
📘⚫ حين كان الأبيض والأسود أكثر حياة ⚪
📘 حين كان الأبيض والأسود أكثر حياة 🎨 ألوان تخدع… وقلوب تصحو ✍️ تأليف : عبد المجيد ڨناوي / في زمنٍ كانت فيه الصور قليلة ، كانت الذكريات أكثر حياة . واليوم ، بعدما امتلأت الشاشات بالألوان والصور ، بدأ آدم يتساءل : هل تغيّرت الحياة حقًا ، أم تغيّر الإنسان الذي ينظر إليها ؟ بين ألبوم قديم وهاتف لا يتوقف عن عرض الصور ، يخوض آدم مع عمي منصور رحلة مختلفة لاكتشاف معنى الجمال ، والهوية ، والاختيار ، وصدق الإنسان مع نفسه ... فهل نحتاج إلى العودة إلى الأبيض والأسود ؟ أم أن علينا أن نتعلم كيف نعيش بألوان عصرنا… دون أن نفقد ألوان أرواحنا ؟
📘 من سلسلة | حكايات عمي منصور
⚪⚫ حين كان الأبيض والأسود أكثر حياة
🎨 ألوان تخدع… وقلوب تصحو
✍️ تأليف : عبد المجيد قناوي
📚 رواية رمزية فلسفية – اجتماعية – نفسية🌅 تمهيد :
ألوان باهتة… وحكاية أبيض وأسود
في زمنٍ كان الأبيض والأسود فيه كل شيء ، لم تكن الحياة أقل جمالًا مما هي عليه اليوم . كانت الصور أقل وضوحًا ، لكنها كانت تحتفظ بشيء لا تستطيع أعلى الكاميرات الحديثة أن تلتقطه بسهولة : صدق اللحظة .
كانت الوجوه تُرى كما هي ، والابتسامة لا تحتاج إلى تعديل ، واللقاء لا يحتاج إلى توثيق ، والفرح لا ينتظر إعجابًا من أحد .
ثم جاءت الألوان .
صار العالم أكثر سطوعًا ، وأكثر قدرة على إغراء العين . ظهرت الشاشات ، وتعددت الصور ، وتعلّم الإنسان كيف يختار الزاوية التي يريد أن يراه الآخرون منها .
لكن آدم بدأ يتساءل بوعيٍ متزايد :
هل أصبحت حياتنا أجمل لأن ألوانها ازدادت ؟
أم أننا أحيانًا نستخدم كثرة الألوان لنخفي ما لا نريد لأحد أن يراه ؟
كان آدم قد كبر . لم يعد ذلك الطفل الذي يكتفي بحكايات جده ، بل صار شابًا طموحًا يبحث عن المعنى خلف الأشياء .
وفي إحدى الأمسيات ، فتح ألبومًا قديمًا لعمي منصور .
كانت الصور بالأبيض والأسود .
لكن شيئًا غريبًا حدث .
كلما قلب صفحة ، شعر أن الصور القديمة تزداد حياة ، بينما كانت الصور الحديثة في هاتفه تزداد عددًا فقط .
ومن هنا بدأت الحكاية .
📷 الفصل الأول :
عندما سألت العدسة
" ليست كل صورة تحفظ لحظة ، يا آدم . بعض الصور تحفظ إنسانًا كاملًا . "
جلس آدم إلى جوار عمي منصور ، ووضع الألبوم القديم على الطاولة .
كان يقلب الصفحات ببطء ، ويتوقف طويلًا أمام الوجوه .
صورة لرجل يضحك .
امرأة تقف أمام باب بيت قديم .
أطفال يركضون في زقاق ضيق .
مجموعة من الأصدقاء يجلسون حول مائدة بسيطة .
لا ألوان .
لا مؤثرات .
لا ابتسامات مصطنعة .
رفع آدم إحدى الصور وقال بنبرةٍ تحليليّةٍ ناضجة :
– يا جدي ، أتساءل أحيانًا : هل كانت حياتكم فعلًا جميلة إلى هذا الحد ، أم أن الصور القديمة تجعلنا نراها أجمل مما كانت ؟ هل هو الحنين الذي يُجمّل الأشياء ، أم أن هناك حقيقة جوهرية غابت عنا ؟
ابتسم عمي منصور وقال :
– ولماذا تظن أنها كانت جميلة ؟
فكر آدم قليلًا ثم أجاب :
– لأن كل شيء فيها يبدو هادئًا ومستقرًا ، خاليًا من استعراض الذات .
ضحك الجد بهدوء :
– الصور لا تخبرك بكل شيء يا بني .
– إذن ربما كنتُ مخطئًا في تحليلي .
– لا . أنت رأيت شيئًا صحيحًا ، لكنك لم ترَ كل شيء .
– وما الذي لم أره ؟
أشار عمي منصور إلى الصورة وقال :
– لم ترَ ما حدث قبل أن تلتقط الصورة ، ولا ما حدث بعدها .
ثم سكت قليلًا وأضاف :
– الصورة لحظة يا آدم ، أما الحياة فهي ما بين اللحظات .
تأمل آدم كلامه ، ثم قال بمزيدٍ من العُمق :
– لكن لماذا أشعر أن هذه الصور القديمة أكثر دفئًا من الصور التي نلتقطها اليوم ؟ هل لأنها صُنعت لتبقى ، بينما صورنا نلتقطها لتُستهلك في ثوانٍ ؟
قال عمي منصور :
– لأنك لا ترى فيها ما يحاول أصحابها أن يقولوه عن أنفسهم .
– كيف ؟
– اليوم قد يلتقط الإنسان عشرات الصور قبل أن يختار واحدة . ثم يختار منها الزاوية التي يحب أن يراه الناس فيها . وقد يبتسم للصورة أكثر مما يبتسم للحياة .
ابتسم آدم وقال :
– كأننا أصبحنا نعيش أمام العدسة بدل أن نعيش أمام أنفسنا .
أصبحت الصورة هي الغاية ، والواقع مجرد خلفية لها .
نظر إليه عمي منصور طويلًا ونظرة الرضا في عينيه :
– الآن بدأت تسأل السؤال الصحيح .
🕰️ الفصل الثاني :
زمن الأبيض والأسود
" كنا نملك صورًا قليلة ، لذلك كنا نحفظ الذكريات أكثر . "
أغلق آدم الألبوم لحظة ، ثم أعاد فتحه .
قال بفضول المفكر والطموح الراغب في التعلم :
– حدثني عن تلك الأيام يا جدي . ليس عن الصور ، بل عن البنية النفسية والاجتماعية التي كانت وراءها .
عدل عمي منصور جلسته ، ونظر إلى نافذة الغرفة .
– كانت الحياة أبسط ، لكنها لم تكن سهلة .
– إذن لا تجعلها تبدو كأنها زمن مثالي خالي من العيوب .
ابتسم الجد :
– أحسنت . الحنين إذا لم ينتبه الإنسان له ، قد يحوّل الماضي إلى جنة لم تكن موجودة .
سكت آدم ، ثم قال :
– إذن ماذا بقي من ذلك الزمن وله قيمة حقيقية اليوم ؟
أجاب عمي منصور :
– بقي منه ما يستحق أن يبقى ، وذهب منه ما كان يجب أن يذهب .
– وما الذي يستحق أن يبقى ؟
قال الجد :
– أن يعرف الإنسان قيمة الإنسان .
ثم تابع :
– أتذكر يومًا كنت عائدًا فيه من المدرسة تحت المطر . لم أكن أملك مظلة . رأيت رجلًا أكبر مني يحمل واحدة ، فأوقفني وأدخلني تحتها .
– كان يعرفك ؟
– لا .
– ولماذا فعل ذلك ؟
ابتسم عمي منصور :
– لأنه رأى إنسانًا يبتل ، لا شخصًا غريبًا .
ظل آدم صامتًا ، يناقش الفكرة في عقله ثم قال :
– اليوم ربما نصور شخصًا تحت المطر قبل أن نساعده ، لنثبت للآخرين أننا أصحاب مروءة .
ضحك الجد :
– لا تظلم زمانكم يا بني . في زمانكم أيضًا أناس طيبون . المشكلة ليست في الزمن .
– إذن في ماذا ؟
– في القلب حين يتغير ميزانه .
رفع آدم عينيه إليه :
– وهل تغير القلب بسبب التكنولوجيا ، أم أن التكنولوجيا مجرد مرآة لكوامن نفوسنا ؟
هز عمي منصور رأسه :
– التكنولوجيا لا تغيّر القلب وحدها . هي تكشف أحيانًا ما فيه ، وتضخم ما نفعله . إن كان فيك خير ، أعطتك أدوات كثيرة لفعل الخير . وإن كان فيك فراغ ، أعطتك ألف طريقة للهروب منه .
قال آدم :
– كأن المشكلة ليست في الشاشة ، بل في الإنسان الذي يمسكها وفي الوعي الذي يديرها .
– تمامًا .
🎨 الفصل الثالث :
حين أبهرتنا الألوان
" اللون جميل يا آدم ، لكن الجمال لا يسكن في اللون وحده . "
في مساء اليوم التالي ، جلس آدم مع عمي منصور في الحديقة .
كانت الشمس تميل نحو الغروب ، وأشعتها تتسلل بين أغصان الأشجار .
قال آدم :
– أخبرتني بالأمس أن الماضي لم يكن جنة ، وأن التكنولوجيا ليست عدوًا . لكنني ما زلت لا أفهم لماذا أشعر أن شيئًا ما ضاع منا في الطريق .
ابتسم عمي منصور .
– ربما لم يضع .
– ماذا تقصد ؟
– ربما نحن الذين ابتعدنا عنه .
– عن ماذا ؟
– عن أنفسنا .
ظل آدم ساكتًا ، ثم قال :
– حدثني عن أول مرة رأيت فيها الألوان تُستخدم بوعي مختلف .
ضحك عمي منصور :
– أتذكرها جيدًا .
ثم أخذ يحكي له عن معلم جاء إلى القرية يحمل علبة ألوان زيتية . جمع الأطفال حوله وقال لهم :
" ارسموا كما ترون الدنيا . "
قال عمي منصور :
– يومها اكتشفنا أن الشجرة ليست مجرد شجرة ، وأن البيت ليس مجرد جدار ، وأن وجه الأم يمكن أن يحمل ألف لون لا تعرفه العين .
قال آدم بنباهة :
– إذن أنت لا تعادي الألوان أو التطور .
ضحك الجد :
– ومن قال لك ذلك ؟
– لأنك تتحدث عن الأبيض والأسود وكأنهما أكثر صدقًا .
– الأبيض والأسود ليسا ضد الألوان يا بني . إنهما يذكرانك فقط بأن الأشياء ليست كلها سطحًا .
– وضّح لي هذه الفلسفة أكثر .
قال عمي منصور :
– الأبيض يذكرك بالصفاء ، والأسود يذكرك بأن في الحياة عتمة لا بد أن تتعلم كيف تعبرها . أما الألوان ، فهي ما تصنعه تجربتك بين هذا وذاك .
– والرمادي ؟
تغيرت ابتسامة الجد قليلًا .
– الرمادي ليس عدوًا أيضًا .
تفاجأ آدم وقال متسائلًا :
– لكنك قلت سابقًا : لا تختاروا الرمادي .
– قلت ذلك لأنني أخشى عليك من الرمادي الذي يصنعه الخوف .
– وما الفرق بين رمادي وآخر ؟
أجاب عمي منصور :
– هناك رمادي في السماء قبل المطر ، وهو جميل لأنه يبشر بالخير . وهناك رمادي في قلب إنسان لا يعرف ماذا يريد ، فيترك الآخرين يقررون عنه .
سكت قليلًا ثم قال :
– لا أخاف يا آدم من الإنسان الذي يتردد ثم يبحث عن الحقيقة . أخاف من الإنسان الذي يعرف الحقيقة التي يراها ، ثم يبيعها لأنه خاف أن يكون مختلفًا .
نظر آدم إلى جده بإمعان وقال :
– إذن المشكلة ليست أن نكون مختلفين عن العصر ، بل أن نتخلى عن أصالتنا كي نشبه السائد .
– الآن أنت لا تتحدث عن الألوان يا بني .
– أعرف ، أتحدث عن الهوية والموقف .
ابتسم عمي منصور :
– وهذا هو المطلوب .
🖌️ الفصل الرابع :
الألوان تحكي
" لا تسأل اللوحة عن لونها أولًا ، اسألها عمّا تريد أن تقوله . "
في المعرض الفني الذي شارك فيه آدم ، كانت اللوحات معلقة على الجدران كأنها نوافذ كثيرة تطل على أرواح مختلفة .
وقف آدم أمام لوحته طويلًا .
كانت لوحة لشاب يسير في شارع تتداخل فيه ألوان كثيرة وصاخبة ، بينما يظهر في آخر الطريق باب بسيط بالأبيض والأسود يخرج منه ضوء هادئ .
اقترب عمي منصور .
قال آدم :
– هذه اللوحة حيّرتني وأنا أرسمها يا جدي .
– لماذا ؟
– بدأت برسم شارع مليء بالألوان ليمثل عصري . ثم وجدت نفسي أرسم ذلك الباب البسيط في النهاية .
– وماذا وراء الباب ؟
– لا أعرف بوضوح ، لكنني أشعر أنه الملاذ .
ابتسم عمي منصور .
– إذن لا تغلقه .
ضحك آدم :
– لماذا ؟
– لأن بعض الأبواب في الحياة لا نعرف ما وراءها إلا بعد أن نجرؤ على فتحها .
تأمل الجد اللوحة ، ثم قال :
– ما الذي أردت أن تقوله من خلال هذا التباين ؟
– أردت أن أقول إن الإنسان المعاصر قد يضيع وسط كثرة الخيارات والإغراءات Visual Noise .
– وهل كثرة الخيارات مشكلة حقيقية ؟
– أحيانًا تكون عبئًا .
– لماذا ؟
قال آدم بنضج وفهم عميق لنفسيته وجيله :
– لأنني كلما رأيت شيئًا جديدًا ، شعرت أن عليّ أن أكون مثله . أرى حياة شخص ، فأقارن نفسي به . أرى نجاح شخص ، فأشعر أنني متأخر . أرى سعادة شخص ، فأشك في سعادتي . لقد أصبحنا نعيش في مقارنة مستمرة .
ظل عمي منصور صامتًا لحظة ، ثم قال :
– لأنك تنظر إلى حياة الآخرين من نافذتهم المعروضة ، وتقارنها بحياتك من داخل بيتك بكامل تفاصيله .
رفع آدم رأسه .
– ماذا تعني ؟
– أنت ترى صورتهم ولا ترى تعبهم . ترى نجاحهم ولا ترى خوفهم . ترى ابتسامتهم ولا ترى ما أخفوه قبل أن يبتسموا .
ثم اقترب من اللوحة وقال :
– يا آدم ، لا تجعل عينك ميزانًا لقلبك .
– وكيف أحمي قلبي من هذا الخداع ؟
– اسأل نفسك كل ليلة : هل عشت اليوم كما أريد وبما يرضي ضميري ، أم كما أراد الآخرون أن يروني ؟
كان السؤال أثقل مما توقع آدم .
قال بعد صمتٍ وتفكر :
– ربما قضيت وقتًا طويلًا وأنا أحاول أن أبدو ناجحًا وسعيدًا ، بدل أن أكون كذلك حقًا .
وضع عمي منصور يده على كتفه :
– الاعتراف بهذا ليس هزيمة .
– فما هو إذن ؟
– بداية النضج والوعي الذاتي .
📔 الفصل الخامس :
دفتر الصور القديمة
في تلك الليلة ، عاد آدم إلى الألبوم .
فتح الصفحة الأخيرة .
كانت هناك صورة لرجل شاب يقف إلى جوار مجموعة من أصدقائه .
لم يكن ينظر إلى الكاميرا .
كان يضحك بحرية مع شخص يقف إلى جانبه .
سأل آدم :
– أنت هنا يا جدي ؟
قال عمي منصور :
– نعم .
– لماذا لم تكن تنظر إلى الكاميرا وتستعد للالتقاطة ؟
ابتسم :
– لأنني كنت مشغولًا بالحياة نفسها ، لا بتوثيقها .
ضحك آدم ، ثم بقي ينظر إلى الصورة طويلًا .
قال :
– الآن فهمت معادلة النقاء .
– ماذا فهمت ؟
– أن الصورة التي لا نبحث فيها عن أنفسنا ولا نتصنع فيها ، قد تكون أصدق صورة تعبر عنا .
نظر إليه الجد دون كلام .
تابع آدم بطرحٍ ناضج :
– كنت أظن في البداية أن النقاء يعني أن يكون الإنسان بسيطًا أو جاهلًا بتعقيدات الحياة . لكنني أراه الآن بطريقة مختلفة تمامًا .
– كيف تراه ؟
قال آدم :
– النقاء ليس أن لا ترى الشر أو الزيف ، بل أن تراه وتفهمه ولا تسمح له أن يغير جوهرك . ليس أن تجهل الخداع ، بل أن تعرفه وتستطيع ممارسته ثم تختار ألا تكون مخادعًا . وليس أن تعيش بعيدًا عن العالم ، بل أن تعيش في قلبه دون أن تفقد نفسك .
لم يتكلم عمي منصور ، بل اكتفى بابتسامة واسعة ومليئة بالاعتزاز .
قال آدم :
– لماذا تبتسم يا جدي ؟
– لأنك اليوم لم تعد تسألني كي تلتقط مني الإجابة كما يفعل الأطفال .
– وما الفرق ؟
– بالأمس كنت تريد مني أن أعطيك الإجابة جاهزة .
– واليوم ؟
– اليوم بدأت تصيغ الحكمة وتبحث عنها في داخلك من واقع وعيك .
أعاد آدم النظر إلى الصورة ، ثم قال :
– وهل هذا هو المعنى الحقيقي للنضج ؟
أجاب عمي منصور :
– النضج يا بني ليس أن تملك كل الإجابات المقنعة . النضج أن تعرف أي سؤال يستحق أن تبحث عنه ، وأي جواب لا ينبغي أن تقبله لمجرد أنه سائد .
سكت آدم ، ثم أغلق الألبوم بوقار .
وأمسك هاتفه الذكي .
ظل ينظر إلى شاشته المضيئة لحظات .
ثم أغلقها بقرارٍ واعٍ ، لا هروبًا من الهاتف ، ولا رفضًا لعصره ، بل رغبةً في أن يستعيد زمام اختياره ، وألا يترك للشاشة أن تختار عنه ما يرى ، وما يقارن ، وما يريد .
لم يكن يكره الهاتف ، ولم يكن يرفض الألوان أو الحداثة ، ولم يكن يريد العودة إلى الماضي .
كان يريد فقط أن يتعلم كيف يعيش في زمن الألوان دون أن يسمح لها بأن تعمي بصيرته .
🎯 خاتمة الرواية :
حين اختار آدم ألوانه
في صباح اليوم التالي ، عاد آدم إلى لوحته في مرسمه .
وقف أمامها ، ثم أخذ فرشاته .
لم يغيّر الألوان .
لم يمحُ الأسود .
ولم يغطِّ الأبيض .
أضاف فقط لونًا جديدًا ودافئًا إلى الطريق يتناغم مع الضوء الخارجي من الباب .
سأله عمي منصور وهو يدخل عليه :
– ماذا أضفت يا آدم ؟
قال آدم :
– لونًا لم أجده في علبة الألوان الجاهزة .
ابتسم الجد :
– ومن أين أتيت به ؟
أجاب آدم بثقة ووعي :
– من داخلي ، من قناعاتي التي تبلورت .
نظر إليه عمي منصور طويلًا ، ثم قال :
– الآن عرفت معنى الألوان الحقيقي .
قال آدم :
– وهل عرفتُه فعلًا أم أنني في بداية الطريق ؟
– ماذا تظن ؟
– أظن أن الحياة لا تمنحنا ألوانها جاهزة ومصقولة .
– صحيح .
– وأن الإنسان الواعي هو الذي يختار كيف يرى ، وكيف يشعر ، وكيف يعيش تجريته الخاصة .
– نعم .
ثم أضاف عمي منصور بهدوء وحكمة :
– لكن تذكر يا آدم : لا يكفي أن تختار لونك ، عليك أن تعرف لماذا اخترته وأن تتحمل مسؤولية وجوده .
سأل آدم :
– وحتى الأبيض والأسود ؟
– حتى هما .
– ولماذا ؟
قال الجد :
– لأن الأبيض من غير معنى قد يكون فراغًا ، والأسود من غير وعي قد يتحول إلى يأس ، والألوان كلها من غير ميزان قد تصبح مجرد ضجيج يملأ العين ولا ينير القلب .
ثم نظر إلى اللوحة وقال :
– عش بألوان عصرك يا بني . لا تهرب من زمنك ، ولا تقدّس زمنًا مضى . خذ من القديم صدقه ، ومن الجديد أدواته ، ومن تجربتك بصيرتك .
سكت قليلًا ثم ابتسم :
– والأهم من ذلك كله ، لا تجعل أحدًا يختار لك اللون الذي ترى به حياتك أو تقيم به ذاتك .
ظل آدم واقفًا أمام اللوحة .
كان الطريق أمامه لا يزال طويلًا .
والألوان كثيرة ومتشابكة .
والعالم أكثر صخبًا مما كان .
لكنه هذه المرة لم يشعر بالضياع أو التشتت .
فقد فهم أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يعود إلى الماضي كي يجد نفسه ، ولا إلى أن يتماهى مع الحداثة حتى يفقد روحه .
يكفي أحيانًا أن يتوقف قليلًا ، ويغلق الضجيج الرقمي ، وينظر إلى داخله .
هناك ، بعيدًا عن العدسات والشاشات والألوان المستعارة ، تبدأ الصورة الحقيقية .
وفي تلك اللحظة وضع عمي منصور يده على يد آدم وقال كلمته الأخيرة :
" يا آدم ، ليست الحياة ما تراه العين وحدها ، بل ما يصدقه القلب ويختاره الضمير . تعلّم من الأبيض صفاءه ، ومن الأسود صبره على العتمة ، ومن الألوان رحابة الاختلاف . ثم اصنع لونك بنفسك .
فأجمل حياة ليست تلك التي تبدو جميلة ومثالية للناس ، بل تلك التي تستطيع أن تنظر إليها حين تختلي بنفسك ، فتقول بصدق : هذه حياتي ، وهذا أنا . "
🔚 نهاية الرواية
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.