
🌅 📖 حوار الجيلين : عن نور الإيمان وضجيج العصر
« هل يمكن للإنسان أن يعرف أكثر… ويهتدي أقل ؟ » لقد اختصرت التكنولوجيا المسافات بين العقول ، لكنها عجزت عن تقريب خطوة واحدة بين القلب وربه . يمكنك أن تملك آلاف المحاضرات عن الأخلاق في دقائق ، لكنك قد تحتاج إلى سنوات حتى تجعل خُلُقًا واحدًا منها جزءًا من حياتك .💡 فالإيمان ليس معلومة تُخزّن في الذاكرة ولا مظهراً أمام الشاشات... بل هو نور يغيّر سلوكك مع الشارع والشجرة والإنسان حين لا يراك أحد . 📖 من إشراقات عمي منصور الإيمانية : حوار الجيلين عن نور الإيمان وضجيج العصر .
🌿 إشراقات عمي منصور الإيمانية
🌿 حوار الجيلين : عن نور الإيمان وضجيج العصر
حين نعرف الطريق... ولا نمشي فيه
هل يمكن للإنسان أن يعرف أكثر... ويهتدي أقل ؟
في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة أقرب إلينا من أنفاسنا ، وصارت آلاف الخطب والمواعظ والآيات والأحاديث تصل إلى شاشاتنا في لحظات ، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا :
هل كثرة المعرفة تجعلنا أكثر هداية ؟
قد يحمل الإنسان في هاتفه عشرات التذكيرات بالصلاة ، وآلاف الكلمات التي تحدثه عن الأخلاق ، ومئات المقاطع التي تدعوه إلى الخير...
ثم يخرج إلى الشارع فينسى الأمانة ، ويمر بجانب الأذى فلا يرفعه ، ويرى شجرة تحترق فلا يتحرك ، وقد يتحدث طويلًا عن الرحمة ثم يقسو على أقرب الناس إليه .
فأين تكمن المشكلة ؟
أفي قلة المعرفة ؟
أم في تلك المسافة الخفية بين ما نعرفه... وما نعيشه ؟هناك ، في فناء دار عتيقة ، وتحت ظلال شجرة زيتون شهدت من الأيام أكثر مما شهدته ذاكرة البشر ، كان آدم يحمل المصحف بيد ، ويضع هاتفه إلى جواره .
كان بين يديه كتاب يهدي القلب ، وجهاز يفتح له أبواب العالم .
وبين الاثنين... كان سؤال كبير يبحث عن جواب .
بعد صلاة الجمعة ، دخل عمي منصور بخطواته الهادئة ، ووضع عصاه إلى جانب الباب .
نظر إلى حفيده ، ثم إلى المصحف المفتوح أمامه ، وإلى الهاتف الذي كان يرتج بين الحين والآخر بإشعارات لا تهدأ .
ابتسم عمي منصور ، وقال :
عمي منصور :
السلام عليكم يا آدم يا بني .أراك اليوم تمسك المصحف بيد ، والهاتف إلى جوارك ، لكن ذهنك يبدو في مكان آخر .
ما الذي يشغل بال الشاب المتعلم في هذا الزمن ؟
آدم :
وعليكم السلام يا جدي العزيز .توقفت اليوم طويلًا عند آية قرأها الإمام :
﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ .
شعرت يا جدي أن الآية تفتح سؤالًا أكبر من مجرد الحفظ والتلاوة .
نحن نعيش في زمن تتوفر فيه المعرفة أكثر من أي وقت مضى .
المعلومة في أيدينا ، والصورة تصل إلينا في لحظتها ، والعالم كله يكاد يكون حاضرًا في هواتفنا .ومع ذلك... أشعر أحيانًا أن الإنسان يعرف أكثر ، لكنه لا يهتدي أكثر !
نرى مظاهر كثيرة ، وخطابات وشعارات لا تنتهي ، وحتى بعض صور التدين أصبحت تُعرض أمام الكاميرات وكأنها جزء من صناعة المشهد .
وأحيانًا تختلط الرسالة الدينية بالمنافسة على الظهور ، أو بالمصالح ، أو بالخطاب الإشهاري والسياسي ، حتى أخشى أن يضيع وسط كل هذا الضجيج ذلك النور البسيط الذي يوقظ القلب ويهذب السلوك .
ظل عمي منصور صامتًا لحظات ، ثم جلس إلى جوار حفيده .
عمي منصور :
تكلم يا بني...فالسؤال الصادق لا يخيف الإيمان ، وإنما قد يكون طريقًا إلى فهمه .
لكن تذكر شيئًا مهمًا :
لا تجعل أخطاء بعض الناس حجابًا بينك وبين الدين .فالدين حقيقة سامية ، وتصرفات المتدينين سلوك بشري يخطئ ويصيب .
آدم :
أعرف يا جدي ، وهذا بالضبط ما يؤلمني .ما يحيرني ليس ما يقوله الناس عن الإيمان ، وإنما ما يفعله بعضهم بعد أن يتحدث عنه .
قد تسمع كلامًا جميلًا عن الأمانة ، ثم ترى الغش في المعاملة .
وقد تسمع حديثًا طويلًا عن الرحمة ، ثم ترى القسوة في الشارع .
وقد تجد من يتحدث عن إعمار الأرض ، لكنه في لحظة طيش يستسهل رمي النفايات ، أو يشعل نارًا تأكل غابة بأكملها !
فأين ذهبت هداية القلب هنا ؟
وهل القلب الذي يتحدث عنه القرآن مجرد هذه العضلة التي تنبض في الصدر ، أم أن وراء الكلمة معنى أعمق يتعلق بإدراك الإنسان وإرادته ومسؤوليته ؟
عمي منصور :
أحسنت يا آدم .لقد اقتربت من لب المسألة .
القلب في الخطاب القرآني ليس مجرد موضع للمشاعر العابرة ، بل يرتبط بالإيمان والإدراك والنية والعزم .
ولهذا قال الله تعالى :
﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ .
فالإيمان ليس معلومة نضعها في الذاكرة ، ولا كلمة نرددها باللسان ، ولا مظهرًا نعرضه أمام الشاشات .
الإيمان إذا استقر في القلب ، بدأ يظهر أثره في الطريق الذي يمشي فيه صاحبه ، وفي الكلمة التي يقولها ، وفي المال الذي يكسبه ، وفي تعامله مع الإنسان والحيوان والشجرة .
آدم :
إذن يا جدي ، المشكلة ليست في أن الإنسان لا يعرف الخير ، وإنما في أنه قد يعرفه ولا يعمل به ؟عمي منصور :
هذا واحد من أوجه المشكلة يا بني .فالمعرفة قد تدلك على الطريق ، لكنها لا تكفي وحدها لكي تسير فيه .
قد تعرف أن الكذب حرام ، لكن الإيمان يدفعك إلى الصدق حين يكون الكذب أكثر ربحًا .
وقد تعرف أن الظلم محرّم ، لكن الهداية تظهر حين تملك القدرة على الظلم ثم تختار العدل .
وقد تعرف أن المحافظة على البيئة مسؤولية ، لكن الإيمان يظهر حين ترى نارًا مشتعلة فتسارع إلى إخمادها ، أو ترى أذى في الطريق فتزيله .
سكت قليلًا ، ثم أضاف :
عمي منصور :
يا بني ، ليست القضية أن نعرف ماذا يقول الدين فقط ، بل أن نسأل أنفسنا :ماذا صنع الدين فينا ؟
هل جعلنا أكثر صدقًا ؟
أكثر رحمة ؟
أكثر أمانة ؟
أكثر إحساسًا بالمسؤولية ؟
أكثر عدلًا حين نختلف ؟
وأكثر تواضعًا حين ننجح ؟هنا يبدأ الامتحان الحقيقي .
خفض آدم عينيه إلى المصحف ، ثم قال :
آدم :
الآن فهمت شيئًا يا جدي .ربما أصبحنا في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يصل إلى آلاف المحاضرات عن الأخلاق في دقائق ، لكنه قد يحتاج إلى سنوات حتى يجعل خُلُقًا واحدًا منها جزءًا من حياته .
عمي منصور :
وهذه هي المفارقة يا آدم .لقد اختصرت التكنولوجيا المسافات بين العقول ، لكنها عجزت عن تقريب خطوة واحدة بين القلب وربه .
يمكن للهاتف أن يحمل لك آية ، لكنه لا يضمن أن تعمل بها .
ويمكن للذكاء أن يشرح لك معنى الصدق ، لكنه لا يستطيع أن يصدق مكانك .
ويمكن للكاميرا أن توثق فعل الخير ، لكنها لا تستطيع أن تمنح الفعل إخلاصه .
ذلك شيء آخر...
إنه عمل القلب .
ثم أشار عمي منصور إلى المصحف وقال :
عمي منصور :
لا تخف من ضجيج العصر يا بني ، ولكن لا تسمح له أن يصبح ضجيجًا داخل قلبك .خذ من العصر علمه ، وأدواته ، وخبراته ، وأسبابه النافعة... لكن لا تسلمه بوصلتك .
آدم :
وكيف نحافظ على البوصلة يا جدي ؟رفع عمي منصور عينيه إلى شجرة الزيتون ، وقال :
عمي منصور :
بأن تعرف إلى أين تتجه ، ولمن تتجه .خذ بالأسباب بيدك ، واجعل التوكل في قلبك .
تعلم ، واعمل ، وابحث ، وأتقن .
ازرع شجرة ، وأطفئ نارًا ، وأزل أذى من الطريق ، وأعط العامل حقه ، وارحم الضعيف ، وقل كلمة الحق دون ظلم .
ثم إذا فعلت ذلك كله ، فلا تنسَ أن قلبك محتاج دائمًا إلى ربه .
فالإيمان ليس أن نهرب من الدنيا ، بل أن ندخلها بقلوب تعرف الله ، وأيدٍ تعمر الأرض .
نهض عمي منصور متكئًا على عصاه ، ثم التفت إلى حفيده وقال :
عمي منصور :
يا آدم...إذا أردت أن تعرف حقيقة إيمان الإنسان ، فلا تنظر فقط إلى ما يقوله حين يكون بين الناس ، بل انظر إلى ما يفعله حين لا يراه أحد .
فالنور الصادق يا بني يضيء في الظلمة ، ولا ينتظر كاميرا كي يراه الناس .
نظر آدم إلى المصحف ، ثم إلى هاتفه .
أغلق الهاتف بهدوء ، ووضعه جانبًا ، وأمسك بالمصحف بكلتا يديه .
ثم قال مبتسمًا :
آدم :
الآن فهمت يا جدي لماذا تكون هداية القلب أهم من كثرة ما نعرف .فالمشكلة ليست أن نمتلك النور فقط...
بل أن نسمح له بأن يصل إلى الطريق .
ابتسم عمي منصور ، ووضع يده على كتف حفيده ، ومضيا معًا نحو باب الدار .
وفي الخارج ، كانت شجرة الزيتون ساكنة تحت ضوء الجمعة ، كأنها تهمس في صمتها القديم :
حين يسكن الإيمان في القلب ، يصبح السلوك شاهدًا عليه .
🌿 إشراقة عمي منصور
ليس الإيمان ما نعرضه على الناس ، بل ما يغيّرنا حين لا يرانا الناس .
وليس نور القلب أن يعرف الطريق فقط ، وإنما أن يهتدي إليه ثم يمشي فيه .
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.