غصن عاق وحكمة الشجرة
رواية

غصن عاق وحكمة الشجرة

18 جوان 2026224 مشاهدة6 دقائق للقراءة

🔴 رواية قصيرة 👇 🌿 غصن عاق وحكمة الشجرة 🖋️ بقلم : عبد المجيد قناوي 🏡 من سلسلة حكايات عمي منصور ... ليست هذه الرواية سيرةً لشخص بعينه ، ولا حكايةً عن حادثةٍ محددة ، وإنما هي وقفة تأمل في معنى الوفاء ، ذلك الخلق الذي تتجذر به العلاقات الإنسانية وتسمو به النفوس . وقد وجدتُ في شخصية أستاذي « الدكتور عبد القادر فارس » مثالًا للمعلم الذي يترك أثره في تلامذته سنوات طويلة بعد انقضاء زمن الدراسة ، فكانت هذه الرواية تحيةً رمزية لكل معلمٍ غرس بذرة خير ، ولكل تلميذٍ حفظ الجميل لمن علّمه حرفًا . أما الشجرة في هذه الحكاية ، فليست شجرة زيتون فحسب ، بل رمزٌ للجذور التي تمنحنا الثبات ، وللأيادي التي صنعت بداياتنا ، وللقيم التي تبقى حيةً مهما تعاقبت عليها السنون . 🔴 رواية قصيرة 👇 🌿 غصن عاق وحكمة الشجرة 🖋️ بقلم : عبد المجيد قناوي

🌿 غصن عاق وحكمة الشجرة 

  🌿 بطاقة وفاء

إلى الأستاذ الدكتور عبد القادر فارس ...

إلى الشجرة التي علّمتنا أن العلم عطاء ، وأن التواضع زينة العلماء ، وأن الكلمة الطيبة تبقى حيّة في القلوب بعد سنين طويلة .

هذه الرواية غصن من غِراسك ، وثمرة من ثمار البذور التي غرستها يومًا في عقول تلاميذك ، فما زالت تنبت معرفةً ووفاءً بعد مرور السنين .

نردّ إليك بعض الجميل وفاءً وامتنانًا ، وما أوتينا من وفاء فلن يفي حقّك .

دمتَ معلّمًا يُقتدى به ، وأثرًا طيبًا لا يزول🌳✨

ــــــــــــــــــــــــــــ

" إلى كل معلمٍ ترك أثرًا طيبًا في نفس تلميذ ، وإلى كل تلميذٍ حفظ الجميل لمن علّمه حرفًا ."

ــــــــــــــــــــــــــــ

✨ غصن عاق وحكمة الشجرة


رواية فلسفية قصيرة من حكايات عمي منصور
✍️ بقلم : عبد المجيد ڨناوي

                

     🌿 مقدمة :
    في حضرة الجذور

لم يكن منصور يومًا عاقًا ...

كيف يعقُّ من علّمه معنى الوفاء ، وهو الذي سقى جذور المحبة بدمعه ، وأسند جذع الشجرة بقلبه ، وبقي واقفًا كالجبل على حافة العواصف يحرسها من الانكسار ؟

كان يدرك أن الشجرة لا تُقاس بما يبدو من أغصانها ، بل بما تخفيه جذورها في أعماق الأرض .

أما ذلك الغصن ...

فقد كان يومًا غضًّا يانعًا ، يرقص فرحًا فوق هامتها ، ويستظل بحكمتها ، ويرتوي من خيرها .

لكنّه حين طال به المقام بين الرياح ، ظنّ أن ارتفاعه صنعه وحده ، فنسي الأصل الذي حمله ، وتنكّر للجذر الذي غذّاه .

ومع أول عاصفة حقيقية ، اكتشف متأخرًا أن ما كان يراه قيدًا كان في الحقيقة سندًا ، وأن ما ظنه ضعفًا كان مصدر قوته .

أما الشجرة ، فبقيت واقفة كما كانت ...

لا تنتقم ممن جفاها ، ولا تمنع ظلها عمّن أنكر فضلها .

لأن الأشجار العظيمة لا تتوقف عن العطاء ، حتى حين تخذلها بعض الأغصان .

             

🌒 المشهد الأول
 مجلس عمي منصور

قبل الغروب ... جلسة الأسرار

في زاوية هادئة من الريف العتيق ، وتحت ظلال شجرة زيتون معمّرة ، جلس عمي منصور على حصير من سعف النخيل يحتسي كأس شاي بالنعناع ، ويراقب الشمس وهي تمضي ببطء نحو الأفق ، كأنها تودع يومًا آخر من عمر الدنيا .

كان النسيم يداعب لحيته البيضاء ، فيما أخذت أصوات العصافير تخفت شيئًا فشيئًا استعدادًا للمساء .

إلى جواره جلس حفيده آدم ، شاب يافع يحمل في عينيه ذكاءً متقدًا ، غير أن شيئًا من الحيرة كان يثقل ملامحه في تلك الأمسية .

لاحظ عمي منصور شروده ، فابتسم وقال :

ــ أرى في عينيك سؤالًا أكبر من عمرك يا آدم ... فما الذي يشغل بالك ؟

تنهد آدم وقال :

ــ اليوم في الجامعة حدث أمر أقلقني يا جدي .

ــ خيرًا إن شاء الله .

ــ أحد زملائي وقف يهاجم أستاذنا أمام الطلبة ، واتهمه بأن أفكاره أصبحت قديمة ، وأن زمنه قد انتهى .

صمت قليلًا ، ثم أضاف :

ــ والغريب أن هذا الأستاذ هو أكثر الناس الذين دعموه وشجعوه في سنواته الأولى .

هزّ عمي منصور رأسه ببطء وقال :

ــ آه يا بني ...

أحيانًا ينسى الظل الشجرة التي منحته الوجود .

ثم أشار إلى الزيتونة العتيقة فوقهما :

ــ انظر إلى هذه الشجرة ... كم غصنًا رعته ؟ وكم ورقة حملت ؟ ومع ذلك ، ليس كل غصن يتذكر الجذر الذي غذّاه .

رفع آدم بصره نحو الأغصان المتشابكة ، وكأن كلمات جده بدأت تنسج أمامه حكاية أخرى خلف الحكاية التي رواها .

                

🌒 المشهد الثاني
    شجرة الحكمة

ساد صمت قصير لم يقطعه سوى حفيف الأوراق .

ثم قال آدم :

ــ ولكن يا جدي ، أليس من الفطرة أن يحفظ الإنسان الجميل لمن أحسن إليه ؟

ابتسم عمي منصور وقال :

ــ بلى يا بني ، لكن الناس ليسوا سواء .

هناك من يحمل الوفاء في قلبه ما دام حيًّا ، وهناك من يظن أن الاعتراف بالفضل ينتقص من مكانته ، فيحاول أن يبني مجده على أنقاض من أحسنوا إليه .

وأشار إلى جذع الزيتونة :

ــ هذه الشجرة جامعة بلا جدران .

الجذور فيها كالآباء والمعلمين ، والأغصان كالأبناء والتلاميذ .

فإذا أنكر الغصن جذره ، فما الذي يبقيه حيًّا ؟

ــ وماذا يحدث له ؟

ــ تتركه الحياة ليتعلم الدرس بنفسه .

قد يحمل الغرور صاحبه عاليًا لبعض الوقت ، لكنه لا يمنحه جذورًا .

وحين تأتي أول ريح قوية ، يكتشف أنه كان يقف فوق أرض رخوة .

أما من بقي وفيًّا لأصله ، فإن العواصف تزيده ثباتًا لا ضعفًا .

                 

🌒 المشهد الثالث
   الرياح العاصفة

أطرق آدم برأسه مليًّا ، ثم قال :

ــ إذن فالمشكلة ليست في العلم ، بل في النفس التي تحمل العلم ؟

ابتسم عمي منصور :

ــ أحسنت يا بني .

العلم نور ، لكن النفس المتكبرة قد تحوّله إلى دخان يحجب الرؤية .

كم من عالم رفعه علمه بتواضعه !

وكم من متعلم أسقطه غروره !

إن أخطر ما يصيب الإنسان أن يظن أنه وصل وحده ، وأنه لم يكن بحاجة إلى أحد في رحلته .

فالطريق الذي أوصله إلى القمة صنعته أيدٍ كثيرة ، وقلوب كثيرة ، ودعوات صادقة لا يعلمها إلا الله .

               

🌒 المشهد الرابع
    لحظة الوعي

ظل آدم صامتًا للحظات ، يتأمل ورقة سقطت بين يديه من أعلى الشجرة .

أدارها بين أصابعه ، ثم سأل :

ــ وهل يمكن للغصن أن يعود بعد أن يخطئ ؟

ابتسم عمي منصور ابتسامة واسعة وقال :

ــ ما دام في القلب نبض ، فباب الرجوع مفتوح .

الخطأ لا يهلك الإنسان ، وإنما الإصرار عليه .

والغصن الذي يعترف بخطئه يعود أقوى مما كان .

أما الذي يصر على الإنكار ، فإنه يجفّ من الداخل ولو بدا أخضر من الخارج .

ثم أضاف بصوت هادئ :

ــ يا بني ... من ينكر جذوره ، يجفّ قبل أن يعرف طعم الثمار .

في تلك اللحظة استقرت ورقة بيضاء في كف آدم ، فضمّها برفق ، وكأنها رسالة صغيرة حملتها إليه الشجرة نفسها .

                

🌒 المشهد الخامس والأخير
  📚 الوفاء في محفل العلم

وقع بصره على أستاذه القديم ، فارتدت إليه سنوات الدراسة دفعة واحدة .

كان يجلس في ركن هادئ يقلب صفحات كتاب ، وقد خطّ الشيب رأسه ، لكن الوقار ما زال يحيط به كما يحيط الظل بالشجرة .

اقترب آدم وصافحه بحرارة ، ثم قال :

ــ يا أستاذي ...

رأيت في حياتي أسماء كثيرة لامعة ، لكن قليلين هم الذين يتذكرون من أشعل لهم أول مصباح في الطريق .

لقد تعلمت منك أكثر مما تعلمت من الكتب .

وتعلمت من جدي أن الاعتراف بالفضل لا ينقص الإنسان ، بل يزيده رفعة .

نظر الأستاذ إليه طويلًا ، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة امتنان وقال :

ــ يا بني ...

الثمرة الطيبة هي أعظم مكافأة ينالها المزارع .

ويكفيني أن أراك اليوم تحمل هذا الوفاء في قلبك .

أما عمي منصور ، فاكتفى بابتسامة هادئة وهو يرفع بصره نحو السماء .

وفي تلك اللحظة أدرك آدم أن الشجرة التي حدثه عنها جده لم تكن مجرد شجرة زيتون ...

بل كانت رمزًا لكل أب صالح ، ومعلم مخلص ، وإنسان ترك أثرًا جميلًا في حياة الآخرين .

                 

✨ عبرة الحكاية

قد ينسى بعض الناس اليد التي رفعتهم ، وقد ينكرون الظل الذي آواهم يومًا .

لكن الجذور الصادقة تبقى راسخة في الأرض ، لا تهزها العواصف ، ولا تقتلعها الرياح .

ومن عرف فضل من علّمه ، وحفظ الجميل لمن أحسن إليه ، عاش كريم النفس ، ثابت الخطى ، طيب الأثر .

فالأشجار العظيمة لا تُعرف بطول أغصانها ، بل بعمق جذورها .

🌿 ومن كان وفيًّا لأصله ، بقي أخضر القلب مهما تعاقبت عليه فصول الحياة ، لأن الأشجار التي تحفظ جذورها لا تخشى الرياح .

✨🌳📖 نهاية الحكاية 📖🌳                        

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر