
📚 حين تبدأ الأسرة من نواتها
🌿 حين تبدأ الأسرة من نواتها 🌿 🏡 حكاية عن البيت الذي تبدأ منه الأوطان 📚 من سلسلة حكايات عمي منصور ✍️ بقلم الكاتب والمؤلف : عبد المجيد قناوي / « ليست قوة الأسرة في كثرة أفرادها ، بل في سلامة النواة التي يبدأ منها بناؤها . » في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم ، وكثرت فيه الأصوات التي تتحدث عن الأسرة ، تأتي هذه الحكاية لتدعو القارئ إلى التأمل لا إلى الجدل ، وإلى البناء لا إلى الخصومة . 🌱 ليست دعوةً لتقديم حقٍ على حق ، ولا لتغليب طرفٍ على آخر ، وإنما محاولة للعودة إلى الفطرة التي أقام الله عليها العمران ؛ حيث يبدأ كل شيء من بيتٍ صغير ، تُشيَّد أركانه بالمودة والرحمة ، ثم تمتد منه جذور البر ، وتتسع دوائر صلة الرحم ، ليقوم عليها مجتمعٌ متماسك ووطنٌ قوي . 📖 في هذه الصفحات ، يصحبنا عمي منصور وحفيده آدم في حوار هادئ ، تتقاطع فيه الحكمة مع الواقع ، ويضيء بأسلوب بسيط قضيةً تمس كل أسرة ، وتهم كل أبٍ وأم ، وكل زوجٍ وزوجة ، وكل شاب وفتاة يستعدون لبناء بيت المستقبل . 🍃 إنها ليست مجرد حكاية... بل دعوة إلى إعادة اكتشاف حقيقةٍ كثيرًا ما تغيب وسط ضجيج الحياة : أن الأوطان العظيمة تبدأ دائمًا من بيتٍ مستقر ، وأن الأسرة حين تبدأ من نواتها الصحيحة... يزهر خيرها في المجتمع كله .
🌿 حين تبدأ الأسرة من نواتها 🌿
📖 حكاية عن البيت الذي تبدأ منه الأوطان
🏡 من سلسلة حكايات عمي منصور
✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي
إهداء عام :
« إلى كل زوجين يبنيان بيتًا بالمودة ، وإلى كل والدين يزرعان البر بالحكمة ، وإلى كل ابنٍ وابنةٍ يبحثان عن التوازن بين حقوق الأسرة وصلة الرحم . »
إهداء خاص :
« إلى الأستاذ الفاضل الدكتور عبد القادر فارس ؛ تقديرًا لجهوده العلمية ، واستلهامًا لبعض أطروحاته في علم الاجتماع العائلي حول بناء الأسرة وترتيب الصلات الفطرية . »
« ليست قوة الأسرة في كثرة أفرادها ، بل في سلامة النواة التي يبدأ منها بناؤها . »
🌿 حين تبدأ الأسرة من نواتها 🌿
📖 حكاية عن البيت الذي تبدأ منه الأوطان
كان المساء يلقي بسدوله الهادئة على شرفة البيت القديم . جلس العم منصور يقلّب بين يديه بضعة أوراق صفراء ، وعيناه تتنقلان بين أفق المدينة ونباتات الحبق والنعناع المصطفة على حافة الشرفة .
كان يبتسم ابتسامة مَن يرى العالم بعينين : عين الشيخ الذي صقلته تجارب العمر ومراراته ، وعين العارف بتناغم الخلق وطبيعة الكائنات التي تبدأ من النواة الصغيرة لتتسع للكون .
اقترب منه حفيده « آدم » ، وبيده كوبان من الشاي . جلس آدم بثقله الهادئ ، وهو الذي أنهى دراسته الجامعية مؤخراً ، وبدأ يتلمس طريقَه في عالم تعصف به صراعات الأجيال وتداخل المفاهيم .
وضع آدم الكوب ، وقال بنبرة تتراوح بين التفكير والتعب :
— « يا جدّي... كلما جلست مع أصدقائي أو سمعت الناس يتحدثون ، أجد المشكلة نفسها تتكرر . هناك من يريد أن تبقى حياة الزوجين تحت وصاية العائلة الكبيرة ، وهناك من يقطع رحمه بحجة أنه يريد أن يعيش مستقلاً ! صلة الرحم في مجتمعنا أضحت عند البعض قيداً يلغي البيت الصغير ، وعند آخرين قطعةً تُقطع بحجة الحرية... فأين الاعتدال ؟ »
ارتشف العم منصور جرعة من الشاي ، ثم التفت إلى حفيده بنظرة ملؤها الحنو والرصانة .
[ حوار داخلي : عمي منصور ]
( كنت أقول في نفسي : سبحان الله... حتى أصغر خلية في خلق الله لا تعيش إلا إذا حُفظ قلبها ، ثم تتواصل مع ما حولها بميزان . سبحان من جعل أسرار الحياة تبدأ من نواةٍ لا تُرى بالعين ، ثم جعل أسرار المجتمع تبدأ من بيتٍ قد يظنه الناس صغيرًا ، وهو في الحقيقة نواة الأمة كلها... والاعتدال هو سر البقاء . )
قال العم منصور بصوته الدافئ :
— « انظر يا آدم... المسألة في جوهرها أَبسط ممّا يُحمّلها البعض من تعقيدات ، وأعمق ممّا يظنه السطحيون . هي رسالة لكل بيت : للباحث في برجه العاجي ، وللعامي في متجره ، وللطالب في مدرجه . إنها سنّة الحياة كما رسمها الخالق في كتابه وكما تشهد عليها الفطرة الإنسانية . »
سكت قليلاً ، ثم استطرد وهو يشير بأصابعه الثلاثة :
— « الحياة الأسرية تتدرج عبر ثلاث صلات : صلة الزوجية ، ثم صلة الدم ، ثم صلة الرحم . »
اعتدل آدم في جلسته وقال مستفهماً :
— « صلة الزوجية أولاً ؟ يا جدي ، أخشى إن سمعك البعض أن يظنوا أنك تقلل من شأن صلة الرحم ، والناس تعودت أن تراها هي الصلة الأكبر والأقوى ! »
ابتسم الجد ورَبَت على يد حفيده قائلاً بوضوح ورصانة :
— « نعم يا بني... صلة الزوجية أولاً ، وهي صلة الجسد والروح معاً في إطار الميثاق الغليظ . ونحن هنا لا نرتب الفضائل ، ولا نفاضل بين الحقوق ؛ فلا ندعو لتفضيل زوجة على والدين ، ولا والدين على زوجة ، بل نتحدث عن ترتيب النشأة وإعطاء كل ذي حق حقه في مجاله . فصلة الرحم عظيمة ومباركة ، لكن الله جعل لها أساساً تقوم عليه ؛ إذ لا يمكن أن توجد رحم قبل أن توجد أسرة ، ولا أسرة قبل أن يقوم ميثاق الزوجية . »
ثم استرسل الجد ينظر إلى الفضاء الممتد :
— « ويُستفاد من هذا السياق القرآني تدرجٌ في عرض نشأة الأسرة ، فقال تعالى في مطلع سورة النساء : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾.. انظر للتدرج القرآني : نفس واحدة ، ثم زوجها ، ثم البث والانتشار . ولذلك سمّى الله الزواج " ميثاقاً غليظاً " ، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة ، لأن المجتمع كله يبدأ من هذه النواة الأولى . ومن هذا الرباط الشرعي ، المتكامل روحًا وجسدًا ، تنشأ الحياة الجديدة ، فتتكون صلة الدم بين الوالدين وأبنائهما . »
[ حوار داخلي : آدم ]
( كنت أستمع وأنا أربط بين كلام جدّي وبين ما يتخبط فيه الناس... كلامه يضع كل قطعة في مكانها الموزون دون تكلف ودون خلط بين الحقوق . النواة أولاً ، ثم البيت الصغير ، ثم الشجرة الكبيرة . كيف غفلنا عن هذا التسلسل الفطري ؟ )
تابع آدم متسائلاً :
— « وماذا عن صلة الرحم إذن ؟ كيف تحولت في واقعنا إلى ساحة للضغط أو الخلاف ؟»
تنهّد العم منصور ، ونظر إلى شبكة الشوارع المضاءة أسفل الشرفة :
— « تنشأ صلة الرحم حين يكبر الأبناء ، ويكتمل قانون الحياة بتأسيسهم بيوتاً جديدة . هنا تتوسع الدائرة لتشمل الأسرة الممتدة : الوالدان اللذان أصبحا أجداداً ، ثم الإخوة ، فالأعمام والأخوال ، ثم يقول سبحانه في ختام الآية : ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾. لكن المشكلة تكمن في الفهم الخاطئ عند بعض الكبار ؛ إذ يريد بعضهم أن تطغى متطلبات الأسرة الممتدة على استقرار الأسرة الناشئة ! يفرضون الوصاية المطلقة على الأبناء وزوجاتهم ، ويُربكون استقرار البيوت الجديدة باسم " العرف " أو " كبير العائلة " . »
ثم أضاف بنبرة صريحة وواعية :
— « هذا الخلط هو ما يولد الجفاء وصراع الأجيال . القضية ليست مفاضلة بين الحقوق ، وإنما وضع كل حق في موضعه الصحيح دون أن يجور حقٌّ على حق . فالأبناء من حقهم الفطري والديني استقلال بيوتهم الصغرى ، لكن شريطة ألا يتخذوا هذا الاستقلال ذريعة للجفاء أو القطيعة . الميزان الدقيق هو : استقلال واستقرار للزوجين ، وبر متواصل للوالدين ، وصلةٌ بالمعروف والود مع الأقارب . »
أومأ آدم برأسه وقد بدت على وجهه علامات الارتياح ، وقال :
— « فهمت عليك يا جدّي... قوة العائلة الكبيرة وصحتها تبدأ من سلامة واستقرار البيوت الصغرى التي تتكون منها . »
ابتسم العم منصور ، ثم وضع يده على كتف حفيده وقال بنبرة ملؤها الحكمة واليقين :
— « تذكّر يا آدم... الشجرة لا تكبر لأن أغصانها كثيرة ، وإنما لأن جذورها سليمة . وكذلك المجتمع ؛ لا تقويه كثرة الأقارب ، بل تقويه البيوت المستقرة ، فإذا صلحت البيوت ازدهرت الأرحام ، وإذا انهارت البيوت فلن تنفع الشعارات . ومن أراد أن يصلح المجتمع فليبدأ بإصلاح بيته ؛ فالبيت المستقر ليس مصلحة خاصة فقط ، بل هو أول خدمة يقدمها الإنسان لمجتمعه... فالأوطان لا تُبنى من الشوارع ، وإنما تُبنى من البيوت . »
أطرق آدم برأسه في صمت جميل ، تخلله نسيم خفيف يحمل رائحة النعناع والحبق من الشرفة . كان يشعر لأول مرة أن إصلاح المجتمع ليس شعارًا يُرفع ، ولا ضجيجًا في الشوارع ، بل يبدأ من بيتٍ يُبنى بالمودة والحكمة . وعرف أن البيت المستقر ليس شأناً عائلياً خاصاً ، بل هو اللبنة الأولى في عمران الأمة ؛ فإذا استقام البيت استقام ما حوله ، وحين تبدأ الأسرة من نواتها... يمتد خيرها ليورق في شجرة الوطن كلها .
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.