حين انسكبت القهوة..  وانكشف كيد الشيطان
رواية

حين انسكبت القهوة.. وانكشف كيد الشيطان

12 جوان 2026306 مشاهدة7 دقائق للقراءة

☕ ماذا لو انسكب فنجان قهوة في لحظة واحدة ... فقلب يومًا كاملاً رأسًا على عقب ؟ وهل كل ما نراه خسارة يكون شرًّا ؟ وهل يمكن لحادثة بسيطة أن تكشف للإنسان جانبًا خفيًا من كيد الشيطان ، وأن تفتح له بابًا من أبواب الحكمة لم يكن يتوقعه ؟ 🌿 من سلسلة حكايات عمي منصور ☕ حين انسكبت القهوة .. وانكشف كيد الشيطان رحلة إيمانية وإنسانية تبدأ بوثائق رسمية ، وفنجان قهوة ، وقاعة انتظار ... لكنها تنتهي بدروس عميقة في حسن الظن بالله ، ومقاومة الوساوس ، وخدمة الناس . 📖 قصة واقعية بروح تربوية وإيمانية . 📚 لا تفوتوا قراءة الإشراقة كاملة ، وتأملوا تفاصيل الحوار الشيق بين الجد وحفيده آدم . ومرحبا بكم في عالم الكاتب والاديب عبد المجيد قناوي : 👇👇👇

🕌 إشراقة إيمانية ليوم الجمعة

☕ حين انسكبت القهوة .. وانكشف كيد الشيطان

🏡 من اشراقات عمي منصور

✍️ بقلم : عبد المجيد ڨناوي

🗓️ الجمعة 12 جوان 2026 ميلادي الموافق 26 ذو الحجة 1447 هجري

__________

☕ حين انسكبت القهوة .. وانكشف كيد الشيطان

جلس عمي منصور في فناء بيته تحت شجرة ظليلة ، وبجانبه حفيده آدم يرتشف شاي المساء .

نظر آدم إلى جده وقال بفضول :

ــ جدي ، أراك تبتسم كلما نظرت إلى محفظة أوراقك ، هل وراء هذه الابتسامة حكاية جديدة من حكاياتك ؟

ابتسم عمي منصور ، ومسح على رأس حفيده وقال :

ــ نعم يا بني .. حكاية حدثت معي بالأمس فقط ، فيها من عجائب النفس ، وتدابير القدر ، وألاعيب الشيطان ، ما يجعل المؤمن يراجع نفسه ويزداد يقينًا بربه .

ثم اعتدل في جلسته وبدأ يروي :

🟦 المحطة الأولى : السعي والموعد

ــ في ليلة أول أمس ، عاد والدك متأخرًا من عمله ، وطلب مني مستعجلًا استخراج ملف متعدد الوثائق يخصه .

ولأنه لا يملك الوقت بسبب التزاماته المهنية ، تطوعت لقضاء حاجته .

ذهبت إلى المصلحة الإدارية قبل الغلق بقليل .

استقبلتني موظفة شابة بكثير من الأدب والاحترام ، وقالت :

ــ أهلاً بك يا عمي منصور ، أتذكرك جيدًا . لكن الوقت لا يكفيني الآن لإدخال كل هذه البيانات في النظام ، فالملف كبير ويحتاج إلى موافقة المسؤول .

أرجو أن تأتي باكرًا غدًا ، وسأنجزه لك في أول القائمة .

شكرتها وعدت إلى البيت .

وفي الصباح التالي ، استيقظت لصلاة الفجر .

ولأننا كنا نازلين ضيوفًا في حي جديد قيد الإنجاز ، لا مسجد فيه ولا مصلى بعد ، صليت في البيت .

ثم أعددت قهوتي الصباحية ، وسكبتها في كأس حافظ للحرارة ، وانطلقت مبكرًا نحو المصلحة .

🟩 المحطة الثانية : في قاعة الانتظار وعصرنة الإدارة

وصلت قبل الموعد بوقت كاف .

وكانت بداية الصيف ، والازدحام شديدًا .

وجدت أمامي تسعة أشخاص ، فوقفت خلفهم باحترام ، فكنت الرقم عشرة .

وعند الثامنة إلا ربعًا ، وزع علينا الحارس الأرقام ، ودخل الجميع في نظام وانضباط .

ورغم أن لي موعدًا مسبقًا ، فضلت انتظار دوري احترامًا للنظام .

جلست أتأمل حركة الناس .

كانت المصلحة تضم شبابيك متعددة ، والعمل يسير بدقة بفضل موظفين مجتهدين ورجل أمن نشيط ينظم حركة المراجعين .

جلس بجانبي رجل ونظر إلى أحد المكاتب الفارغة وقال متذمرًا :

ــ لماذا لا تجلس تلك الموظفة في مكتبها لاستقبال المواطنين ؟

ابتسمت وقلت له :

ــ يا أخي ، الإدارة اليوم لم تعد كما كانت في السابق .

إنه عصر الرقمنة .

فالاسم لا يظهر على الشاشة إلا بعد معالجة الملف في الداخل .

الآلة تنفذ البرمجة ، والإنسان يراقبها ويوجهها .

هز رأسه مقتنعًا ، وعاد إلى متابعة الشاشة .

🟨 المحطة الثالثة : ثناء .. ثم الحادثة المفاجئة

جاء دوري أخيرًا .

دخلت وقدمت الوثائق المطلوبة وبطاقة الهوية .

استقبلتني الموظفات بحفاوة واحترام .

وبعد استكمال الإجراءات ، طلبن مني الانتظار قليلًا حتى تُطبع الوثائق وتُوقّع وتُختم .

وبعد دقائق ، سلمنني الملف كاملًا .

وقبل مغادرتي ، عدت لأشكرهن وأشكر الحارس على حسن المعاملة .

وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان .

قالت إحدى الموظفات :

ــ يا عمي منصور ، كنا قبل قليل نتحدث عنك وعن أخلاقك الطيبة .

وقالت أخرى مبتسمة :

ــ سبحان الله ، ذكرناك بالخير فظهرت مباشرة !

سرني كلامهن ، وحمدت الله على حسن الذكر بين الناس .

ثم غادرت المصلحة وأنا أشعر بالامتنان .

ركبت سيارتي ، وأردت أن أحتسي بعض القهوة .

وعندما فتحت الكأس ، اكتشفت أنني نسيت نقودي في البيت .

وفي لحظة شرود وسهو ، انزلقت الكأس من يدي .

فانسكبت القهوة بغزارة على الملف كله !

حاولت إنقاذ الوثائق بالمنديل ، لكن دون جدوى .

فقد تشربت الأوراق القهوة ، وتلطخت الأختام والبيانات ، وأصبحت الوثائق غير صالحة للاستعمال .

🟪 المحطة الرابعة : وساوس الشيطان أم حكمة القدر ؟

توقف عمي منصور قليلًا .

فقال آدم متعجبًا :

ــ يااه يا جدي ! ماذا فعلت حينها ؟

هل غضبت ؟

هل ظننت أن الأمر بسبب الحسد بعد كلام الموظفات ؟

ابتسم عمي منصور وقال :

ــ هنا بدأت المعركة الحقيقية يا آدم .

ليست مع القهوة ، ولا مع الوثائق .

بل مع الأفكار التي تتسلل إلى العقل .

سألت نفسي :

هل هي عين ؟

هل هو حسد ؟

هل أخطأت في شيء ؟

ثم تذكرت ما تعلمناه من ديننا .

فالشيطان يحب أن يفسد العلاقات بين الناس .

فإذا أصاب الإنسان أمرًا مكروهًا بعد ثناء أو نجاح ، أوحى إليه أن الناس حسدوه ، ليملأ قلبه بالشك والضغينة .

لكن المؤمن لا يستسلم لهذه الوساوس .

الحسد حق ، لكنه لا يقع إلا بإذن الله .

أما سوء الظن بالناس فهو باب واسع من أبواب الشيطان .

فضحكت بيني وبين نفسي وقلت :

ــ لعل القهوة غارت من كلمات الثناء الجميلة ، فلم تتمالك نفسها !

ثم استعذت بالله من الشيطان الرجيم ، وقلت :

ــ ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله .

فهدأ قلبي .

🟫 المحطة الخامسة : الأب وابنته والشهادة

عدت إلى المصلحة الإدارية بهدوء .

وسلمت الوثائق التالفة للحارس .

فابتسم وقال :

ــ لا تقلق يا عمي منصور ، اذهب وخذ جولة قصيرة ، وستجد أوراقك جاهزة إن شاء الله .

خرجت إلى الحديقة المقابلة وجلست تحت ظلال الأشجار .

وبينما أنا هناك ، اقترب مني رجل في الخمسين من عمره ، ترافقه ابنته المحجبة .

وبدا عليهما شيء من الحيرة والقلق .

قال الرجل :

ــ السلام عليكم يا عمي .

أيمكن أن أستشيرك في أمر ؟

أجبته :

ــ وعليكم السلام ورحمة الله ، تفضل يا بني .

قال :

ــ ابنتي طالبة جامعية ، ونستعد لإتمام عقد زواجها الأسبوع القادم .

وطلبوا منا بعض الوثائق والشهود لإتمام الإجراءات .

فظننت أنك رجل صاحب خبرة ، فهل تنصحني ؟

ابتسمت وقلت له بعفوية :

ــ وهل تعرفني يا بني ؟

قال :

ــ لا .

لكن يبدو أنك رجل يفهم في هذه الأمور .

قلت :

ــ هذا من حسن ظنك .

لكن الشهادة مسؤولية ، والأصل أن تأتي بمن يعرفك ويعرف أسرتك ، من جيرانك أو معارفك .

عندها قدم لي بطاقة ابنته الجامعية وبعض الوثائق .

وأخذ يحدثني عن انتقالهم حديثًا إلى حي جديد ، وعدم معرفتهم الكافية بالناس .

تذكرت حينها ما يعانيه كثير من المواطنين في الأحياء الجديدة .

وتذكرت سنوات طويلة من التجارب مع الناس والإدارة .

وغلبني الجانب الإنساني والأبوي .

لكنني في الوقت نفسه كنت أردد في نفسي :

" المؤمن كَيِّسٌ فَطِنٌ " .

وكنت أستحضر الحكمة التي تعلمناها من الحياة :

" لستُ بالخبِّ ، ولا الخبُّ يخدعني " .

وبعد أن اطمأن قلبي ، وقدمت الأسرة ما يثبت هويتها ووضعها القانوني ، وافقت على مساعدتهم .

وقدمت بطاقتي للمصلحة .

وأمضيت في المكان المخصص .

ثم بصمت بإصبعي على الوثيقة المطلوبة .

وفعلت ذلك وأنا مطمئن القلب ، مرتاح النفس ، راجيًا من الله أن ييسر أمور الناس ويعينهم على الخير .

وبعد انصرافهما ، بقيت أفكر .

وبينما كنت أسترجع ما حدث ، خطر ببالي أن الإنسان لا يعلم أين يخبئ الله له الخير .

فقد يضيق صدره بسبب أمر يكرهه ، ثم يكتشف بعد ساعات أو أيام أن وراءه حكمة لم يكن يتوقعها .

والله أعلم بأسرار أقداره .

🟥 المحطة السادسة : في البيت .. حديث مع نصيرة

عندما عدت إلى البيت ، استقبلتني زوجتي نصيرة .

فقالت :

ــ يبدو أنك تأخرت اليوم يا عمي منصور !

ضحكت وقلت :

ــ لو أخبرتك بما حدث لما صدقتِ .

وجلست أحكي لها القصة كاملة .

من موعد الإدارة .

إلى انسكاب القهوة .

إلى إعادة استخراج الوثائق .

إلى لقاء ذلك الأب وابنته .

استمعت إليّ باهتمام ، ثم قالت :

ــ الحمد لله أن الأمر انتهى على خير .

فقلت :

ــ نعم .

والحمد لله على كل حال .

لقد تعلمت اليوم أن الإنسان قد ينشغل بما فقده ، بينما يكون الخير مختبئًا في مكان آخر .

فابتسمت نصيرة وقالت :

ــ المهم أنك لم تجعل الشيطان يفسد عليك يومك .

فقلت :

ــ هذا هو الدرس كله .

فالجانب الإنساني والإيماني يجب أن يبقى الأقوى في مثل هذه المواقف .

إذا أحسن الإنسان الظن بالله ، وأحسن الظن بالناس ، وأخذ بالأسباب ، ثم رضي بما قسمه الله له ، عاش مطمئن القلب ، مرتاح النفس .

🌹 الخاتمة : حين انسكبت القهوة .. وانكشف كيد الشيطان

أنهى عمي منصور حكايته ، ثم نظر إلى حفيده آدم وقال :

ــ هل فهمت الدرس يا بني ؟

ابتسم آدم وقال :

ــ نعم يا جدي .

فهمت أن الأخلاق الطيبة تسبق صاحبها .

وأن المؤمن لا يصدق كل خاطر يمر في ذهنه .

وأن الشيطان يحاول دائمًا أن يزرع الشك بين الناس .

وفهمت أيضًا أن بعض ما نكرهه قد يكون وراءه خير لا نراه من أول وهلة .

ابتسم عمي منصور ، وضمه إلى صدره وقال :

ــ أحسنت يا بني .

وتذكر دائمًا :

إذا أعجبك شيء في نفسك أو في غيرك فقل :

" ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله " .

فهي حصن للمؤمن ، وتربية للنفس ، وقطع لطريق الشيطان .

ثم رفع بصره إلى السماء وقال :

ــ الحمد لله الذي يجعل من حادثة صغيرة درسًا كبيرًا .

فقد انسكبت القهوة على الأوراق ، لكن الصبر لم ينسكب من القلب .

وضاعت بعض الوثائق ، لكن حسن الظن بالله لم يضع .

وصدق الله العظيم في محكم تنزيله :

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾

وبقي الجانب الإنساني والإيماني هو الأقوى ، وهو سيد الموقف .

وصدق الله العظيم :

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ . 🌿☕📖

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر