
بين المستطيل الأخضر وخريطة العالم
📚 من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم ✍️ بقلم : الأستاذ عبد المجيد قناوي ⚽ « 90 دقيقة من الركض خلف الكرة ... أم سنوات من الركض خلف صناعة المجد ؟ » ماذا لو بدأت القصة بمنشور على الهاتف ؟ وماذا لو تحوّل غضب شاب متحمس لكرة القدم إلى رحلة بحث عن معنى أعمق للنجاح والوعي ؟ بين صخب المدرجات ، وضجيج مواقع التواصل الاجتماعي ، وأسئلة الشباب التي لا تنتهي ... يظهر " عمي منصور " بحكمته الهادئة ليطرح سؤالًا بسيطًا في كلماته ، عظيمًا في معناه : هل تنتهي المباراة عند صافرة الحكم ... أم أنها تبدأ بعدها ؟ رواية قصيرة تجمع بين متعة الحكاية ، وعمق الفكرة ، وخفة الحوار ، لتأخذ القارئ في رحلة من المستطيل الأخضر إلى آفاق أوسع من التفكير والبناء وصناعة المستقبل . 📖 « بين المستطيل الأخضر وخريطة العالم » لأن بعض المباريات تدوم تسعين دقيقة فقط ... أما بعض الدروس فتبقى مع الإنسان مدى الحياة .
✒️رواية قصيرة : بين المستطيل الأخضر وخريطة العالم
📖 الفصل الأول : منشور أشعل الهاتف
كان المساء هادئًا ، والنسيم يتسلل من نافذة البيت القديمة . جلس عمي منصور في شرفته المعتادة يحتسي كأس شاي بالنعناع ، بينما كان حفيده آدم منغمسًا في هاتفه ، يضغط على الشاشة بعصبية كأنه يخوض معركة حقيقية .
رفع عمي منصور رأسه وقال مبتسمًا :
— ما بك يا آدم ؟ أراك اليوم أشد غضبًا من مدافع في نهائي كأس العالم !
تنهد آدم وقال :
— يا جدي ، لاعب المنتخب الجزائري إبراهيم مازة نشر تعليقًا قال فيه بكل عفوية : " إن شاء الله نربحو ميسي " ، فأثار التعليق موجة من السخرية والغضب لدى بعض المشجعين هناك ، وانهالت عليه تعليقات مسيئة . وبعضهم لم يكتفِ بالتعليق على المباراة ، بل شتم الإسلام والمسلمين ، واستهزأ بكلمة " إن شاء الله " بكلام لا يليق . والله لقد أغضبني الأمر كثيرًا .
وضع عمي منصور كأس الشاي جانبًا وسأل بهدوء :
— وهل تعرف هؤلاء الذين كتبوا تلك التعليقات ؟
— لا .
— وهل يمثلون شعب الأرجنتين كله ؟
تردد آدم قليلاً ثم قال :
— ربما لا ... لكن كلامهم مستفز .
هز عمي منصور رأسه وقال :
— الغضب للدين أمر محمود يا بني ، لكن لا تجعل بضعة حسابات مجهولة تقود مشاعرك حيث تريد . فكم من إنسان يكتب كلمة ثم ينام ، بينما يظل غيره غاضبًا بسببها أيامًا طويلة .
سكت آدم قليلاً .
أما عمي منصور فدار في نفسه خاطر قديم : " لقد أصبحت المعارك اليوم تبدأ بضغطة إصبع ، وتنتهي بآلاف الخصومات . "
ثم قال :
— شجع الجزائر كما تشاء ، وتمنَّ لها الفوز ، لكن لا تجعل كرامة أمة كاملة معلقة بهدف أو ركلة جزاء .
📖 الفصل الثاني : مباراة أخرى لا تُبث على التلفاز
في اليوم التالي ، كانت القنوات تتحدث عن كأس العالم ، والأعلام ترفرف في كل مكان .
جلس آدم أمام الشاشة يتابع التحليلات الرياضية ، فاقترب منه عمي منصور وسأله :
— يا آدم ، من يستضيف البطولة هذا العام ؟
— الولايات المتحدة وكندا والمكسيك .
— جميل ... وماذا تعرف عن هذه الدول ؟
— دول قوية ومتقدمة .
ابتسم عمي منصور وقال :
— وهل وصلت إلى ما وصلت إليه بسبب كرة القدم ؟
ضحك آدم :
— طبعًا لا .
قال عمي منصور :
— هذا هو بيت القصيد . هم يشاهدون المباريات مثلنا ، لكنهم لا ينسون المختبرات والجامعات والمصانع .
ثم أضاف :
— الرياضة جميلة ، لكنها ليست كل الحياة . هناك مباراة أخرى لا تُبث على التلفاز : مباراة العلم والمعرفة والإنتاج .
نظر آدم إلى جده باهتمام .
فواصل عمي منصور :
— بينما ينشغل الملايين بمن سيفوز بالكأس ، هناك آلاف الباحثين يعملون على اختراعات جديدة ، وشركات تخطط لمشاريع مستقبلية ، وجامعات تخرج علماء ومهندسين .
ثم قال مبتسمًا :
— بعض الناس يتابعون المباراة فوق العشب ، وآخرون يصنعون مستقبل العالم خلف الشاشات وفي المختبرات .
📖 الفصل الثالث : الوجه الجميل للرياضة
شعر آدم أن جده ينتقد كرة القدم كلها ، فقال بسرعة :
— إذن ترى أن الرياضة مضيعة للوقت ؟
ضحك عمي منصور وقال :
— ومن قال هذا ؟
ثم أشار إلى صورة قديمة معلقة على الجدار :
— أتذكر عندما كنت أحكي لك عن ألمانيا بعد الحرب ؟
أومأ آدم برأسه .
فقال :
— الرياضة يمكن أن تكون قوة للأمم . فهي تخلق فرص عمل ، وتنشط السياحة ، وتجمع الناس حول هدف مشترك ، وتمنح الشباب الأمل والانضباط .
ثم أضاف :
— المشكلة ليست في الكرة ، بل في طريقة تعاملنا معها . فهناك من يجعلها وسيلة للترفيه والتطوير ، وهناك من يجعلها قضية حياة أو موت .
ابتسم آدم لأول مرة منذ بداية الحديث .
📖 الفصل الرابع : البطولة الحقيقية
بعد صلاة المغرب ، جلس الجد والحفيد في هدوء .
قال آدم :
— يا جدي ، ما زلت محتارًا ... هل نتابع الكرة أم ننشغل عنها ؟
تبسم عمي منصور وقال :
— ولماذا هذا أو ذاك ؟ الإسلام دين التوازن .
ثم تابع :
— شاهد المباراة ، وافرح إذا فاز منتخب بلادك ، واحزن قليلًا إذا خسر ، لكن لا تجعل ذلك يسرق منك صلاتك أو دراستك أو عملك .
وأردف :
— المؤمن لا يعيش بلا ترفيه ، لكنه أيضًا لا يعيش من أجل الترفيه فقط .
ثم أمسك بيد حفيده وقال :
— يا آدم ، عندما تنتهي المباراة ويغادر اللاعبون الملعب ، ماذا يبقى؟
فكر آدم قليلاً ثم قال :
— لا شيء تقريبًا .
قال عمي منصور :
— يبقى ما قدمه الإنسان لنفسه وأمته . الطبيب يعود إلى مرضاه ، والمهندس إلى مشروعه ، والمعلم إلى تلاميذه ، والطالب إلى كتبه .
ثم رفع إصبعه قائلاً :
— لذلك لا تجعل أكبر أحلامك أن ترفع فريقك الكأس ، بل اجعل من أحلامك أن ترفع أنت شأن وطنك بعلمك وأخلاقك وعملك .
الخاتمة : بعد صافرة النهاية
في مساء المباراة المنتظرة بين الجزائر والأرجنتين ، تابع الأصدقاء اللقاء بحماس كبير ، وكلٌّ منهم يتمنى أن يحقق منتخب بلاده الفوز إن شاء الله .
كانت الهجمات تتوالى ، والهتافات ترتفع مع كل فرصة ، والأنظار مشدودة إلى المستطيل الأخضر . لكن شيئًا ما كان قد تغيّر داخل آدم منذ حديثه مع جده .
لم يعد ينظر إلى المباراة على أنها معركة مصير ، ولا إلى نتيجتها على أنها مقياس لعزة أمة أو مكانة دين .
وعندما سأله أحد أصدقائه :
— ما بك اليوم يا آدم ؟ تبدو أكثر هدوءًا من المعتاد !
ابتسم آدم ، ونظر نحو شرفة البيت ، حيث كان عمي منصور يتابع المباراة في هدوء ، ثم قال :
— ما زلت أشجع الجزائر بكل قلبي ، وأتمنى لها الفوز إن شاء الله ... لكنني أدركت أن بعض المباريات تنتهي بصافرة الحكم ، بينما تبقى مباريات أخرى مفتوحة طوال العمر .
— وأي مباريات تقصد ؟
— مباراة العلم ، والعمل ، وبناء الأوطان ، وصناعة المستقبل .
نظر إليه صديقه متعجبًا ، بينما عاد آدم يتابع المباراة بعينين مختلفتين ؛ عين تستمتع بالمنافسة الرياضية ، وعين ترى ما هو أبعد من حدود الملعب .
سكت قليلًا ، ثم قال :
— عندما تنتهي المباراة سيعود اللاعبون إلى حياتهم ، وسيعود المشجعون إلى بيوتهم ، لكن رحلة النهوض بالأمم لا تتوقف عند صافرة حكم ، ولا تُحسم بهدف في شباك الخصم .
ثم ألقى نظرة نحو جده الجالس في شرفته ، وكأنه فهم أخيرًا الرسالة التي أراد أن يوصله إليها منذ البداية .
وفي تلك اللحظة ، أدرك آدم أن المستطيل الأخضر جميل وممتع ، لكنه ليس أكبر من خريطة العالم .