📘⚫ حين كان الأبيض والأسود أكثر حياة ⚪
رواية

📘⚫ حين كان الأبيض والأسود أكثر حياة ⚪

20 سبتمبر 2026303 مشاهدة13 دقائق للقراءة

📘 حين كان الأبيض والأسود أكثر حياة 🎨 ألوان تخدع… وقلوب تصحو ✍️ تأليف : عبد المجيد ڨناوي / في زمنٍ كانت فيه الصور قليلة ، كانت الذكريات أكثر حياة . واليوم ، بعدما امتلأت الشاشات بالألوان والصور ، بدأ آدم يتساءل : هل تغيّرت الحياة حقًا ، أم تغيّر الإنسان الذي ينظر إليها ؟ بين ألبوم قديم وهاتف لا يتوقف عن عرض الصور ، يخوض آدم مع عمي منصور رحلة مختلفة لاكتشاف معنى الجمال ، والهوية ، والاختيار ، وصدق الإنسان مع نفسه ... فهل نحتاج إلى العودة إلى الأبيض والأسود ؟ أم أن علينا أن نتعلم كيف نعيش بألوان عصرنا… دون أن نفقد ألوان أرواحنا ؟

📘 من سلسلة | حكايات عمي منصور


⚪⚫ حين كان الأبيض والأسود أكثر حياة
🎨 ألوان تخدع… وقلوب تصحو


✍️ تأليف : عبد المجيد قناوي
📚 رواية رمزية فلسفية – اجتماعية – نفسية

🌅 تمهيد :

ألوان باهتة… وحكاية أبيض وأسود

في زمنٍ كان الأبيض والأسود فيه كل شيء ، لم تكن الحياة أقل جمالًا مما هي عليه اليوم . كانت الصور أقل وضوحًا ، لكنها كانت تحتفظ بشيء لا تستطيع أعلى الكاميرات الحديثة أن تلتقطه بسهولة : صدق اللحظة .

كانت الوجوه تُرى كما هي ، والابتسامة لا تحتاج إلى تعديل ، واللقاء لا يحتاج إلى توثيق ، والفرح لا ينتظر إعجابًا من أحد .

ثم جاءت الألوان .

صار العالم أكثر سطوعًا ، وأكثر قدرة على إغراء العين . ظهرت الشاشات ، وتعددت الصور ، وتعلّم الإنسان كيف يختار الزاوية التي يريد أن يراه الآخرون منها .

لكن آدم بدأ يتساءل بوعيٍ متزايد :

هل أصبحت حياتنا أجمل لأن ألوانها ازدادت ؟

أم أننا أحيانًا نستخدم كثرة الألوان لنخفي ما لا نريد لأحد أن يراه ؟

كان آدم قد كبر . لم يعد ذلك الطفل الذي يكتفي بحكايات جده ، بل صار شابًا طموحًا يبحث عن المعنى خلف الأشياء .

وفي إحدى الأمسيات ، فتح ألبومًا قديمًا لعمي منصور .

كانت الصور بالأبيض والأسود .

لكن شيئًا غريبًا حدث .

كلما قلب صفحة ، شعر أن الصور القديمة تزداد حياة ، بينما كانت الصور الحديثة في هاتفه تزداد عددًا فقط .

ومن هنا بدأت الحكاية .

📷 الفصل الأول :

عندما سألت العدسة

" ليست كل صورة تحفظ لحظة ، يا آدم . بعض الصور تحفظ إنسانًا كاملًا . "

جلس آدم إلى جوار عمي منصور ، ووضع الألبوم القديم على الطاولة .

كان يقلب الصفحات ببطء ، ويتوقف طويلًا أمام الوجوه .

صورة لرجل يضحك .

امرأة تقف أمام باب بيت قديم .

أطفال يركضون في زقاق ضيق .

مجموعة من الأصدقاء يجلسون حول مائدة بسيطة .

لا ألوان .

لا مؤثرات .

لا ابتسامات مصطنعة .

رفع آدم إحدى الصور وقال بنبرةٍ تحليليّةٍ ناضجة :

– يا جدي ، أتساءل أحيانًا : هل كانت حياتكم فعلًا جميلة إلى هذا الحد ، أم أن الصور القديمة تجعلنا نراها أجمل مما كانت ؟ هل هو الحنين الذي يُجمّل الأشياء ، أم أن هناك حقيقة جوهرية غابت عنا ؟

ابتسم عمي منصور وقال :

– ولماذا تظن أنها كانت جميلة ؟

فكر آدم قليلًا ثم أجاب :

– لأن كل شيء فيها يبدو هادئًا ومستقرًا ، خاليًا من استعراض الذات .

ضحك الجد بهدوء :

– الصور لا تخبرك بكل شيء يا بني .

– إذن ربما كنتُ مخطئًا في تحليلي .

– لا . أنت رأيت شيئًا صحيحًا ، لكنك لم ترَ كل شيء .

– وما الذي لم أره ؟

أشار عمي منصور إلى الصورة وقال :

– لم ترَ ما حدث قبل أن تلتقط الصورة ، ولا ما حدث بعدها .

ثم سكت قليلًا وأضاف :

– الصورة لحظة يا آدم ، أما الحياة فهي ما بين اللحظات .

تأمل آدم كلامه ، ثم قال بمزيدٍ من العُمق :

– لكن لماذا أشعر أن هذه الصور القديمة أكثر دفئًا من الصور التي نلتقطها اليوم ؟ هل لأنها صُنعت لتبقى ، بينما صورنا نلتقطها لتُستهلك في ثوانٍ ؟

قال عمي منصور :

– لأنك لا ترى فيها ما يحاول أصحابها أن يقولوه عن أنفسهم .

– كيف ؟

– اليوم قد يلتقط الإنسان عشرات الصور قبل أن يختار واحدة . ثم يختار منها الزاوية التي يحب أن يراه الناس فيها . وقد يبتسم للصورة أكثر مما يبتسم للحياة .

ابتسم آدم وقال :

– كأننا أصبحنا نعيش أمام العدسة بدل أن نعيش أمام أنفسنا .

أصبحت الصورة هي الغاية ، والواقع مجرد خلفية لها .

نظر إليه عمي منصور طويلًا ونظرة الرضا في عينيه :

– الآن بدأت تسأل السؤال الصحيح .

🕰️ الفصل الثاني :

زمن الأبيض والأسود

" كنا نملك صورًا قليلة ، لذلك كنا نحفظ الذكريات أكثر . "

أغلق آدم الألبوم لحظة ، ثم أعاد فتحه .

قال بفضول المفكر والطموح الراغب في التعلم :

– حدثني عن تلك الأيام يا جدي . ليس عن الصور ، بل عن البنية النفسية والاجتماعية التي كانت وراءها .

عدل عمي منصور جلسته ، ونظر إلى نافذة الغرفة .

– كانت الحياة أبسط ، لكنها لم تكن سهلة .

– إذن لا تجعلها تبدو كأنها زمن مثالي خالي من العيوب .

ابتسم الجد :

– أحسنت . الحنين إذا لم ينتبه الإنسان له ، قد يحوّل الماضي إلى جنة لم تكن موجودة .

سكت آدم ، ثم قال :

– إذن ماذا بقي من ذلك الزمن وله قيمة حقيقية اليوم ؟

أجاب عمي منصور :

– بقي منه ما يستحق أن يبقى ، وذهب منه ما كان يجب أن يذهب .

– وما الذي يستحق أن يبقى ؟

قال الجد :

– أن يعرف الإنسان قيمة الإنسان .

ثم تابع :

– أتذكر يومًا كنت عائدًا فيه من المدرسة تحت المطر . لم أكن أملك مظلة . رأيت رجلًا أكبر مني يحمل واحدة ، فأوقفني وأدخلني تحتها .

– كان يعرفك ؟

– لا .

– ولماذا فعل ذلك ؟

ابتسم عمي منصور :

– لأنه رأى إنسانًا يبتل ، لا شخصًا غريبًا .

ظل آدم صامتًا ، يناقش الفكرة في عقله ثم قال :

– اليوم ربما نصور شخصًا تحت المطر قبل أن نساعده ، لنثبت للآخرين أننا أصحاب مروءة .

ضحك الجد :

– لا تظلم زمانكم يا بني . في زمانكم أيضًا أناس طيبون . المشكلة ليست في الزمن .

– إذن في ماذا ؟

– في القلب حين يتغير ميزانه .

رفع آدم عينيه إليه :

– وهل تغير القلب بسبب التكنولوجيا ، أم أن التكنولوجيا مجرد مرآة لكوامن نفوسنا ؟

هز عمي منصور رأسه :

– التكنولوجيا لا تغيّر القلب وحدها . هي تكشف أحيانًا ما فيه ، وتضخم ما نفعله . إن كان فيك خير ، أعطتك أدوات كثيرة لفعل الخير . وإن كان فيك فراغ ، أعطتك ألف طريقة للهروب منه .

قال آدم :

– كأن المشكلة ليست في الشاشة ، بل في الإنسان الذي يمسكها وفي الوعي الذي يديرها .

– تمامًا .

🎨 الفصل الثالث :

حين أبهرتنا الألوان

" اللون جميل يا آدم ، لكن الجمال لا يسكن في اللون وحده . "

في مساء اليوم التالي ، جلس آدم مع عمي منصور في الحديقة .

كانت الشمس تميل نحو الغروب ، وأشعتها تتسلل بين أغصان الأشجار .

قال آدم :

– أخبرتني بالأمس أن الماضي لم يكن جنة ، وأن التكنولوجيا ليست عدوًا . لكنني ما زلت لا أفهم لماذا أشعر أن شيئًا ما ضاع منا في الطريق .

ابتسم عمي منصور .

– ربما لم يضع .

– ماذا تقصد ؟

– ربما نحن الذين ابتعدنا عنه .

– عن ماذا ؟

– عن أنفسنا .

ظل آدم ساكتًا ، ثم قال :

– حدثني عن أول مرة رأيت فيها الألوان تُستخدم بوعي مختلف .

ضحك عمي منصور :

– أتذكرها جيدًا .

ثم أخذ يحكي له عن معلم جاء إلى القرية يحمل علبة ألوان زيتية . جمع الأطفال حوله وقال لهم :

" ارسموا كما ترون الدنيا . "

قال عمي منصور :

– يومها اكتشفنا أن الشجرة ليست مجرد شجرة ، وأن البيت ليس مجرد جدار ، وأن وجه الأم يمكن أن يحمل ألف لون لا تعرفه العين .

قال آدم بنباهة :

– إذن أنت لا تعادي الألوان أو التطور .

ضحك الجد :

– ومن قال لك ذلك ؟

– لأنك تتحدث عن الأبيض والأسود وكأنهما أكثر صدقًا .

– الأبيض والأسود ليسا ضد الألوان يا بني . إنهما يذكرانك فقط بأن الأشياء ليست كلها سطحًا .

– وضّح لي هذه الفلسفة أكثر .

قال عمي منصور :

– الأبيض يذكرك بالصفاء ، والأسود يذكرك بأن في الحياة عتمة لا بد أن تتعلم كيف تعبرها . أما الألوان ، فهي ما تصنعه تجربتك بين هذا وذاك .

– والرمادي ؟

تغيرت ابتسامة الجد قليلًا .

– الرمادي ليس عدوًا أيضًا .

تفاجأ آدم وقال متسائلًا :

– لكنك قلت سابقًا : لا تختاروا الرمادي .

– قلت ذلك لأنني أخشى عليك من الرمادي الذي يصنعه الخوف .

– وما الفرق بين رمادي وآخر ؟

أجاب عمي منصور :

– هناك رمادي في السماء قبل المطر ، وهو جميل لأنه يبشر بالخير . وهناك رمادي في قلب إنسان لا يعرف ماذا يريد ، فيترك الآخرين يقررون عنه .

سكت قليلًا ثم قال :

– لا أخاف يا آدم من الإنسان الذي يتردد ثم يبحث عن الحقيقة . أخاف من الإنسان الذي يعرف الحقيقة التي يراها ، ثم يبيعها لأنه خاف أن يكون مختلفًا .

نظر آدم إلى جده بإمعان وقال :

– إذن المشكلة ليست أن نكون مختلفين عن العصر ، بل أن نتخلى عن أصالتنا كي نشبه السائد .

– الآن أنت لا تتحدث عن الألوان يا بني .

– أعرف ، أتحدث عن الهوية والموقف .

ابتسم عمي منصور :

– وهذا هو المطلوب .

🖌️ الفصل الرابع :

الألوان تحكي

" لا تسأل اللوحة عن لونها أولًا ، اسألها عمّا تريد أن تقوله . "

في المعرض الفني الذي شارك فيه آدم ، كانت اللوحات معلقة على الجدران كأنها نوافذ كثيرة تطل على أرواح مختلفة .

وقف آدم أمام لوحته طويلًا .

كانت لوحة لشاب يسير في شارع تتداخل فيه ألوان كثيرة وصاخبة ، بينما يظهر في آخر الطريق باب بسيط بالأبيض والأسود يخرج منه ضوء هادئ .

اقترب عمي منصور .

قال آدم :

– هذه اللوحة حيّرتني وأنا أرسمها يا جدي .

– لماذا ؟

– بدأت برسم شارع مليء بالألوان ليمثل عصري . ثم وجدت نفسي أرسم ذلك الباب البسيط في النهاية .

– وماذا وراء الباب ؟

– لا أعرف بوضوح ، لكنني أشعر أنه الملاذ .

ابتسم عمي منصور .

– إذن لا تغلقه .

ضحك آدم :

– لماذا ؟

– لأن بعض الأبواب في الحياة لا نعرف ما وراءها إلا بعد أن نجرؤ على فتحها .

تأمل الجد اللوحة ، ثم قال :

– ما الذي أردت أن تقوله من خلال هذا التباين ؟

– أردت أن أقول إن الإنسان المعاصر قد يضيع وسط كثرة الخيارات والإغراءات Visual Noise .

– وهل كثرة الخيارات مشكلة حقيقية ؟

– أحيانًا تكون عبئًا .

– لماذا ؟

قال آدم بنضج وفهم عميق لنفسيته وجيله :

– لأنني كلما رأيت شيئًا جديدًا ، شعرت أن عليّ أن أكون مثله . أرى حياة شخص ، فأقارن نفسي به . أرى نجاح شخص ، فأشعر أنني متأخر . أرى سعادة شخص ، فأشك في سعادتي . لقد أصبحنا نعيش في مقارنة مستمرة .

ظل عمي منصور صامتًا لحظة ، ثم قال :

– لأنك تنظر إلى حياة الآخرين من نافذتهم المعروضة ، وتقارنها بحياتك من داخل بيتك بكامل تفاصيله .

رفع آدم رأسه .

– ماذا تعني ؟

– أنت ترى صورتهم ولا ترى تعبهم . ترى نجاحهم ولا ترى خوفهم . ترى ابتسامتهم ولا ترى ما أخفوه قبل أن يبتسموا .

ثم اقترب من اللوحة وقال :

– يا آدم ، لا تجعل عينك ميزانًا لقلبك .

– وكيف أحمي قلبي من هذا الخداع ؟

– اسأل نفسك كل ليلة : هل عشت اليوم كما أريد وبما يرضي ضميري ، أم كما أراد الآخرون أن يروني ؟

كان السؤال أثقل مما توقع آدم .

قال بعد صمتٍ وتفكر :

– ربما قضيت وقتًا طويلًا وأنا أحاول أن أبدو ناجحًا وسعيدًا ، بدل أن أكون كذلك حقًا .

وضع عمي منصور يده على كتفه :

– الاعتراف بهذا ليس هزيمة .

– فما هو إذن ؟

– بداية النضج والوعي الذاتي .

📔 الفصل الخامس :

دفتر الصور القديمة

في تلك الليلة ، عاد آدم إلى الألبوم .

فتح الصفحة الأخيرة .

كانت هناك صورة لرجل شاب يقف إلى جوار مجموعة من أصدقائه .

لم يكن ينظر إلى الكاميرا .

كان يضحك بحرية مع شخص يقف إلى جانبه .

سأل آدم :

– أنت هنا يا جدي ؟

قال عمي منصور :

– نعم .

– لماذا لم تكن تنظر إلى الكاميرا وتستعد للالتقاطة ؟

ابتسم :

– لأنني كنت مشغولًا بالحياة نفسها ، لا بتوثيقها .

ضحك آدم ، ثم بقي ينظر إلى الصورة طويلًا .

قال :

– الآن فهمت معادلة النقاء .

– ماذا فهمت ؟

– أن الصورة التي لا نبحث فيها عن أنفسنا ولا نتصنع فيها ، قد تكون أصدق صورة تعبر عنا .

نظر إليه الجد دون كلام .

تابع آدم بطرحٍ ناضج :

– كنت أظن في البداية أن النقاء يعني أن يكون الإنسان بسيطًا أو جاهلًا بتعقيدات الحياة . لكنني أراه الآن بطريقة مختلفة تمامًا .

– كيف تراه ؟

قال آدم :

– النقاء ليس أن لا ترى الشر أو الزيف ، بل أن تراه وتفهمه ولا تسمح له أن يغير جوهرك . ليس أن تجهل الخداع ، بل أن تعرفه وتستطيع ممارسته ثم تختار ألا تكون مخادعًا . وليس أن تعيش بعيدًا عن العالم ، بل أن تعيش في قلبه دون أن تفقد نفسك .

لم يتكلم عمي منصور ، بل اكتفى بابتسامة واسعة ومليئة بالاعتزاز .

قال آدم :

– لماذا تبتسم يا جدي ؟

– لأنك اليوم لم تعد تسألني كي تلتقط مني الإجابة كما يفعل الأطفال .

– وما الفرق ؟

– بالأمس كنت تريد مني أن أعطيك الإجابة جاهزة .

– واليوم ؟

– اليوم بدأت تصيغ الحكمة وتبحث عنها في داخلك من واقع وعيك .

أعاد آدم النظر إلى الصورة ، ثم قال :

– وهل هذا هو المعنى الحقيقي للنضج ؟

أجاب عمي منصور :

– النضج يا بني ليس أن تملك كل الإجابات المقنعة . النضج أن تعرف أي سؤال يستحق أن تبحث عنه ، وأي جواب لا ينبغي أن تقبله لمجرد أنه سائد .

سكت آدم ، ثم أغلق الألبوم بوقار .

وأمسك هاتفه الذكي .

ظل ينظر إلى شاشته المضيئة لحظات .

ثم أغلقها بقرارٍ واعٍ ، لا هروبًا من الهاتف ، ولا رفضًا لعصره ، بل رغبةً في أن يستعيد زمام اختياره ، وألا يترك للشاشة أن تختار عنه ما يرى ، وما يقارن ، وما يريد .

لم يكن يكره الهاتف ، ولم يكن يرفض الألوان أو الحداثة ، ولم يكن يريد العودة إلى الماضي .

كان يريد فقط أن يتعلم كيف يعيش في زمن الألوان دون أن يسمح لها بأن تعمي بصيرته .

🎯 خاتمة الرواية :

حين اختار آدم ألوانه

في صباح اليوم التالي ، عاد آدم إلى لوحته في مرسمه .

وقف أمامها ، ثم أخذ فرشاته .

لم يغيّر الألوان .

لم يمحُ الأسود .

ولم يغطِّ الأبيض .

أضاف فقط لونًا جديدًا ودافئًا إلى الطريق يتناغم مع الضوء الخارجي من الباب .

سأله عمي منصور وهو يدخل عليه :

– ماذا أضفت يا آدم ؟

قال آدم :

– لونًا لم أجده في علبة الألوان الجاهزة .

ابتسم الجد :

– ومن أين أتيت به ؟

أجاب آدم بثقة ووعي :

– من داخلي ، من قناعاتي التي تبلورت .

نظر إليه عمي منصور طويلًا ، ثم قال :

– الآن عرفت معنى الألوان الحقيقي .

قال آدم :

– وهل عرفتُه فعلًا أم أنني في بداية الطريق ؟

– ماذا تظن ؟

– أظن أن الحياة لا تمنحنا ألوانها جاهزة ومصقولة .

– صحيح .

– وأن الإنسان الواعي هو الذي يختار كيف يرى ، وكيف يشعر ، وكيف يعيش تجريته الخاصة .

– نعم .

ثم أضاف عمي منصور بهدوء وحكمة :

– لكن تذكر يا آدم : لا يكفي أن تختار لونك ، عليك أن تعرف لماذا اخترته وأن تتحمل مسؤولية وجوده .

سأل آدم :

– وحتى الأبيض والأسود ؟

– حتى هما .

– ولماذا ؟

قال الجد :

– لأن الأبيض من غير معنى قد يكون فراغًا ، والأسود من غير وعي قد يتحول إلى يأس ، والألوان كلها من غير ميزان قد تصبح مجرد ضجيج يملأ العين ولا ينير القلب .

ثم نظر إلى اللوحة وقال :

– عش بألوان عصرك يا بني . لا تهرب من زمنك ، ولا تقدّس زمنًا مضى . خذ من القديم صدقه ، ومن الجديد أدواته ، ومن تجربتك بصيرتك .

سكت قليلًا ثم ابتسم :

– والأهم من ذلك كله ، لا تجعل أحدًا يختار لك اللون الذي ترى به حياتك أو تقيم به ذاتك .

ظل آدم واقفًا أمام اللوحة .

كان الطريق أمامه لا يزال طويلًا .

والألوان كثيرة ومتشابكة .

والعالم أكثر صخبًا مما كان .

لكنه هذه المرة لم يشعر بالضياع أو التشتت .

فقد فهم أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يعود إلى الماضي كي يجد نفسه ، ولا إلى أن يتماهى مع الحداثة حتى يفقد روحه .

يكفي أحيانًا أن يتوقف قليلًا ، ويغلق الضجيج الرقمي ، وينظر إلى داخله .

هناك ، بعيدًا عن العدسات والشاشات والألوان المستعارة ، تبدأ الصورة الحقيقية .

وفي تلك اللحظة وضع عمي منصور يده على يد آدم وقال كلمته الأخيرة :

" يا آدم ، ليست الحياة ما تراه العين وحدها ، بل ما يصدقه القلب ويختاره الضمير . تعلّم من الأبيض صفاءه ، ومن الأسود صبره على العتمة ، ومن الألوان رحابة الاختلاف . ثم اصنع لونك بنفسك .

فأجمل حياة ليست تلك التي تبدو جميلة ومثالية للناس ، بل تلك التي تستطيع أن تنظر إليها حين تختلي بنفسك ، فتقول بصدق : هذه حياتي ، وهذا أنا . "

🔚 نهاية الرواية

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

20 - 13 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.