بين المستطيل الأخضر وخريطة العالم
رواية

بين المستطيل الأخضر وخريطة العالم

12 جوان 2026346 مشاهدة5 دقائق للقراءة

​📚 من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم ​ ✍️ بقلم : الأستاذ عبد المجيد قناوي ​ ⚽ « 90 دقيقة من الركض خلف الكرة ... أم سنوات من الركض خلف صناعة المجد ؟ » ​ماذا لو بدأت القصة بمنشور على الهاتف ؟ ​وماذا لو تحوّل غضب شاب متحمس لكرة القدم إلى رحلة بحث عن معنى أعمق للنجاح والوعي ؟ ​بين صخب المدرجات ، وضجيج مواقع التواصل الاجتماعي ، وأسئلة الشباب التي لا تنتهي ... ​يظهر " عمي منصور " بحكمته الهادئة ليطرح سؤالًا بسيطًا في كلماته ، عظيمًا في معناه : ​هل تنتهي المباراة عند صافرة الحكم ... أم أنها تبدأ بعدها ؟ ​رواية قصيرة تجمع بين متعة الحكاية ، وعمق الفكرة ، وخفة الحوار ، لتأخذ القارئ في رحلة من المستطيل الأخضر إلى آفاق أوسع من التفكير والبناء وصناعة المستقبل . ​📖 ​« بين المستطيل الأخضر وخريطة العالم » ​لأن بعض المباريات تدوم تسعين دقيقة فقط ... ​أما بعض الدروس فتبقى مع الإنسان مدى الحياة .

✒️رواية قصيرة : بين المستطيل الأخضر وخريطة العالم

📖 الفصل الأول : منشور أشعل الهاتف

كان المساء هادئًا ، والنسيم يتسلل من نافذة البيت القديمة . جلس عمي منصور في شرفته المعتادة يحتسي كأس شاي بالنعناع ، بينما كان حفيده آدم منغمسًا في هاتفه ، يضغط على الشاشة بعصبية كأنه يخوض معركة حقيقية .

رفع عمي منصور رأسه وقال مبتسمًا :

— ما بك يا آدم ؟ أراك اليوم أشد غضبًا من مدافع في نهائي كأس العالم !

تنهد آدم وقال :

— يا جدي ، لاعب المنتخب الجزائري إبراهيم مازة نشر تعليقًا قال فيه بكل عفوية : " إن شاء الله نربحو ميسي " ، فأثار التعليق موجة من السخرية والغضب لدى بعض المشجعين هناك ، وانهالت عليه تعليقات مسيئة . وبعضهم لم يكتفِ بالتعليق على المباراة ، بل شتم الإسلام والمسلمين ، واستهزأ بكلمة " إن شاء الله " بكلام لا يليق . والله لقد أغضبني الأمر كثيرًا .

وضع عمي منصور كأس الشاي جانبًا وسأل بهدوء :

— وهل تعرف هؤلاء الذين كتبوا تلك التعليقات ؟

— لا .

— وهل يمثلون شعب الأرجنتين كله ؟

تردد آدم قليلاً ثم قال :

— ربما لا ... لكن كلامهم مستفز .

هز عمي منصور رأسه وقال :

— الغضب للدين أمر محمود يا بني ، لكن لا تجعل بضعة حسابات مجهولة تقود مشاعرك حيث تريد . فكم من إنسان يكتب كلمة ثم ينام ، بينما يظل غيره غاضبًا بسببها أيامًا طويلة .

سكت آدم قليلاً .

أما عمي منصور فدار في نفسه خاطر قديم : " لقد أصبحت المعارك اليوم تبدأ بضغطة إصبع ، وتنتهي بآلاف الخصومات . "

ثم قال :

— شجع الجزائر كما تشاء ، وتمنَّ لها الفوز ، لكن لا تجعل كرامة أمة كاملة معلقة بهدف أو ركلة جزاء .

📖 الفصل الثاني : مباراة أخرى لا تُبث على التلفاز

في اليوم التالي ، كانت القنوات تتحدث عن كأس العالم ، والأعلام ترفرف في كل مكان .

جلس آدم أمام الشاشة يتابع التحليلات الرياضية ، فاقترب منه عمي منصور وسأله :

— يا آدم ، من يستضيف البطولة هذا العام ؟

— الولايات المتحدة وكندا والمكسيك .

— جميل ... وماذا تعرف عن هذه الدول ؟

— دول قوية ومتقدمة .

ابتسم عمي منصور وقال :

— وهل وصلت إلى ما وصلت إليه بسبب كرة القدم ؟

ضحك آدم :

— طبعًا لا .

قال عمي منصور :

— هذا هو بيت القصيد . هم يشاهدون المباريات مثلنا ، لكنهم لا ينسون المختبرات والجامعات والمصانع .

ثم أضاف :

— الرياضة جميلة ، لكنها ليست كل الحياة . هناك مباراة أخرى لا تُبث على التلفاز : مباراة العلم والمعرفة والإنتاج .

نظر آدم إلى جده باهتمام .

فواصل عمي منصور :

— بينما ينشغل الملايين بمن سيفوز بالكأس ، هناك آلاف الباحثين يعملون على اختراعات جديدة ، وشركات تخطط لمشاريع مستقبلية ، وجامعات تخرج علماء ومهندسين .

ثم قال مبتسمًا :

— بعض الناس يتابعون المباراة فوق العشب ، وآخرون يصنعون مستقبل العالم خلف الشاشات وفي المختبرات .

📖 الفصل الثالث : الوجه الجميل للرياضة

شعر آدم أن جده ينتقد كرة القدم كلها ، فقال بسرعة :

— إذن ترى أن الرياضة مضيعة للوقت ؟

ضحك عمي منصور وقال :

— ومن قال هذا ؟

ثم أشار إلى صورة قديمة معلقة على الجدار :

— أتذكر عندما كنت أحكي لك عن ألمانيا بعد الحرب ؟

أومأ آدم برأسه .

فقال :

— الرياضة يمكن أن تكون قوة للأمم . فهي تخلق فرص عمل ، وتنشط السياحة ، وتجمع الناس حول هدف مشترك ، وتمنح الشباب الأمل والانضباط .

ثم أضاف :

— المشكلة ليست في الكرة ، بل في طريقة تعاملنا معها . فهناك من يجعلها وسيلة للترفيه والتطوير ، وهناك من يجعلها قضية حياة أو موت .

ابتسم آدم لأول مرة منذ بداية الحديث .

📖 الفصل الرابع : البطولة الحقيقية

بعد صلاة المغرب ، جلس الجد والحفيد في هدوء .

قال آدم :

— يا جدي ، ما زلت محتارًا ... هل نتابع الكرة أم ننشغل عنها ؟

تبسم عمي منصور وقال :

— ولماذا هذا أو ذاك ؟ الإسلام دين التوازن .

ثم تابع :

— شاهد المباراة ، وافرح إذا فاز منتخب بلادك ، واحزن قليلًا إذا خسر ، لكن لا تجعل ذلك يسرق منك صلاتك أو دراستك أو عملك .

وأردف :

— المؤمن لا يعيش بلا ترفيه ، لكنه أيضًا لا يعيش من أجل الترفيه فقط .

ثم أمسك بيد حفيده وقال :

— يا آدم ، عندما تنتهي المباراة ويغادر اللاعبون الملعب ، ماذا يبقى؟

فكر آدم قليلاً ثم قال :

— لا شيء تقريبًا .

قال عمي منصور :

— يبقى ما قدمه الإنسان لنفسه وأمته . الطبيب يعود إلى مرضاه ، والمهندس إلى مشروعه ، والمعلم إلى تلاميذه ، والطالب إلى كتبه .

ثم رفع إصبعه قائلاً :

— لذلك لا تجعل أكبر أحلامك أن ترفع فريقك الكأس ، بل اجعل من أحلامك أن ترفع أنت شأن وطنك بعلمك وأخلاقك وعملك .


الخاتمة : بعد صافرة النهاية

في مساء المباراة المنتظرة بين الجزائر والأرجنتين ، تابع الأصدقاء اللقاء بحماس كبير ، وكلٌّ منهم يتمنى أن يحقق منتخب بلاده الفوز إن شاء الله .

كانت الهجمات تتوالى ، والهتافات ترتفع مع كل فرصة ، والأنظار مشدودة إلى المستطيل الأخضر . لكن شيئًا ما كان قد تغيّر داخل آدم منذ حديثه مع جده .

لم يعد ينظر إلى المباراة على أنها معركة مصير ، ولا إلى نتيجتها على أنها مقياس لعزة أمة أو مكانة دين .

وعندما سأله أحد أصدقائه :

— ما بك اليوم يا آدم ؟ تبدو أكثر هدوءًا من المعتاد !

ابتسم آدم ، ونظر نحو شرفة البيت ، حيث كان عمي منصور يتابع المباراة في هدوء ، ثم قال :

— ما زلت أشجع الجزائر بكل قلبي ، وأتمنى لها الفوز إن شاء الله ... لكنني أدركت أن بعض المباريات تنتهي بصافرة الحكم ، بينما تبقى مباريات أخرى مفتوحة طوال العمر .

— وأي مباريات تقصد ؟

— مباراة العلم ، والعمل ، وبناء الأوطان ، وصناعة المستقبل .

نظر إليه صديقه متعجبًا ، بينما عاد آدم يتابع المباراة بعينين مختلفتين ؛ عين تستمتع بالمنافسة الرياضية ، وعين ترى ما هو أبعد من حدود الملعب .

سكت قليلًا ، ثم قال :

— عندما تنتهي المباراة سيعود اللاعبون إلى حياتهم ، وسيعود المشجعون إلى بيوتهم ، لكن رحلة النهوض بالأمم لا تتوقف عند صافرة حكم ، ولا تُحسم بهدف في شباك الخصم .

ثم ألقى نظرة نحو جده الجالس في شرفته ، وكأنه فهم أخيرًا الرسالة التي أراد أن يوصله إليها منذ البداية .

وفي تلك اللحظة ، أدرك آدم أن المستطيل الأخضر جميل وممتع ، لكنه ليس أكبر من خريطة العالم .

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر