
حين انسكبت القهوة.. وانكشف كيد الشيطان
☕ ماذا لو انسكب فنجان قهوة في لحظة واحدة ... فقلب يومًا كاملاً رأسًا على عقب ؟ وهل كل ما نراه خسارة يكون شرًّا ؟ وهل يمكن لحادثة بسيطة أن تكشف للإنسان جانبًا خفيًا من كيد الشيطان ، وأن تفتح له بابًا من أبواب الحكمة لم يكن يتوقعه ؟ 🌿 من سلسلة حكايات عمي منصور ☕ حين انسكبت القهوة .. وانكشف كيد الشيطان رحلة إيمانية وإنسانية تبدأ بوثائق رسمية ، وفنجان قهوة ، وقاعة انتظار ... لكنها تنتهي بدروس عميقة في حسن الظن بالله ، ومقاومة الوساوس ، وخدمة الناس . 📖 قصة واقعية بروح تربوية وإيمانية . 📚 لا تفوتوا قراءة الإشراقة كاملة ، وتأملوا تفاصيل الحوار الشيق بين الجد وحفيده آدم . ومرحبا بكم في عالم الكاتب والاديب عبد المجيد قناوي : 👇👇👇
🕌 إشراقة إيمانية ليوم الجمعة
☕ حين انسكبت القهوة .. وانكشف كيد الشيطان
🏡 من اشراقات عمي منصور
✍️ بقلم : عبد المجيد ڨناوي
🗓️ الجمعة 12 جوان 2026 ميلادي الموافق 26 ذو الحجة 1447 هجري
__________
☕ حين انسكبت القهوة .. وانكشف كيد الشيطان
جلس عمي منصور في فناء بيته تحت شجرة ظليلة ، وبجانبه حفيده آدم يرتشف شاي المساء .
نظر آدم إلى جده وقال بفضول :
ــ جدي ، أراك تبتسم كلما نظرت إلى محفظة أوراقك ، هل وراء هذه الابتسامة حكاية جديدة من حكاياتك ؟
ابتسم عمي منصور ، ومسح على رأس حفيده وقال :
ــ نعم يا بني .. حكاية حدثت معي بالأمس فقط ، فيها من عجائب النفس ، وتدابير القدر ، وألاعيب الشيطان ، ما يجعل المؤمن يراجع نفسه ويزداد يقينًا بربه .
ثم اعتدل في جلسته وبدأ يروي :
🟦 المحطة الأولى : السعي والموعد
ــ في ليلة أول أمس ، عاد والدك متأخرًا من عمله ، وطلب مني مستعجلًا استخراج ملف متعدد الوثائق يخصه .
ولأنه لا يملك الوقت بسبب التزاماته المهنية ، تطوعت لقضاء حاجته .
ذهبت إلى المصلحة الإدارية قبل الغلق بقليل .
استقبلتني موظفة شابة بكثير من الأدب والاحترام ، وقالت :
ــ أهلاً بك يا عمي منصور ، أتذكرك جيدًا . لكن الوقت لا يكفيني الآن لإدخال كل هذه البيانات في النظام ، فالملف كبير ويحتاج إلى موافقة المسؤول .
أرجو أن تأتي باكرًا غدًا ، وسأنجزه لك في أول القائمة .
شكرتها وعدت إلى البيت .
وفي الصباح التالي ، استيقظت لصلاة الفجر .
ولأننا كنا نازلين ضيوفًا في حي جديد قيد الإنجاز ، لا مسجد فيه ولا مصلى بعد ، صليت في البيت .
ثم أعددت قهوتي الصباحية ، وسكبتها في كأس حافظ للحرارة ، وانطلقت مبكرًا نحو المصلحة .
🟩 المحطة الثانية : في قاعة الانتظار وعصرنة الإدارة
وصلت قبل الموعد بوقت كاف .
وكانت بداية الصيف ، والازدحام شديدًا .
وجدت أمامي تسعة أشخاص ، فوقفت خلفهم باحترام ، فكنت الرقم عشرة .
وعند الثامنة إلا ربعًا ، وزع علينا الحارس الأرقام ، ودخل الجميع في نظام وانضباط .
ورغم أن لي موعدًا مسبقًا ، فضلت انتظار دوري احترامًا للنظام .
جلست أتأمل حركة الناس .
كانت المصلحة تضم شبابيك متعددة ، والعمل يسير بدقة بفضل موظفين مجتهدين ورجل أمن نشيط ينظم حركة المراجعين .
جلس بجانبي رجل ونظر إلى أحد المكاتب الفارغة وقال متذمرًا :
ــ لماذا لا تجلس تلك الموظفة في مكتبها لاستقبال المواطنين ؟
ابتسمت وقلت له :
ــ يا أخي ، الإدارة اليوم لم تعد كما كانت في السابق .
إنه عصر الرقمنة .
فالاسم لا يظهر على الشاشة إلا بعد معالجة الملف في الداخل .
الآلة تنفذ البرمجة ، والإنسان يراقبها ويوجهها .
هز رأسه مقتنعًا ، وعاد إلى متابعة الشاشة .
🟨 المحطة الثالثة : ثناء .. ثم الحادثة المفاجئة
جاء دوري أخيرًا .
دخلت وقدمت الوثائق المطلوبة وبطاقة الهوية .
استقبلتني الموظفات بحفاوة واحترام .
وبعد استكمال الإجراءات ، طلبن مني الانتظار قليلًا حتى تُطبع الوثائق وتُوقّع وتُختم .
وبعد دقائق ، سلمنني الملف كاملًا .
وقبل مغادرتي ، عدت لأشكرهن وأشكر الحارس على حسن المعاملة .
وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان .
قالت إحدى الموظفات :
ــ يا عمي منصور ، كنا قبل قليل نتحدث عنك وعن أخلاقك الطيبة .
وقالت أخرى مبتسمة :
ــ سبحان الله ، ذكرناك بالخير فظهرت مباشرة !
سرني كلامهن ، وحمدت الله على حسن الذكر بين الناس .
ثم غادرت المصلحة وأنا أشعر بالامتنان .
ركبت سيارتي ، وأردت أن أحتسي بعض القهوة .
وعندما فتحت الكأس ، اكتشفت أنني نسيت نقودي في البيت .
وفي لحظة شرود وسهو ، انزلقت الكأس من يدي .
فانسكبت القهوة بغزارة على الملف كله !
حاولت إنقاذ الوثائق بالمنديل ، لكن دون جدوى .
فقد تشربت الأوراق القهوة ، وتلطخت الأختام والبيانات ، وأصبحت الوثائق غير صالحة للاستعمال .
🟪 المحطة الرابعة : وساوس الشيطان أم حكمة القدر ؟
توقف عمي منصور قليلًا .
فقال آدم متعجبًا :
ــ يااه يا جدي ! ماذا فعلت حينها ؟
هل غضبت ؟
هل ظننت أن الأمر بسبب الحسد بعد كلام الموظفات ؟
ابتسم عمي منصور وقال :
ــ هنا بدأت المعركة الحقيقية يا آدم .
ليست مع القهوة ، ولا مع الوثائق .
بل مع الأفكار التي تتسلل إلى العقل .
سألت نفسي :
هل هي عين ؟
هل هو حسد ؟
هل أخطأت في شيء ؟
ثم تذكرت ما تعلمناه من ديننا .
فالشيطان يحب أن يفسد العلاقات بين الناس .
فإذا أصاب الإنسان أمرًا مكروهًا بعد ثناء أو نجاح ، أوحى إليه أن الناس حسدوه ، ليملأ قلبه بالشك والضغينة .
لكن المؤمن لا يستسلم لهذه الوساوس .
الحسد حق ، لكنه لا يقع إلا بإذن الله .
أما سوء الظن بالناس فهو باب واسع من أبواب الشيطان .
فضحكت بيني وبين نفسي وقلت :
ــ لعل القهوة غارت من كلمات الثناء الجميلة ، فلم تتمالك نفسها !
ثم استعذت بالله من الشيطان الرجيم ، وقلت :
ــ ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله .
فهدأ قلبي .
🟫 المحطة الخامسة : الأب وابنته والشهادة
عدت إلى المصلحة الإدارية بهدوء .
وسلمت الوثائق التالفة للحارس .
فابتسم وقال :
ــ لا تقلق يا عمي منصور ، اذهب وخذ جولة قصيرة ، وستجد أوراقك جاهزة إن شاء الله .
خرجت إلى الحديقة المقابلة وجلست تحت ظلال الأشجار .
وبينما أنا هناك ، اقترب مني رجل في الخمسين من عمره ، ترافقه ابنته المحجبة .
وبدا عليهما شيء من الحيرة والقلق .
قال الرجل :
ــ السلام عليكم يا عمي .
أيمكن أن أستشيرك في أمر ؟
أجبته :
ــ وعليكم السلام ورحمة الله ، تفضل يا بني .
قال :
ــ ابنتي طالبة جامعية ، ونستعد لإتمام عقد زواجها الأسبوع القادم .
وطلبوا منا بعض الوثائق والشهود لإتمام الإجراءات .
فظننت أنك رجل صاحب خبرة ، فهل تنصحني ؟
ابتسمت وقلت له بعفوية :
ــ وهل تعرفني يا بني ؟
قال :
ــ لا .
لكن يبدو أنك رجل يفهم في هذه الأمور .
قلت :
ــ هذا من حسن ظنك .
لكن الشهادة مسؤولية ، والأصل أن تأتي بمن يعرفك ويعرف أسرتك ، من جيرانك أو معارفك .
عندها قدم لي بطاقة ابنته الجامعية وبعض الوثائق .
وأخذ يحدثني عن انتقالهم حديثًا إلى حي جديد ، وعدم معرفتهم الكافية بالناس .
تذكرت حينها ما يعانيه كثير من المواطنين في الأحياء الجديدة .
وتذكرت سنوات طويلة من التجارب مع الناس والإدارة .
وغلبني الجانب الإنساني والأبوي .
لكنني في الوقت نفسه كنت أردد في نفسي :
" المؤمن كَيِّسٌ فَطِنٌ " .
وكنت أستحضر الحكمة التي تعلمناها من الحياة :
" لستُ بالخبِّ ، ولا الخبُّ يخدعني " .
وبعد أن اطمأن قلبي ، وقدمت الأسرة ما يثبت هويتها ووضعها القانوني ، وافقت على مساعدتهم .
وقدمت بطاقتي للمصلحة .
وأمضيت في المكان المخصص .
ثم بصمت بإصبعي على الوثيقة المطلوبة .
وفعلت ذلك وأنا مطمئن القلب ، مرتاح النفس ، راجيًا من الله أن ييسر أمور الناس ويعينهم على الخير .
وبعد انصرافهما ، بقيت أفكر .
وبينما كنت أسترجع ما حدث ، خطر ببالي أن الإنسان لا يعلم أين يخبئ الله له الخير .
فقد يضيق صدره بسبب أمر يكرهه ، ثم يكتشف بعد ساعات أو أيام أن وراءه حكمة لم يكن يتوقعها .
والله أعلم بأسرار أقداره .
🟥 المحطة السادسة : في البيت .. حديث مع نصيرة
عندما عدت إلى البيت ، استقبلتني زوجتي نصيرة .
فقالت :
ــ يبدو أنك تأخرت اليوم يا عمي منصور !
ضحكت وقلت :
ــ لو أخبرتك بما حدث لما صدقتِ .
وجلست أحكي لها القصة كاملة .
من موعد الإدارة .
إلى انسكاب القهوة .
إلى إعادة استخراج الوثائق .
إلى لقاء ذلك الأب وابنته .
استمعت إليّ باهتمام ، ثم قالت :
ــ الحمد لله أن الأمر انتهى على خير .
فقلت :
ــ نعم .
والحمد لله على كل حال .
لقد تعلمت اليوم أن الإنسان قد ينشغل بما فقده ، بينما يكون الخير مختبئًا في مكان آخر .
فابتسمت نصيرة وقالت :
ــ المهم أنك لم تجعل الشيطان يفسد عليك يومك .
فقلت :
ــ هذا هو الدرس كله .
فالجانب الإنساني والإيماني يجب أن يبقى الأقوى في مثل هذه المواقف .
إذا أحسن الإنسان الظن بالله ، وأحسن الظن بالناس ، وأخذ بالأسباب ، ثم رضي بما قسمه الله له ، عاش مطمئن القلب ، مرتاح النفس .
🌹 الخاتمة : حين انسكبت القهوة .. وانكشف كيد الشيطان
أنهى عمي منصور حكايته ، ثم نظر إلى حفيده آدم وقال :
ــ هل فهمت الدرس يا بني ؟
ابتسم آدم وقال :
ــ نعم يا جدي .
فهمت أن الأخلاق الطيبة تسبق صاحبها .
وأن المؤمن لا يصدق كل خاطر يمر في ذهنه .
وأن الشيطان يحاول دائمًا أن يزرع الشك بين الناس .
وفهمت أيضًا أن بعض ما نكرهه قد يكون وراءه خير لا نراه من أول وهلة .
ابتسم عمي منصور ، وضمه إلى صدره وقال :
ــ أحسنت يا بني .
وتذكر دائمًا :
إذا أعجبك شيء في نفسك أو في غيرك فقل :
" ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله " .
فهي حصن للمؤمن ، وتربية للنفس ، وقطع لطريق الشيطان .
ثم رفع بصره إلى السماء وقال :
ــ الحمد لله الذي يجعل من حادثة صغيرة درسًا كبيرًا .
فقد انسكبت القهوة على الأوراق ، لكن الصبر لم ينسكب من القلب .
وضاعت بعض الوثائق ، لكن حسن الظن بالله لم يضع .
وصدق الله العظيم في محكم تنزيله :
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
وبقي الجانب الإنساني والإيماني هو الأقوى ، وهو سيد الموقف .
وصدق الله العظيم :
﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ . 🌿☕📖