
🌅 📖 حين يصبح التَّديُّن عادة… ويغيب الدِّين 🌿 الجزء الرابع
📖 رواية « حين يصبح التدين عادة… ويغيب الدين » ✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي 🌿 ليست القضية هنا : الصلاة أم العمل ؟ ولا الشعيرة أم الأخلاق ؟ ولا التراث أم العقل ؟ ولا الدين أم التكنولوجيا ؟ القضية الحقيقية التي تخوضها هذه الرواية هي : كيف تتكامل هذه كلها في إنسانٍ يعبد الله ، ويعقل ، ويعمل ، ويعدل ، ويعمر الأرض ؟ رحلة حوارية حية تتلاقى فيها تجربة الشيخ « عمي منصور » وتساؤلات حفيده « آدم » ، حيث لم يعد « آدم » مجرد مستمع ، بل شريكًا حقيقيًا في صناعة السؤال وطرق أبوابه . حوار ينطلق بين جيل الحكمة والخبرة وجيل العقل والتقنية ، ليتدرج القارئ معنا من تفكيك المشكلة إلى فهمها ، ثم إلى امتلاك أدوات تجاوزها ، وصولًا إلى بناء الإنسان الذي ينعكس دينه على سلوكه في الشارع والبيت والسوق .
🌿 إطلالة فكرية من رواية
📚من حكايات عمي منصور وحفيده آدم
🕌 حين يصبح التَّديُّن عادة… ويغيب الدِّين
📖 رواية تربوية | فكرية | اجتماعية | روحية | فلسفية
_________________________________
🌿 الجزء الرابع
العقل والتقنية والتوبة
> « في زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.. أين يقع الضمير البشري؟ وكيف يُستخدم التدين أحيانًا كـ "مسكن سريع" للهروب من رد الحقوق وإصلاح الأخطاء؟ » >
مواجهة فكرية هادئة يضع فيها عمي منصور التكنولوجيا والتوبة الصادقة في نصابهما الصحيح أمام عقل آدم
الفصل السابع :
حين دخل الذكاء الاصطناعي مجلس عمي منصور
كانت شاشة الحاسوب المحمول تتوسط الطاولة الخشبية العتيقة .
وعلى أحد جانبيها وُضع مجلد قديم من كتب الحديث ، وعلى الجانب الآخر استقرت مسبحة عمي منصور الخشبية .
كان المشهد غريبًا في ظاهره …
كتاب يحمل رائحة القرون الماضية ، وشاشة مضيئة تنتمي إلى عالم لم يكن أحد يتخيله يوم كان عمي منصور في عمر آدم ، وتلك الحبات الخشبية التي تختزل أسرار النفوس وضمائرها .
اقترب عمي منصور من الشاشة ، وتأمل المستطيل الأبيض الذي تعلوه عبارة :
« اكتب سؤالك هنا . »
ابتسم وقال :
— إذن هذا هو الضيف الذي ملأ الدنيا حديثًا يا بني ؟
ضحك آدم :
— نعم يا جدي .
— صندوق صغير تجلس أمامه وتسأله ، فيجيبك في ثوانٍ ؟
ضحك آدم :
— ليس صندوقًا سحريًا .
ثم جلس أمام الحاسوب وقال :
— إنه نظام يعتمد على نماذج وخوارزميات قادرة على معالجة كم هائل من النصوص والبيانات ، ثم صياغة إجابات وفق ما تعلمته من الأنماط والمصادر التي أُتيح لها الوصول إليها .
نظر إليه عمي منصور :
— إذن هو لا يوحى إليه ؟
ابتسم آدم :
— بالطبع لا .
— ولا يملك علم الغيب ؟
— قطعًا لا .
— ولا يعرف الحقيقة لمجرد أنه قالها بثقة ؟
ضحك آدم :
— هذه أهم نقطة يا جدي .
ابتسم عمي منصور :
— إذن بدأنا نفهم الضيف قبل أن نجلس معه .
جلس في مكانه ، وقال :
— اسأله إذن .
قال آدم :
— ماذا نسأله ؟
أجاب عمي منصور :
— نبدأ بشيء من الموروث الذي تحدثنا عنه .
فكر آدم قليلًا .
ثم قال :
— ما رأيك في القصة المشهورة عن ثعلبة بن حاطب ، وأنه امتنع عن أداء الزكاة بعد أن كثر ماله ؟ كثيرون يتداولونها كأنها حقيقة ثابتة ، بل ويبنون عليها مواعظ وأحكامًا .
أومأ عمي منصور :
— جيد .
— لكن لا نطلب منه مجرد « نعم أو لا » .
— ماذا نطلب ؟
— نطلب منه أن يعرض لنا مصدر الرواية ، وأسانيدها ، وأقوال أهل النقد فيها ، وأن يفرق بين ما ثبت وما اشتهر .
كتب آدم السؤال .
وضغط زر الإرسال .
لم تمر سوى لحظات حتى بدأت الكلمات تظهر على الشاشة .
قرأ آدم بصوت مرتفع :
— « القصة المنسوبة إلى ثعلبة بن حاطب في امتناعه عن الزكاة وردت في بعض كتب التفسير والأخبار ، وقد تكلم أهل الحديث في إسنادها ، ولا يصح التعامل معها كرواية ثابتة لمجرد شهرتها … »
ثم تابع القراءة :
— ويذكر الجواب أن في سندها عللًا ، وأن بعض أهل العلم حكموا بضعفها ، كما يشير إلى أن ثعلبة بن حاطب من الصحابة الذين شهدوا بدرًا ، وأن نسبة هذه القصة إليه تحتاج إلى تثبت .
رفع آدم عينيه .
— أرأيت يا جدي ؟
ثم قال بحماس :
— في ثوانٍ قليلة وضع أمامنا خلاصة ما قد يحتاج إلى وقت طويل من البحث !
ابتسم عمي منصور .
— هذا نافع بلا شك .
ثم أشار إلى الشاشة :
— لكن لا تفرح بالجواب قبل أن تسأل عن مصادره .
— لماذا ؟
— لأنك قبل قليل قلت لي إن هذه الآلة قد تخطئ .
— صحيح .
— وقد تصوغ الخطأ بلغة جميلة .
— صحيح أيضًا .
— هي تجمع لك ما كُتب ، وتُقرّب لك طرق الوصول إليه ، لكنها لا تملك وحدها ميزان الترجيح الفقهي ، ولا تملك ضميرًا يتحمل مسؤولية ما يستنبطه من النص .
فتح آدم عينيه باهتمام .
— إذن حتى هذا الجواب يحتاج إلى غربلة ؟
— طبعًا .
ثم قال عمي منصور :
— لا تجعل الذكاء الاصطناعي نهاية البحث … اجعله بداية البحث .
أعاد آدم النظر إلى الشاشة .
قال :
— يعني أطلب منه المصادر ، ثم أعود إليها بنفسي ؟
— نعم .
— وأقارن بينها ؟
— نعم .
— وأرجع إلى أهل الاختصاص عند المسائل الدقيقة ؟
— نعم .
ابتسم عمي منصور :
— الآن بدأت تستخدم الأداة بعقل ، لا بعقل مستعار .
سجل آدم العبارة في دفتره .
ثم قال :
— لكن دعنا ننتقل إلى سؤال أصعب .
— اسأل .
كتب آدم :
« كيف يشعر الإنسان بحلاوة الإيمان وهو يظلم الناس ؟ »
ظهرت الإجابة سريعًا ، بلغة مرتبة :
« الإيمان والظلم يتناقضان ، والظلم يفسد على الإنسان طمأنينة القلب ويحرمه من آثار العبادة الصادقة … »
قرأ آدم بعض السطور ، ثم نظر إلى جده .
كان عمي منصور صامتًا .
قال آدم :
— ما رأيك ؟
أجاب عمي منصور :
— الجواب جميل .
ثم سكت .
— لكنه لا يزال كلامًا .
— ماذا تقصد ؟
اقترب عمي منصور من الشاشة .
— هل تعرف هذه الآلة معنى أن يقف إنسان مظلوم أمام من ظلمه ولا يستطيع استرداد حقه ؟
سكت آدم .
تابع :
— هل تستطيع أن تنقل إليك مرارة مظلومٍ فقد ماله بسبب ظالم ؟
ثم وضَع يده على صدره :
— وهل تستطيع أن تجعل الظالم يشعر بما يشعر به المظلوم ؟
ثم أضاف :
— هل يرتجف قلب الآلة أو يستيقظ ضميرها في الليل لأنها أكلت مال يتيم ؟
ظل آدم ساكتًا .
قال عمي منصور :
— لا يا بني .
ثم ابتسم :
— لأنها لا تعيش التجربة الإنسانية كما يعيشها الإنسان .
— إذن ما الذي تستطيع فعله ؟
— تستطيع أن تجمع لك النصوص ، وتشرح المفاهيم ، وتقارن الأقوال ، وتدلّك على طرق البحث .
ثم رفع إصبعه :
— لكنها لا تتوب مكانك .
ورفع إصبعًا ثانيًا :
— ولا ترد المال إلى صاحبه مكانك .
ثم وضع يده على قلبه :
— ولا تحمل عنك مسؤولية ضميرك .
تأمل آدم الكلمات طويلًا .
ثم قال :
— إذن هناك فرق بين أن أعرف أن الظلم حرام … وأن أتوقف عن الظلم .
ابتسم عمي منصور :
— هنا يا آدم تقع المسافة بين المعلومة والحياة .
ثم تابع :
— تستطيع أن تعرف ألف نص عن الصدق ، ثم تكذب .
— وتستطيع أن تحفظ مئات النصوص عن الأمانة ، ثم تخون .
— وتستطيع أن تتحدث ساعة عن الرحمة ، ثم تقسو على إنسان ضعيف .
ثم قال :
— المعرفة وحدها لا تزكي الإنسان .
سجل آدم :
« الآلة تستطيع أن تصف الطريق ، لكنها لا تمشيه بدلًا منك . »
قرأها عمي منصور .
— هذه تصلح أن تبقى معك .
ثم عاد آدم إلى الحاسوب .
— جدي ، هل يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يساعدنا في غربلة الموروث ؟
— بالعكس .
— كيف ؟
قال عمي منصور :
— يمكن أن يكون أداة قوية جدًا .
ثم بدأ يعدّد :
— يساعدك في الوصول إلى المصادر .
— يقارن بين الروايات .
— يبحث عن مواضع النصوص .
— يكشف لك اختلاف الصياغات .
— يرتب لك أقوال العلماء .
— يساعدك في اكتشاف الأسئلة التي لم تنتبه إليها .
ثم قال :
— لكن عندما تكون المسألة دينية دقيقة أو تاريخية حساسة ، لا بد أن تعود إلى المصادر الأصلية وأهل الاختصاص ، ولا تتعامل مع جواب الآلة بوصفه حكمًا نهائيًا .
أومأ آدم .
— يعني التكنولوجيا يمكن أن تكون « غربالًا إلكترونيًا » ؟
ابتسم عمي منصور :
— نعم .
ثم أضاف :
— لكن لا تنسَ أن الغربال الإلكتروني يحتاج إلى غربال إنساني .
— وما هو ؟
قال :
— عقلك .
ثم وضع يده على صدره :
— وضميرك .
ثم أضاف :
— وأمانتك العلمية .
سكت لحظة .
ثم قال :
— وإلا فقد نستبدل صنمًا قديمًا بصنم حديث .
رفع آدم حاجبه :
— صنم حديث ؟
— نعم .
ثم ابتسم :
— كان بعض الناس يقولون :
« قال الشيخ ، إذن هو الحق . »
وأشار إلى الحاسوب :
— فلا تصبح أنت ممن يقولون :
« قال الذكاء الاصطناعي ، إذن هو الحق . »
ضحك آدم .
— هذه قوية يا جدي !
قال عمي منصور :
— لأن المشكلة ليست في الأداة .
ثم تابع :
— المشكلة في الإنسان الذي يتخلى عن عقله ويبحث عن سلطة جديدة يفكر من خلالها .
أغلق آدم الحاسوب للحظات .
ثم قال :
— إذن الحرية الفكرية لا تعني أن أرفض كل شيء .
— ولا أن أقبل كل شيء .
— فما معناها ؟
أجاب عمي منصور :
— أن تسأل .
ثم :
— أن تبحث .
ثم :
— أن تتحقق .
ثم :
— وأن تملك شجاعة أن تقول : لا أعلم عندما لا تملك دليلًا .
ابتسم آدم .
— حتى أمام الذكاء الاصطناعي ؟
ضحك عمي منصور :
— خصوصًا أمام الذكاء الاصطناعي !
ضحكا معًا .
ثم عاد الصمت إلى المجلس .
بعد لحظات قال آدم :
— جدي … أعتقد أنني فهمت الآن لماذا قلت لي في الفصل السابق : لا تجعل الهاتف يفكر بدلًا منك .
— نعم .
— لأن الخطر ليس أن تعطيني الآلة معلومة خاطئة فقط .
— فما الخطر الأكبر ؟
قال آدم :
— أن أتوقف أنا عن التفكير .
نظر إليه عمي منصور طويلًا .
ثم قال :
— الآن فهمت .
أمسك مسبحته .
كانت حباتها تتحرك ببطء بين أصابعه .
— يا آدم … الإنسان الذي يفقد القدرة على السؤال يصبح سهل القيادة ، سواء قاده شيخ ، أو سياسي ، أو جماعة ، أو إعلام ، أو خوارزمية .
توقف قليلًا .
ثم قال :
— أما الإنسان الذي يسأل ويتحقق ، فلا يسلم عقله بسهولة .
أعاد آدم فتح الحاسوب .
وقال :
— بقي سؤال واحد يا جدي .
— ما هو ؟
— إذا ساعدتنا التكنولوجيا على كشف بعض المرويات الضعيفة ، وعلى قراءة التراث بعين ناقدة ، فهل نستطيع أن نصل في النهاية إلى دين أكثر صفاءً ؟
ابتسم عمي منصور .
— نستطيع أن نصل إلى فهم أكثر وعيًا ، وأن نفرق بين الوحي وبين اجتهاد البشر ، وبين الثابت وبين المختلف فيه ، وبين الدين وبين ما أُلصق به .
ثم أضاف :
— لكن تذكر دائمًا : تنقية الموروث لا تعني هدم الدين ، كما أن احترام التراث لا يعني تقديس كل ما فيه .
كتب آدم الجملة الأخيرة .
ثم قال :
— أظن أن هذه الرحلة بدأت تأخذنا إلى مكان أخطر .
نظر إليه عمي منصور .
— أين ؟
قال آدم :
— نحن تحدثنا عن الموروث ، ثم الصلاة ، ثم السلوك ، ثم التدين الشكلي ، ثم المعرفة ، والآن التكنولوجيا .
— وما بقي ؟
نظر آدم إلى جده مباشرة :
— الإنسان الذي يرتكب الخطأ ، ثم يبحث عن عبادة سريعة تمحو عنه كل شيء .
توقفت حبات المسبحة بين أصابع عمي منصور .
قال :
— هنا يا بني … ندخل إلى منطقة شديدة الحساسية .
— ما هي ؟
قال عمي منصور :
— التدين التعويضي .
— ماذا تعني ؟
— أن يظلم الإنسان ، ثم يظن أن ركعتين تكفيان عن رد المظلمة .
— أو يأكل مالًا حرامًا ، ثم يبحث عن عبادة تمنحه شعورًا سريعًا بالراحة .
— أو يصر على الذنب ، ثم يتعامل مع بعض العبادات وكأنها « رصيد » يمحو كل شيء دون إصلاح .
نظر آدم إلى جده بثبات .
وقال :
— لكن التوبة مفتوحة .
ابتسم عمي منصور :
— نعم يا آدم .
— إذن أين المشكلة ؟
قال عمي منصور :
— المشكلة ليست في باب التوبة .
ثم أضاف :
— باب التوبة رحمة .
— فما المشكلة ؟
— المشكلة أن نحول التوبة إلى حيلة للهروب من التغيير .
ظل آدم صامتًا .
ثم قال :
— إذن التوبة ليست مجرد حركة يؤديها الجسد ؟
أجاب عمي منصور :
— التوبة تبدأ في القلب ، وتصدقها الأفعال .
نظر آدم إلى دفتره .
ثم كتب بخط واضح :
« التوبة ليست بطاقة خروج من الذنب … بل بداية خروج منه . »
رفع عمي منصور عينيه إليه .
ابتسم .
ثم قال :
— الآن يا آدم …
وأغلق مسبحته في يده .
— أصبح لدينا سؤال الفصل القادم .
رفع آدم رأسَه :
— ما هو ؟
قال عمي منصور :
— ماذا تنفع عبادةٌ لا تغيّر صاحبها ؟
وفي تلك اللحظة ، انطفأت شاشة الحاسوب .
لكن السؤال بقي مضيئًا في ذهن آدم .
🌿 الفصل الثامن :
حين تتحول العبادة إلى مخدّر
كانت زقزقة العصافير تتصاعد من شجرة الزيتون العتيقة في باحة بيت عمي منصور .
كان الصباح هادئًا ، إلا من صوت المسبحة وهي تتحرك ببطء بين أصابع الشيخ .
أقبل آدم وفي يده دفتره ، وجلس قبالة جده .
ظل السؤال الذي تركه عمي منصور في نهاية حديثهما يلاحقه طوال الليل : « ماذا تنفع عبادةٌ لا تغيّر صاحبها ؟ »
صمت لحظات ، ثم أطرق رأسه قليلًا ، واستحضر في ذهنه مشهدًا شاهده بالأمس في المخبز المكتظ ؛ حين حاول رجل مهيب يرتدي ثيابًا زاهية ويضع قبعة دينية تخطي صف المنتظرين من الكبار والمرضى بحجة أنه مستعجل للحاق بالجمعة !
شعر آدم بتداخل عجيب بين المظهر الخارجي والسلوك الذاتي ، ثم رفع عينيه إلى جده وقال :
— جدي … ما زلت أفكر في سؤالك بالأمس ، وفي عبارتك : « التوبة ليست بطاقة خروج من الذنب … بل بداية خروج منه . »
ابتسم عمي منصور .
— وما الذي أشغلك فيها ؟
قال آدم :
— كيف يمكن للإنسان أن يمارس العبادة ، ثم يجعل منها وسيلة لتسكين ضميره بدل أن تكون سببًا في إيقاظه ؟
توقف عمي منصور عن تحريك المسبحة .
ثم قال :
— لأن الإنسان يا بني لا يحب مواجهة نفسه عندما يكتشف أنه أخطأ .
— وكيف ؟
— عندما يظلم ، أو يغش ، أو يأكل مالًا ليس له ، أو يؤذي إنسانًا ، يستيقظ في داخله شيء لا يستطيع إسكاتَه بسهولة .
— الضمير ؟
— نعم .
ثم تابع :
— وهنا يجد الإنسان نفسه أمام طريقين .
رفع إصبعًا وقال :
— طريق الصدق : يعترف بخطئه ، ويندم ، ويصلح ما أفسد ، ويرد الحقوق إلى أصحابها ، ويغيّر سلوكه .
ثم رفع إصبعًا ثانيًا :
— وطريق الهروب : يبحث عن شيء يسكّن الألم الداخلي ، من دون أن يقترب من أصل الجرح .
كتب آدم في دفتره :
« المسكّن قد يخفف الألم … لكنه لا يعالج الجرح . »
قرأ عمي منصور العبارة وقال :
— وهذه تنطبق أحيانًا على التدين حين يُفهم بطريقة خاطئة .
رفع آدم رأسَه :
— كيف تتحول العبادة إلى مُسكن ؟
قال عمي منصور :
— عندما يستخدم الإنسان الشعيرة لا لتغيير نفسه ، وإنما لإقناع نفسه بأنه أصبح صالحًا رغم إصراره على الظلم .
ثم ضرب مثالًا :
— تاجر يغش الناس في النهار ، ثم يخرج جزءًا من المال الذي اكتسبه بطرق محرمة ليتصدق به ، فيشعر براحة مؤقتة ، بينما أصل المشكلة لم يُعالج .
ثم أضاف :
— أو إنسان يقطع رحمه ، ويظلم أهله ، ثم يكثر من النوافل ، لكنه لا يحاول إصلاح ما أفسده .
ثم نظر إلى آدم :
— أو رجل يأكل حقًا ليس له ، ثم يكثر من الاستغفار بلسانه ، لكنه لا يفكر لحظة في إعادة الحق إلى صاحبه .
قال آدم :
— كأنه يريد أن يغسل يديه دون أن يلمس أصل الجريمة .
أومأ عمي منصور :
— بالضبط .
ثم استدرك :
— لكن انتبه يا بني . لا يجوز لنا أن نقول إن العبادة نفسها هي المشكلة .
— بل المشكلة في استخدامها ؟
— نعم .
ثم قال :
— الصلاة عبادة عظيمة ، والصيام عبادة عظيمة ، والصدقة عبادة عظيمة ، والحج والعمرة عبادات عظيمة . لكن الخلل يبدأ عندما يتوهم الإنسان أن أداء الشعيرة يعفيه من بقية مسؤولياته تجاه الله والناس .
فتح آدم دفتره .
— إذن العبادة لا تلغي المسؤولية الأخلاقية .
— بل تدفع الإنسان إلى تحملها .
قال آدم :
— ولكن ماذا عن قول الله تعالى :
﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ ؟
ابتسم عمي منصور :
— نعم ، يا بني . رحمة الله واسعة ، والحسنات لها شأن عظيم ، والتوبة باب مفتوح .
ثم سكت قليلًا .
— لكن لا تخلط بين رحمة الله وبين اتخاذ الرحمة ذريعة للإصرار على الظلم .
قال آدم :
— وضّح لي أكثر .
قال عمي منصور :
— التوبة ليست مجرد كلمة يقولها اللسان ، ولا صفقة حسابية بين الذنب والحسنة .
ثم استشهد بهدوء :
﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ .
ثم قال :
— تأمل يا آدم : تاب … وآمن … وعمل صالحًا .
كتب آدم الآية .
ثم قال :
— والعمل الصالح هنا ليس مجرد شعيرة إضافية ؟
— العمل الصالح أوسع من ذلك . إنه إصلاح الإنسان لما يستطيع إصلاحه ، وترك الظلم ، وأداء الأمانة ، والعدل ، والإحسان ، والوفاء ، ورد الحقوق بحسب ما يتعلق بالذنب .
ثم أضاف :
— وإذا تعلقت المعصية بحق إنسان ، فالمسألة تصبح أكثر حساسية ؛ لأن بينك وبين الله بابًا ، وبينك وبين المظلوم بابًا آخر .
رفع آدم رأسَه :
— ومفتاح الباب الثاني ؟
قال عمي منصور :
— رد الحق ، أو طلب المسامحة ، وإصلاح ما أفسدته قدر الاستطاعة .
سكت آدم طويلًا .
ثم قال :
— الآن فهمت لماذا قلت إن التوبة بداية خروج من الذنب .
ابتسم عمي منصور :
— نعم .
ثم قال :
— أما التدين التعويضي ، فهو أن يرتكب الإنسان الذنب ثم يبحث عن عبادة تمنحه شعورًا سريعًا بأنه أصبح بريئًا ، من دون أن يغير شيئًا في سلوكه .
قال آدم :
— كأنه يقول لنفسه : « أخطأْت ، لكنني صليت … إذن انتهى الأمر . »
— أو : « ظلمت ، لكنني تصدقت . »
— أو : « أكلت مالًا حرامًا ، لكنني ذهبت إلى الحج . »
— أو : « قطعت رحمًا ، لكنني أكثرت من الأذكار . »
قال عمي منصور :
— وهنا يتحول الدين في ذهن الإنسان من منهج إصلاح إلى وسيلة لتسكين الضمير .
ثم نظر إلى حفيده وقال :
— وهذه من أخطر صور التدين الشكلي .
قال آدم :
— لكن يا جدي ، كيف أعرف أن عبادتي تُصلحني فعلًا ؟
ابتسم عمي منصور :
— لا تجعل نفسك قاضيًا على عبادتك ولا على عبادات الناس .
— ماذا أفعل إذن ؟
— راقب نفسك .
ثم قال :
— هل صلاتك تدفعك إلى الظلم أم تمنعك منه ؟
— هل صيامك يجعلك أكثر رحمة أم أكثر قسوة ؟
— هل ذكرك لله يجعلك أكثر تواضعًا أم أكثر غرورًا ؟
— هل حجك أو عمرتك يتركان فيك معنى جديدًا للأمانة والرحمة ؟
ثم أضاف :
— هذه أسئلة للتأمل ومحاسبة النفس ، لا أحكامًا نصدر بها على الناس .
كتب آدم :
« لا نحكم على قبول العبادة … لكننا نحاسب أنفسنا على أثرها في سلوكنا . »
أومأ عمي منصور :
— هذه هي العبارة التي أريدك أن تحتفظ بها .
ثم نظر إلى المسجد البعيد .
— الصلاة لا تحتاج إلى شهادة مني بأنها مقبولة ، ولا أنت تملك أن تمنحها هذه الشهادة لغيرك .
ثم قال :
— لكن الله نفسه أخبرنا عن غايات وآثار عظيمة للعبادات . قال :
﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾ .
ثم أضاف :
— فإذا كان الإنسان يكرر العبادة ، فعليه أن يسأل نفسه : ماذا صنعت هذه العبادة في داخلي ؟
سكت آدم .
ثم قال :
— جدي … ربما المشكلة ليست أن الناس لا يعرفون الدين .
— فما المشكلة ؟
— ربما يعرفونه بالكلمات ، لكنهم لا يعيشونه في الواقع .
ابتسم عمي منصور :
— وصلت إلى جوهر الحكاية .
ثم قال :
— بعض الناس يعرفون أن الأمانة واجبة ، لكنهم يخونون .
— يعرفون أن الكذب حرام ، لكنهم يكذبون .
— يعرفون أن أكل أموال الناس بالباطل حرام ، لكنهم يفعلون .
— يعرفون أن الظلم ظلمات ، لكنهم يظلمون .
ثم تنهد :
— وهنا يصبح التدين صورةً خارجية ، بينما الدين غائب عن القرار والسلوك .
قال آدم :
— ولهذا ينفر بعض الناس من الدين ؟
نظر عمي منصور إلى الأفق .
— هنا نصل إلى الجرح التالي يا بني .
— أي جرح ؟
قال :
— ليس كل من ابتعد عن الدين قد قرأه وفهمه ثم رفضه .
— ماذا تعني ؟
— بعض الناس لم يبتعدوا عن الدين نفسه … بل ابتعدوا عن صورة شوهها بعض المتدينين .
صمت آدم .
تابع عمي منصور :
— رأوا رجلًا يتحدث عن الرحمة ، ثم يقسو .
— ورأوا من يتحدث عن العدل ، ثم يداهن القوي ويشتد على الضعيف .
— ورأوا من يكثر من الكلام عن مخافة الله ، ثم لا يخاف الله في حقوق الناس .
— ورأوا من يرفع شعار الأخلاق ، ثم يسيء إلى الناس في الخفاء .
ثم قال :
— وعندما تتكرر هذه الصور ، قد يختلط على الإنسان الدين بأفعال بعض المتدينين .
قال آدم :
— وهذه كارثة .
— نعم .
ثم ابتسم عمي منصور :
— لكن علاجها ليس أن نهدم الدين بسبب أخطاء أهله .
— فما العلاج ؟
— أن نعيد بناء الجسر بين النص والسلوك .
— وكيف ؟
قال عمي منصور :
— بأن يرى الناس الدين في الصدق قبل الخطاب ، وفي الأمانة قبل الموعظة ، وفي العدل قبل المظهر ، وفي الرحمة قبل كثرة الكلام .
ثم أمسك مسبحته وقال :
— الدين الذي لا ينعكس على الإنسان في معاملته للناس يحتاج إلى أن نسأل أنفسنا : أين ضاعت الروح ؟
فتح آدم دفتره وكتب :
« لا تجعل أخطاء المتدينين حجابًا بين الناس والدين ، ولا تجعل الدين ستارًا لأخطاء المتدينين . »
قرأها عمي منصور .
ابتسم .
وقال :
— الآن يا آدم بدأنا نقترب من السؤال الأصعب .
— ما هو ؟
نظر عمي منصور إلى حفيده طويلًا .
— كيف نستعيد ثقة الإنسان في الدين ، بعدما شوّهتها الممارسة حين انفصلت عن جوهرها ؟
ثم عادت حبات المسبحة إلى الحركة .
حبة …
ثم حبة …
وكان السؤال هذه المرة أثقل من كل الأسئلة السابقة .
📌🌿 تنويه للمتابعين
نلتقي معكم إن شاء الله في الجزء الخامس والاخير [ الفصلان 9 و 10 ] ، لنكمل رحلتنا الحوارية ، ونبحث في :
كيفية إعادة بناء الجسور ؟ ... وحين يصبح الدين حياة .
( يتبع.. ) 🌿📖
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.