ببطء .
ثم قال :
ــ هذه من أخطر الأسئلة التي يمكن أن يسألها الإنسان .
ــ لماذا ؟
ــ لأن الإنسان إذا أقنع نفسه أن جريمته خدمة للخير ، فلن يعود بحاجة إلى ضمير يراجعه .
شعر آدم بثقل العبارة .
ــ وهل حدث ذلك فعلًا ؟
ــ حدث .
ــ في ألمانيا ؟
ــ نعم .
ــ وفي أماكن أخرى ؟
ــ نعم .
ــ رواندا ؟
ــ نعم .
ــ البوسنة ؟
ــ نعم .
قال عمي منصور :
ــ لكن لا تكتفِ بأسماء البلدان والأحداث . ابحث عن الآلية التي جعلت الإنسان يقتل جاره .
قال آدم :
ــ الخوف ؟
ــ والخوف .
ــ الدعاية ؟
ــ والدعاية .
ــ التحريض ؟
ــ والتحريض .
ــ الانقسام العرقي أو الديني ؟
ــ نعم .
ثم قال :
ــ لكن هناك شيئًا أشد خطرًا .
ــ نزع الإنسانية ؟
ابتسم عمي منصور .
ــ بدأت تتعلم كيف تسبقني إلى الإجابة .
قال آدم :
ــ لأنني أتعلم منك أيضًا .
سكتا قليلًا .
ثم قال آدم :
ــ جدي ، هناك سؤال آخر يقلقني .
ــ ما هو ؟
ــ عندما تدخل السياسة إلى الدين ، وعندما يدخل الدين إلى السياسة ، كيف نعرف أين تنتهي العقيدة وتبدأ المصلحة ؟
نظر عمي منصور إليه طويلًا .
ثم قال :
ــ لا نعرف دائمًا من الكلمات وحدها .
ــ إذن من ماذا ؟
ــ من الأفعال .
ــ كيف ؟
ــ انظر إلى من يتحدث باسم الدين : هل يطلب العدل لنفسه ولخصمه ؟ هل يحفظ كرامة الإنسان حين يختلف معه ؟ هل يرفض الظلم حتى عندما يقع على خصمه ؟
صمت آدم .
قال عمي منصور :
ــ الدين الذي يُستخدم لتبرير الظلم يحتاج إلى من يسأل : أين ذهبت الرحمة التي يتحدث عنها ؟
ثم نظر إلى حفيده .
ــ والسياسة التي تستعمل المقدس لتعبئة الناس ضد بعضهم تحتاج أيضًا إلى سؤال آخر : من المستفيد من تحويل الإيمان إلى وقود للصراع ؟
قال آدم :
ــ المصالح ؟
ــ ربما المصالح . وربما السلطة . وربما الخوف . وربما كل ذلك معًا .
ثم أضاف :
ــ ولذلك لا يجوز أن نختصر كل حرب في تفسير واحد .
قال آدم :
ــ وهذا ما تعلمناه في الجامعة .
ابتسم عمي منصور :
ــ إذن يبدو أنني بدأت أتخرج معك !
ضحك آدم .
لكن ضحكته سرعان ما انطفأت .
قال :
ــ جدي ... إذا كان المقدس يمكن أن يُستعمل لتبرير العنف ، فهذا يعني أن الإنسان قد يقتل وهو يعتقد أنه يدافع عن الله .
أطرق عمي منصور رأسه .
ثم قال بهدوء :
ــ وهنا يا بني ، نصل إلى أخطر نقطة في الحكاية : حين يتوقف الإنسان عن سؤال نفسه ، ويبدأ في الحديث باسم الله وكأنه يملك تفويضًا منه لقتل عباده .
رفع آدم عينيه .
لم يجد جوابًا .
أما عمي منصور ، فبقي صامتًا .
وفي الخارج ، كانت الريح تحرك أغصان شجرة التين .
وكان كلاهما يعرف أن الحديث القادم لن يكون عن التعصب وحده .
بل عن اللحظة التي يصبح فيها المقدس أداة في يد السلطة ، والسياسة لباسًا للعقيدة ، والإنسان وقودًا لمعركة لا يفهم نهايتها .
الفصل الرابع :
حين يصبح المقدّس وقودًا للحرب
في اليوم التالي ، لم يذهب آدم إلى الجامعة مباشرة .
بقي قليلًا في بيت عمي منصور ، فقد كان يريد أن يستكمل الحوار الذي توقف عند أكثر الأسئلة حساسية .
وجد عمي منصور في الحديقة ، يحمل إبريق الماء ويسقي بعض النباتات التي بدأت أوراقها تميل إلى الجفاف .
قال آدم :
ــ جدي ، هل كنت تفكر في حديثنا بالأمس ؟
ابتسم عمي منصور :
ــ أنا لا أنام بسهولة بعد الأسئلة الكبيرة .
ــ وأنا كذلك .
وضع عمي منصور الإبريق جانبًا .
ــ وما السؤال الجديد ؟
جلس آدم على المقعد الخشبي وقال :
ــ كنا نتحدث عن الدين والسياسة ، وعن اللحظة التي يتحول فيها المقدس إلى أداة للصراع .
ــ نعم .
ــ لكنني فكرت في شيء آخر : لماذا يصدق الإنسان أحيانًا أن قتاله للآخر هو دفاع عن الله أو الوطن أو الجماعة ؟
جلس عمي منصور إلى جواره .
ــ لأن الإنسان يا بني يستطيع أن يعطي أفعاله أسماء جميلة ، حتى عندما تكون أفعاله قبيحة .
تأمل آدم كلامه .
ــ تقصد أن المشكلة ليست في الفعل وحده ، بل في الاسم الذي نعطيه له ؟
ــ أحيانًا .
ــ كيف ؟
ــ يمكن أن نسمي العدوان دفاعًا ، والانتقام عدلًا ، والكراهية غيرة ، والتعصب وفاءً ، والطاعة العمياء انضباطًا .
قال آدم :
ــ والخطر أن الإنسان قد يصدق ما يسمي به فعله .
ــ نعم .
ثم أضاف :
ــ وأخطر شيء أن يتحول التبرير من كلام نقوله للآخرين إلى قصة نرويها لأنفسنا حتى نستطيع النوم .
صمت آدم .
ثم قال :
ــ وهذا يفسر لماذا يمكن للإنسان أن يرتكب الفظائع وهو مقتنع بأنه صاحب قضية عادلة ؟
ــ قد يفسر جزءًا من الأمر ، لكن لا تنسَ السلطة والدعاية والخوف والمصالح والظروف التاريخية .
ــ أعرف .
ــ أنت تريد تفسير الإنسان ، لكن الإنسان لا يعيش خارج التاريخ .
ابتسم آدم :
ــ بدأت تتحدث مثل أستاذ جامعي !
ضحك عمي منصور :
ــ لا تقل ذلك لأستاذك ، فيطلب مني أن ألقي محاضرة مكانه !
ثم عاد إلى الجدية :
ــ لكن تذكر شيئًا يا بني : فهم الأسباب لا يعني تبرير الجريمة .
ــ هذه نقطة مهمة .
ــ عندما ندرس النازية ، لا نبحث عن أعذار لهتلر حتى نفهمه ، بل نحاول أن نفهم كيف استطاعت منظومة كاملة أن تجعل العنصرية قانونًا ، والدعاية حقيقة ، والآخر عدوًا .
قال آدم :
ــ وكيف أصبح ملايين الناس جزءًا من تلك المنظومة ؟
ــ هنا يأتي دور الخوف والطاعة والدعاية والمصلحة ، ودور الإنسان نفسه حين يتنازل عن مسؤوليته الأخلاقية .
قال آدم :
ــ لكن التاريخ لم يتوقف عند ألمانيا .
ــ بالطبع لا .
ــ رأينا رواندا .
ــ نعم .
ــ والبوسنة .
ــ نعم .
ــ وفي كل مرة كان هناك اختلاف في الظروف ، لكن كانت هناك قدرة على تحويل الجار إلى عدو .
قال عمي منصور :
ــ وهذا ما يجب أن تتعلمه من التاريخ : لا تبحث عن نسخة مطابقة من الماضي ، بل ابحث عن العلامات التي تسبقه.
رفع آدم رأسه .
ــ ما هذه العلامات ؟
قال عمي منصور :
ــ عندما يبدأ الناس في تصنيف البشر إلى « نحن » و« هم » .
ــ ثم ؟
ــ عندما يصبح الخوف لغة يومية .
ــ ثم ؟
ــ عندما تتحول الدعاية إلى آلة لصناعة صورة مشوهة عن الآخر .
ــ ثم ؟
ــ عندما يصبح قتل المدنيين رقمًا ، لا وجوهًا وأسماءً وحكايات .
سكت آدم .
ثم قال :
ــ هذه الأخيرة مؤلمة جدًا .
ــ لأنها تكشف بداية موت الإنسان في داخل الإنسان .
قال آدم :
ــ عندما نقول : قُتل ألف شخص ، قد ننسى أن وراء الرقم ألف أم وأب وطفل وحلم .
ــ نعم .
ــ وربما لهذا يصبح الرقم أسهل على الضمير من الوجه .
نظر إليه عمي منصور وقال :
ــ الوجه يذكّرنا بالإنسان ، أما الرقم فقد يسمح لنا أحيانًا بأن ننساه.
---
بقي آدم صامتًا قليلًا .
ثم قال :
ــ جدي ، هل يمكن أن يدخل الدين في هذه المعادلة بطريقة أخطر ؟
ــ كيف ؟
ــ عندما تستخدم السلطة أو الجماعة الدين لإعطاء الحرب قداسة .
قال عمي منصور :
ــ يمكن .
ــ رأينا في التاريخ شعارات دينية استُعملت في حروب وصراعات كثيرة .
ــ نعم .
ــ وحتى في العصر الحديث ، سمعنا قادة سياسيين يستخدمون لغة دينية لتبرير الحروب .
رفع عمي منصور رأسه .
ــ وهل تذكر ما قاله جورج بوش بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ؟
قال آدم :
ــ تقصد حديثه عن « الحملة الصليبية » ؟
ــ نعم . وقد أثارت تلك العبارة انتقادات واسعة ، لأنها حملت إيحاءً دينيًا خطيرًا في سياق حرب كانت ستترك آثارًا عميقة في العالم الإسلامي .
قال آدم :
ــ والأخطر أن اللغة الدينية عندما تدخل خطاب الحرب يمكن أن تجعل الصراع يبدو وكأنه معركة بين الخير والشر .
ــ وهذا هو الخطر .
ــ لأنك إذا أقنعت الناس بأنك تمثل الخير المطلق ، فماذا يصبح خصمك ؟
ــ يصبح الشر المطلق في مخيلتك .
ــ وإذا أصبح شرًا مطلقًا ؟
قال عمي منصور :
ــ يصبح من السهل أن تنسى أنه إنسان .
سكت آدم .
ثم قال :
ــ وهذا لا يخص دينًا واحدًا .
ــ بالطبع لا .
ــ فقد يستخدم المسيحي المتعصب دينه ، والمسلم المتعصب دينه ، واليهودي المتعصب قراءته الخاصة لدينه ، وقد يستخدم غير المتدين أيديولوجيته بالطريقة نفسها .
ابتسم عمي منصور .
ــ الآن أنت تقترب من جوهر المسألة .
ــ وهو ؟
قال عمي منصور :
ــ المشكلة ليست في اسم المقدس وحده ، بل في الإنسان الذي يستعمل المقدس ليمنح نفسه حصانة أخلاقية.
ثم أضاف :
ــ وقد يكون الإنسان مؤمنًا فعلًا ، لكنه يخلط بين الإيمان والتعصب ، وبين الدفاع عن الحق والرغبة في سحق الآخر .
قال آدم :
ــ وكيف نعرف الفرق ؟
أجاب عمي منصور :
ــ اسأل عن الثمن الذي يقبله هذا الإنسان من أجل فكرته .
ــ ماذا تقصد ؟
ــ إذا كان مستعدًا أن يخسر المال ، أو المكانة ، أو السلطة ، من أجل الحق ، فهذا شيء .
ثم صمت لحظة .
ــ أما إذا كان مستعدًا أن يدفع حياة الآخرين ثمنًا لأفكاره ، فهنا يجب أن نتوقف طويلًا .
قال آدم :
ــ حتى لو كان يعتقد أن القضية مقدسة ؟
ــ خصوصًا إذا كان يعتقد ذلك .
---
هبّت نسمة خفيفة في الحديقة .
وتحركت أوراق شجرة التين فوق رأسيهما .
قال آدم :
ــ جدي ، ماذا عن القادة الذين يخوضون الحروب باسم الأمن أو الوطن ؟
ــ السؤال نفسه يا بني .
ــ حتى عندما لا يستخدمون الدين ؟
ــ نعم .
ــ لأن الوطن يمكن أن يصبح مقدسًا أيضًا ؟
ابتسم عمي منصور :
ــ حب الوطن شيء جميل ، لكن تحويل الوطن إلى مبرر لظلم كل من يخالف السلطة شيء آخر .
قال آدم :
ــ إذن هناك فرق بين الوطنية والقومية المتعصبة ؟
ــ كما أن هناك فرقًا بين الإيمان والتعصب الديني ، هناك فرق بين الوطنية والعصبية القومية .
ــ الوطنية تقول : أحب بلدي .
ــ والعصبية قد تقول : بلدي فوق كل شيء ، حتى فوق الحق .
ــ وقد تقول : الآخر خطر لأنه ليس منا .
ــ نعم .
قال آدم :
ــ وهنا تعود « نحن » من جديد .
ضحك عمي منصور :
ــ يبدو أنها أصبحت ضيفتنا الدائمة !
ابتسم آدم .
ثم قال :
ــ « نحن » في الدين ، و« نحن » في السياسة ، و« نحن » في العرق ، و« نحن » في القومية...
ــ ويمكن أن تصبح « نحن » في كل شيء .
ــ وإذا اجتمعت كلها ؟
تغير وجه عمي منصور .
وقال بهدوء :
ــ عندها يصبح الإنسان أمام منظومة كاملة تستطيع أن تقنعه بأن الآخر ليس مجرد خصم ، بل خطر يجب التخلص منه.
شعر آدم بقشعريرة .
ــ وهل يمكن أن يصل الأمر إلى الإبادة ؟
نظر عمي منصور إلى حفيده طويلًا .
ثم قال :
ــ نعم يا بني .
ــ بهذه السهولة ؟
ــ لا .
ثم أضاف :
ــ الإبادة لا تبدأ بالموت ، بل تبدأ عندما يُسمح للعقل بأن يتخيل حياة الآخر بلا قيمة.
ساد الصمت .
وكان السؤال هذه المرة أثقل من كل ما سبقه .
فقد خرج الحوار من حدود التعصب ، ووصل إلى أخطر نقطة في الرحلة :
كيف يتحول الإنسان من كراهية الآخر إلى الرغبة في إبادته ؟
وهل تكفي الأيديولوجيا وحدها لصناعة ذلك ؟
أم أن هناك شيئًا أعمق في النفس البشرية ، يتغذى على الخوف والطاعة والدعاية والسلطة ؟
نظر آدم إلى عمي منصور .
ولم يسأل .
كان يعرف أن الفصل القادم سيأخذهم إلى الوجه الأكثر ظلمة في التاريخ .
( يُتبع.. ) 🌿📖
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.