📘 دمعةُ المربّي وعَرْشُ العقول
رواية

📘 دمعةُ المربّي وعَرْشُ العقول

8 أكتوبر 2026282 مشاهدة16 دقائق للقراءة

🌿 دمعةُ المربّي وعَرْشُ العقول 🌿 تأليف : عبد المجيد قناوي ✍️ 📖 حين يغادر المعلم القسم ، قد يُغلق الباب وراءه ، لكن أثره يظل حيّاً في العقول والقلوب لا يعرف التقاعد . هذه الرواية ليست مجرد حكاية عن أستاذ وتلميذ ، بل هي رحلة وفاء في سلسلة « حكايات عمي منصور وحفيده آدم » ، توثق لحظة نادرة التقت فيها دموع العرفان بثماره ؛ حين يعود التلميذ بعد عقود ليضع كتبه وثمرة جهده بين يدي مربيه الأول ، مستذكراً يداً امتدت إليه حين ضاقت به سبل المستقبل . إنه إجلال لكل معلّم أدرك أن عظمته ليست في منصب يزول ، بل في عرشٍ يبنيه في الوجدان الإنساني للأجيال .

🌿 دمعةُ المربّي وعَرْشُ العقول

📖 من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم

✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي

​🕊️ ​إهداء عام :

​إلى ذلك المربي الذي لم يكن معلماً في مادة فقط ، بل كان معلماً في الطريق .

إلى الأستاذ الذي جاء من زمن الصبر، وواصل رسالته في التربية والتعليم، معلماً ، ومربياً ، ومديراً ، وصاحب أثر في أجيال من التلاميذ .

​إلى الرجل الذي التقى به عمي منصور في محطات مختلفة من حياته :

مرةً وهو تلميذ يتعلم ، ومرةً وهو شاب يواجه مستقبلاً مجهولاً ويحتاج إلى من يمسك بيده ، ومرةً وهو مسؤول يتحمل أمانة أمام الناس ، ومرةً وهو موظف يواجه تقلبات الزمن ، ومرةً أخيرة وهو كاتب يحمل بين يديه ثمرة رحلة طويلة ، ويضع كتبه في يد أستاذه .

​إليها وإلى كل المعلمين والمربين :

قد لا تُنصب لكم تماثيل في الساحات ، وقد لا تحملون أوسمة برّاقة ، وقد تنتهي سنوات الخدمة ويُغلق باب القسم خلفكم.. لكن ما زرعتموه في العقول لا يعرف التقاعد ، وما غرسـتموه في القلوب لا تمحوه السنون .

​سلامٌ على من علّموا.. سلامٌ على من ربّوا.. وسلامٌ على دمعة المربي حين يرى بعد سنوات أن بذوره أثمرت ، وأن عمره لم يذهب سدى .

.

🕊️ إهداء خاص

إلى مربٍّ استثنائي

إلى أستاذي ومربيّ الفاضل ، السيد بوراس صادق ، « سي صادق » ، المعروف بين محبيه وتلاميذه بلقب « بحتوشي » .

إلى رجلٍ لم يكن يوماً مجرد أستاذ يدخل القسم ليؤدي درساً ثم ينصرف .

بل كان من أولئك الرجال الذين حملوا التربية رسالة ، والتعليم أمانة ، وكرامة الإنسان قيمة لا تُقدّر بثمن .

من أقسام اللغة الإنجليزية ، إلى إدارة المتوسطة ، ثم إلى استقبال أولى دفعات الثانوية الجديدة ، ظللتَ حاضراً في كل محطة بروح المربي ، وهيبة الأستاذ ، وصبر المعلم ، وحنان الأب .

كنتَ ترى في التلميذ إنساناً قبل أن تراه اسماً في سجل الحضور ، وكنتَ تؤمن أن التعليم لا ينتهي عند حدود السبورة ، وأن الكلمة الصادقة قد تفتح أمام شاب حائراً باباً لم يكن يراه .

وحين خرجتُ من الجامعة حاملاً شهادتي ، ولم أكن أعرف تماماً أين يأخذني المستقبل ، كنتَ ممن أمسكوا بيدي بالكلمة والنصيحة ، وأعانوني على ألا أجعل غموض الطريق سبباً للاستسلام .

مرت السنوات .

تغيّرت المسؤوليات .

وتبدلت المواقع .

وعادت الحياة فجمعتنا أكثر من مرة ، حتى جاء ذلك اللقاء العفوي في مسجد المدينة ، حيث لم تكن بين يديّ هدية ثمينة أقدمها لك ، سوى بعض الكتب التي كتبتها بعد رحلة طويلة مع الحياة والفكر .

ناولتك مؤلفاتي .

فلم تكن بالنسبة إليّ مجرد كتب .

كانت ثمرة بذرة زرعتها في زمن بعيد .

وكان اسمك ، وإن لم يظهر على أغلفتها ، حاضراً في بعض صفحات الطريق الذي أوصلني إليها .

وحين التقت عيوننا ، سبقت الدموع الكلام .

لم تكن دموع حزن .

كانت دموع عمرٍ عاد إلى صاحبه دفعة واحدة .

دموع معلّم رأى بعض ثمرة ما غرس .

ودموع تلميذ لم ينسَ اليد التي أمسكت به عندما كان يبحث عن الطريق .

أستاذي « سي صادق » « بحتوشي » ...

هذه الكلمات ليست شكراً عابراً .

إنها تحية وفاء من تلميذ إلى معلّمه .

فقد يكبر التلميذ ، وتتغير مهنته ، وتختلف مسؤولياته ، ويكتب الكتب ، ويترك شيئاً من أثره في الحياة .

لكنه يظل ، في زاوية عميقة من قلبه ، ذلك التلميذ الذي يتذكر معلماً قال له يوماً :

واصل ... لا تيأس ... فربما لم يُفتح لك الباب الذي تريده ، لأن الحياة تعدّك لباب آخر .

لك مني ، أستاذي ومربيّ ، كل الاحترام والتقدير ، وكل التحية الخارجة من القلب .

وأسأل الله أن يحفظك ، ويبارك في عمرك ، وأن يجعل ما غرسته في أجيال من التلاميذ صدقةً جاريةً في ميزانك .

دمتَ معلماً في الذاكرة ، ومربياً في الوجدان ، وتاجاً على عرش العقول .

✍️ تلميذك : عبد المجيد ڨناوي

.

Hommage Particulier

​À l’Éducateur d’Exception : Monsieur BOURAS Sadek

(L'Enseignant et l'Homme de valeur, affectueusement connu sous le nom de « Bahtouchi »)

​À l’Éducateur d’Exception : Monsieur BOURAS Sadek
(L'Enseignant et l'Homme de valeur, affectueusement connu sous le nom de « Bahtoutchi »)

, ​Mon Cher Maître
Vous n’avez jamais été un simple enseignant dispensant son cours avant de s'en aller. Vous faites partie de ces rares hommes qui ont porté l’éducation comme une vocation, l’enseignement comme un sacerdoce, et la dignité humaine comme une valeur inestimable
​Des classes de langue anglaise à la direction du collège, jusqu'à l’accueil des toutes premières promotions du nouveau lycée... Vous avez toujours répondu présent avec la prestance de l'éducateur, la patience du maître et la bienveillance du père
​Ces écrits et ces ouvrages ne sont aujourd'hui que le fruit de la graine que vous avez semée jadis avec tant de dévouement
​Respect et salutations du cœur à notre cher Maître « Si Sadek » (Bahtouchi)
Puisse votre empreinte demeurer un symbole de fidélité et une couronne sur le trône des esprits

🌿 كلمة المؤلف

من صورةٍ عابرة... وُلدت هذه الحكاية

هذه الصورة لم تكن بالنسبة إليّ مجرد صورة تذكارية من مناسبة تكريم .

كانت لحظةً أعادت إلى الذاكرة سنوات طويلة من التربية والتعليم ، وفتحت باباً على علاقة إنسانية لا تختصرها سنوات الدراسة ، ولا تنتهي بانتهاء القسم .

فيها رأيت دمعة مربٍّ ، ورأيت حوله وجوهاً تحمل كلٌّ منها جزءاً من ذاكرة قديمة .

ومن تلك اللحظة ، عادت إليّ حكاية أستاذٍ لم يكن معلماً في مادة فقط ، بل كان معلماً في الطريق .

تذكرتُ مواقف ، وكلمات ، ومحطات من عمرٍ مضى . وتذكرت شاباً كان يحمل شهادةً جامعية ولا يعرف تماماً إلى أين يأخذه المستقبل ، وتذكرت معلماً لم يمنحه طريقاً جاهزاً ، لكنه منحه شيئاً قد يكون أثمن من الطريق نفسه : كلمةً تمنع اليأس من أن يكون نهاية الحكاية .

ثم عادت بي الذاكرة إلى سنوات أخرى ، حين كبر التلميذ ، وتغيّرت مسؤولياته ، وتعددت محطات حياته ، حتى جاء ذلك اللقاء الذي حمل فيه بعض مؤلفاته ، ووضعها بين يدي أستاذه .

هناك ، لم تكن الكتب مجرد كتب .

كانت ثمرة رحلة طويلة .

وكانت الدموع أبلغ من الكلام .

دمعة معلّم رأى بعض ما زرعه وقد أثمر ، ودمعة تلميذ لم ينسَ اليد التي أمسكت به عندما كان يبحث عن الطريق .

ومن هذه الصورة ، ومن تلك الذاكرة ، بدأت هذه الحكاية تتشكل في داخلي ، حتى أصبحت رواية من سلسلة « حكايات عمي منصور وحفيده آدم » .

ولأن الأدب لا ينقل الذاكرة كما هي دائماً ، بل يعيد تشكيلها ليكشف ما وراءها من معنى ، فقد صغت هذه الحكاية في قالب أدبي ، وجعلت عمي منصور وآدم مساحةً للحوار والتأمل ، حتى تتحول الذكرى الخاصة إلى معنى أوسع :

أن المربي قد يغادر القسم ، لكنه لا يغادر الإنسان .

وقد ينسى التلميذ كثيراً مما قيل له في سنوات الدراسة ، لكنه قد يحمل معه إلى آخر العمر كلمةً صادقة ، أو موقفاً نبيلاً ، أو يداً امتدت إليه في الوقت الذي كان فيه بأمسّ الحاجة إليها .

لهذا ، فإن « دمعةُ المربّي وعَرْشُ العقول » ليست مجرد حكاية عن أستاذ وتلميذ .

إنها تحية وفاء لكل مربٍّ أدرك أن مهمته لا تنتهي عند حدود السبورة ، وأن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله ليس اسماً على جدار ، ولا وساماً في خزانة ، بل أثراً حياً في عقل إنسان وقلبه .

أما تلك الصورة ، فستظل بالنسبة إليّ أكثر من صورة .

إنها اللحظة التي أعادت العمر إلى الذاكرة ، وأعادت الذاكرة إلى الحكاية ، وأعادت الحكاية إلى الكتاب .

ومن دمعةٍ واحدة... وُلدت هذه الرواية .

✍️ عبد المجيد ڨناوي

.

🌿 دمعةُ المربّي وعَرْشُ العقول

📖 من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم

✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي

🌿 الفصل الأول :

الصورة التي أعادت العمر

كان آدم يجلس إلى جوار عمي منصور تحت شجرة الليمون .

كان المساء هادئاً ، وكوب الشاي بين يديهما يرسل بخاره في الهواء .

أخرج آدم هاتفه ، وقال :

- جدي ، انظر إلى هذه الصورة .

مدّ عمي منصور يده ، ونظر إلى الصورة .

ثم توقف .

لم يقل شيئاً .

كان في الصورة رجلٌ مسنّ ، تحيط به مجموعة من الرجال . بعضهم يحتضنه ، وبعضهم يضع يده على كتفه ، وآخرون يبتسمون له ، بينما كان هو يمسح دموعه .

ظل عمي منصور ينظر طويلاً .

ثم قال بهدوء :

- هذا الرجل أعرفه أكثر مما تظن .

سكت قليلاً ، ثم أضاف :

- هذا ليس مجرد أستاذ .

قال آدم :

- وماذا يكون إذن ؟

ابتسم عمي منصور .

- بعض المعلمين تنتهي علاقتك بهم عندما تنتهي آخر حصة .

ثم نظر إلى الصورة مرة أخرى وقال :

- أما بعضهم ، فيبقى معك حتى بعد أن تغادر المدرسة ؛ لأنك لا تحمل منه الدرس فقط ، بل تحمل شيئاً من روحه .

سكت آدم .

فقد شعر أن وراء الصورة حكاية طويلة .

🌱 الفصل الثاني :

معلم جاء من زمن الصبر

كان هذا المربي قد جاء من جيل عرف التعليم في زمن مختلف .

درس في المدارس الفرنسية خلال فترة الاحتلال ، ثم واصل رسالته بعد الاستقلال ، مؤمناً بأن التعليم ليس حفظاً للكلمات فقط ، وإنما بناءٌ للإنسان .

عمل أستاذاً للغات الحية ، وكانت اللغة الإنجليزية مادته التي أحبها وعلّمها لأجيال من التلاميذ .

ثم أصبح مديراً لمتوسطة .

لكن الإدارة لم تأخذ منه روح المعلم .

ظل قريباً من التلاميذ ، قريباً من الأساتذة ، يحمل همّ المؤسسة ، ويؤمن أن المدرسة ليست جدراناً ومقاعد وملفات .

كانت بالنسبة إليه مكاناً تُبنى فيه العقول ، وتتشكّل فيه شخصيات الغد .

ثم جاءت مرحلة أخرى .

انتقلت دفعة من التلاميذ إلى أول ثانوية أُنشئت في المدينة .

وكان منصور واحداً منهم .

وهناك كان الأستاذ حاضراً مرة أخرى .

لم يكن دوره مجرد تدريس مادته ، بل شارك في إدارة وتسيير الثانوية الجديدة ، وظل في الوقت نفسه أستاذاً .

كان يبني مؤسسة جديدة ، ويصنع مع تلاميذه بداية جديدة .

وكان يعرف أن بناء الصروح التعليمية لا يكون بالجدران وحدها ، بل بالرجال الذين يؤمنون بالرسالة .

🎓 الفصل الثالث :

حين يتغشّى الضباب

مرت السنوات .

كبر التلميذ .

وجاء يوم أنهى فيه منصور دراسته الجامعية .

خرج من الجامعة بشهادة في يده ، وبمستقبل لا يعرف شكله .

كان يسأل نفسه :

ماذا بعد ؟

أين الطريق ؟

هل أواصل الدراسة ؟

أم أبحث عن منصب عمل ؟

ومتى يأتي ذلك المنصب ؟

كان المستقبل أمامه واسعاً ، لكنه كان غامضاً .

وفي تلك الأيام ، قد تكون الشهادة في يد الشاب مثل مفتاح جميل ، لكنه لا يعرف أي باب سيفتح .

كان منصور يحتاج إلى من يمسك بيده .

لا ليحمل عنه الطريق ، بل ليمنعه من السقوط في بؤرة اليأس .

وهنا عاد الأستاذ إلى حياته .

لم يكن يملك وظيفة جاهزة .

ولم يكن يحمل عصاً سحرية تفتح أبواب المستقبل .

لكنه كان يملك شيئاً ربما كان أهم من ذلك كله :

كلمة في وقتها .

جلس معه .

استمع إليه .

لم يسخر من حيرته ، ولم يقل له كلاماً مريحاً ينتهي بانتهاء اللقاء .

ثم قال له ، بنبرة هادئة ، وكأنه يعرف أن بعض الكلمات إذا قيلت في الوقت المناسب ، قد تغيّر طريقة الإنسان في النظر إلى حياته :

  • يا بني ، لا تجعل تأخر الفتح يجعلك تظن أن الطريق انتهى .

إن لم تجد الباب مفتوحاً ، فواصل التعلم .

وإن تأخر العمل ، فلا تجعل الانتظار يأكل ثقتك بنفسك .

وإن طال الطريق ، فاصبر .

فقد يكون الطريق الذي تظنه تأخراً ، هو الذي يعدّك لما سيأتي .

ثم ابتسم الأستاذ وقال له ، وكأنه أراد أن يخفف عنه ثقل التفكير :

  • لا تُحمّل نفسك أكثر مما تحتمل .

كان منصور ينظر إليه بصمت .

فأضاف الأستاذ ، وهو يبتسم :

  • نحن أحياناً نُخيف أبناءنا من المستقبل قبل أن يأتي .

ثم قال عبارته التي بقيت عالقة في ذاكرة منصور :

« Il ne faut pas trop traumatiser . »

لا ينبغي أن نُثقِل على الإنسان بالخوف أكثر مما يحتمل .

ثم أردف :

  • يا بني ، الحياة فيها ما يكفي من المفاجآت .

فلا نزيدها على أنفسنا بالخوف قبل وقوعها .

تعلم أن تنتظر ، وأن تبحث ، وأن تحاول .

ولا تجعل كل تأخر في حياتك يبدو لك وكأنه نهاية .

فبعض الأبواب لا تُفتح في الوقت الذي نريده ، لكنها قد تُفتح عندما نكون أكثر استعداداً للدخول .

كانت كلمات بسيطة .

لكن منصور كان يحتاج إليها في ذلك الوقت بالذات .

وبعض الكلمات لا تدخل الأذن فقط .

بعض الكلمات تستقر في أعمق نقطة من الصدر ، ثم تبقى هناك سنوات طويلة .

ولم يكن منصور يومها يعرف أن تلك العبارة الصغيرة ، التي قالها أستاذه ببساطة :

« Il ne faut pas trop traumatiser »

ستبقى معه زمناً طويلاً .

كلما واجه شاباً خائفاً من المستقبل ، أو رأى إنساناً يحمّل نفسه فوق طاقتها ،كان يتذكر أستاذه .

ويبتسم .

ثم يقول في نفسه :

ربما لا يحتاج الإنسان دائماً إلى من يعطيه الحل .

أحياناً يحتاج فقط إلى من يمنعه من أن يخاف من الطريق قبل أن يبدأه .

🌿 الفصل الرابع :

التلميذ في معترك الحياة

مرت الأيام .

وجد منصور طريقه .

دخل الحياة العملية ، وتحمل مسؤوليات متعددة .

وفي مرحلة من حياته ، أصبح مسؤولاً منتخباً محلياً .

وهناك التقى أستاذه مرة أخرى .

لكن شيئاً كان قد تغير .

لم يعد منصور ذلك الشاب الذي جاءه يوماً حائراً في مستقبله .

كان الآن رجلاً يتحمل مسؤولية أمام الناس .

وكان الأستاذ يرى تلميذه القديم في موقع جديد .

ثم دارت عجلة الأيام مرة أخرى .

وحُلّت المجالس المنتخبة .

وعادت أشياء كثيرة إلى مسارات أخرى .

بقي منصور موظفاً ، واستمرت الحياة .

ثم جاء لقاء جديد مع أستاذه ، ولكن هذه المرة في مرحلة من المسؤولية المحلية ضمن المندوبية التنفيذية .

كان منصور مستشاراً ، ثم تحمل مسؤولية لجنة الشباب .

كان الزمن قد دار دورة طويلة .

الشاب الذي كان يسأل ذات يوم :

« ماذا سأفعل بمستقبلي ؟ »

أصبح الآن معنياً بمستقبل الشباب أنفسهم .

وربما كان ذلك أحد أجمل الدروس التي لا تُكتب في الكتب :

أن اليد التي أمسكت بك يوماً ، قد تصبح أنت نفسك اليد التي تمتد بها إلى غيرك .

🌿 الفصل الخامس :

درس لا يعرفه المنصب

في كل تلك المراحل ، بقي شيء واحد ثابتاً في ذاكرة منصور .

كلمات الأستاذ .

كان قد تعلّم منه أن الإنسان أكبر من منصبه .

وأن الوظيفة قد تأتي وقد تذهب .

وأن المسؤولية قد تُعطى للإنسان اليوم ، ثم تُسحب منه غداً .

لكن العلم ، والصبر ، والعمل ، وما يبنيه الإنسان في نفسه ، لا تستطيع الظروف أن تنتزعه منه بسهولة .

وكان منصور كلما مرّ بمرحلة صعبة ، يتذكر ذلك الصوت القديم :

- لا تجعل الانتظار يأكل ثقتك بنفسك .

وربما لم يكن الأستاذ يعرف أن جملة قالها يوماً لتلميذه سترافقه كل هذه السنوات .

📚 الفصل السادس :

حين عاد التلميذ بثمرته

مرت السنوات .

وتغيرت حياة منصور مرة أخرى .

انتقل إلى العاصمة .

واقترب أكثر من عالم الكتابة والتأليف .

بدأ يكتب .

ثم نشر .

ثم أصبحت بين يديه مؤلفات تحمل اسمه .

وكان يمكن لهذه الكتب أن تكون مجرد إنجاز شخصي .

لكن منصور لم يرها كذلك .

عندما نظر إليها ، تذكر الرجل الذي وقف معه في بداية الطريق .

تذكر الشاب الذي كان يحمل شهادة ولا يعرف ماذا ينتظره .

وتذكر اليد التي لم تدفعه إلى طريق محدد ، لكنها منعته من السقوط .

قال في نفسه :

هذه الكتب يجب أن تصل إليه .

لم يكن يريد أن يقول لأستاذه :

« انظر ماذا أصبحت . »

بل أراد أن يقول له :

« انظر ماذا فعلت تلك البذرة التي زرعتها ذات يوم . »

وهكذا احتفظ بمجموعة من مؤلفاته ، منتظراً فرصة يضعها فيها بين يدي أستاذه .

🕌 الفصل السابع :

دموع عند أعتاب الوفاء

ولم يكن اللقاء هذه المرة مرتباً له .

جاء عفوياً .

وفي مكان تسوده السكينة .

في مسجد المدينة .

التقى منصور بأستاذه .

تبادل الرجلان السلام .

ثم أخرج منصور كتبه .

ناولها للأستاذ .

أخذ الأستاذ أحدها .

نظر إلى الغلاف .

ثم إلى اسم المؤلف .

وتوقف .

لم يتكلم .

وكأن الاسم أعاده عقوداً إلى الوراء .

إلى القسم .

إلى السبورة .

إلى اللغة الإنجليزية .

إلى المتوسطة .

إلى الثانوية الجديدة .

إلى ذلك الشاب الذي كان يبحث عن طريقه بعد الجامعة .

إلى جلسة قديمة قال له فيها :

« اصبر ... واصل ... لا تجعل اليأس يهزمك . »

رفع الأستاذ عينيه .

وكانت الدموع قد سبقت الكلام .

اقترب منصور منه .

فوجد نفسه يبكي هو الآخر .

لم تكن دموع ضعف .

كانت دموع عمرين التقيا في لحظة وفاء .

دموع أستاذ يرى ثمرة بذرة زرعها قبل سنوات طويلة .

ودموع تلميذ يتذكر اليد التي امتدت إليه عندما كان في أشد الحاجة إليها .

قال الأستاذ بصوت خافت :

- كبرت يا منصور .

ابتسم منصور والدموع في عينيه ، وقال :

- بفضل الله ، ثم بفضل غراسكم .

هزّ الأستاذ رأسه .

وكأن الكلمات لم تعد تكفي .

فبعض اللقاءات لا تحتاج إلى حديث طويل .

يكفي فيها أن تتكلم الدموع .

💧 الفصل الثامن :

حين تتكلم الدموع

عاد آدم ينظر إلى الصورة .

قال :

- جدي ، الآن فهمت لماذا كان يبكي .

ابتسم عمي منصور .

- ماذا فهمت ؟

قال آدم :

- لأنه رأى عمره كله في لحظة واحدة .

هزّ عمي منصور رأسه .

- نعم .

ثم أضاف :

- لكنه لم يرَ عمره وحده .

- ماذا رأى أيضاً ؟

قال عمي منصور :

- رأى أجيالاً .

رأى تلاميذ كبروا .

ورأى كلمات بقيت .

ورأى تعباً ظنه الناس ربما عادياً ، لكنه وجد ثماره بعد سنوات .

ثم سكت .

وقال :

- وأنا عندما رأيته يبكي ، لم أرَ الأستاذ الذي علّمني اللغة فقط .

رأيت الرجل الذي وقف معي عندما كنت شاباً لا أعرف ماذا ينتظرني .

رأيت من قال لي : واصل .

ومن جعلني أفهم أن الطريق قد يضيق ، لكن لا يجوز للإنسان أن يضيّق قلبه بالأمل .

🌳 الفصل التاسع :

عرش لا يُرى

قال آدم :

- جدي ، الآن فهمت معنى العرش .

ابتسم عمي منصور .

- أي عرش ؟

- عرش العقول .

نظر عمي منصور إلى الصورة .

وقال :

- نعم .

هذا الأستاذ لم يجلس على عرش من ذهب .

لكنه جلس في عقول تلاميذه وقلوبهم .

وهذا هو العرش الذي لا يحتاج إلى حُرّاس .

ولا تحميه الجدران .

ولا يسقط بانتهاء المناصب .

ثم أشار إلى الرجال الذين يحيطون بالأستاذ في الصورة .

وقال :

- انظر إليهم .

كل واحد منهم يحمل جزءاً من حكايته .

واحد يتذكر درساً .

وآخر يتذكر كلمة .

وثالث يتذكر موقفاً .

ورابع ربما لا يتذكر التفاصيل كلها ، لكنه يعرف أن رجلاً مرّ في حياته وترك فيها أثراً طيباً .

قال آدم :

- وهل هذا هو التكريم الحقيقي ؟

قال عمي منصور :

- نعم يا بني .

التكريم الحقيقي ليس ما يوضع في اليد .

بل ما يبقى في القلب .

ثم سكت عمي منصور قليلاً ، وأعاد نظره إلى الصورة .

يا بني ، قد ينسى الناس كثيراً مما قلته لهم ، وقد ينسون حتى اسم المادة التي درستها لهم . لكنهم لا ينسون دائماً الإنسان الذي جعلهم يؤمنون بأنفسهم .

ابتسم آدم ، وأعاد الهاتف إلى جيبه .

وبقيت الصورة أمامهما ، لا بوصفها صورة رجلٍ يكرّم ، بل بوصفها شاهداً على حقيقة بسيطة :

أن المربي قد يغادر القسم ، لكن أثره لا يغادر الإنسان .

🕊️ الإهداء الخالد

إلى ذلك المربي الذي لم يكن معلماً في مادة فقط ، بل كان معلماً في الطريق .

إلى الأستاذ الذي جاء من زمن الصبر ، وواصل رسالته في التربية والتعليم ، معلماً ، ومربياً ، ومديراً ، وصاحب أثر في أجيال من التلاميذ .

إلى الرجل الذي التقى به عمي منصور في محطات مختلفة من حياته :

مرةً وهو تلميذ يتعلم .

ومرةً وهو شاب يواجه مستقبلاً مجهولاً ويحتاج إلى من يمسك بيده .

ومرةً وهو مسؤول يتحمل أمانة أمام الناس .

ومرةً وهو موظف يواجه تقلبات الزمن .

ومرةً أخيرة وهو كاتب يحمل بين يديه ثمرة رحلة طويلة ، ويضع كتبه في يد أستاذه .

إليه :

لم تكن تلك الكتب مجرد مؤلفات .

كانت رسالة تلميذ إلى معلمه :

« لم أنسَ اليد التي أمسكت بيدي عندما كنت أبحث عن الطريق . »

وإلى كل المعلمين والمربين :

قد لا تُنصب لكم تماثيل في الساحات .

وقد لا تحملون أوسمة برّاقة .

وقد تنتهي سنوات الخدمة ، ويُغلق باب القسم خلفكم .

لكن ما زرعتموه في العقول لا يعرف التقاعد .

وما غرسـتموه في القلوب لا تمحوه السنون .

وما صنعتموه في الإنسان قد يظل حياً بعد أن تغيبوا .

سلامٌ على من علّموا .

سلامٌ على من ربّوا .

سلامٌ على من أمسكوا بأيدي اليائسين وقالوا لهم : واصلوا .

وسلامٌ على دمعة المربي حين يرى بعد سنوات أن بذوره أثمرت ، وأن عمره لم يذهب سدى .

فبعض الدموع ليست حزناً .

بعض الدموع شهادةٌ على أن العمر لم يذهب سدى .

🔚 نهاية الرواية

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

5 + 6 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.