
حبر كنساس... حين انتصر الذكاء على ذاكرة خيخون
📜☕️ « في الوقت الذي كان العالم منشغلاً بنتيجة مباراة ، كان هناك تاريخ قديم يفتح دفاتره من جديد... في كنساس ، كانت الكرة تتقافز بين الأقدام ، وفي الجزائر كانت الذكريات تتقافز بين القلوب . 🚩⚽ بين هدفٍ خارج عن المألوف ، وجمهورٍ فرح بهدفٍ في مرماه أكثر من فرحه بهدفٍ في مرمى خصمه ، وبين عجوزٍ حكيم يحتسي الشاي في هدوء الفجر... وُلدت حكاية لا تتحدث عن كرة القدم فقط ، بل عن الخوف والأمل ، وعن الذكاء الذي يصنع المصير ، وعن تلك اللحظات النادرة التي ينتصر فيها الحاضر على أشباح الماضي . 🕰️ بين خيخون وكنساس... وبين ضجيج المدرجات وسكينة الفجر... تُكتب صفحات من حكاية لا تُقاس بالأهداف ، بل بما تتركه في النفوس بعد انطفاء الأضواء . 🕌 ومع أول نداء للفجر ، يتراجع صخب المونديال إلى الخلف ، ويبقى ما هو أبقى وأجمل... 📖 هذه هي حكاية « حِبر كنساس »... حيث لا تكون النتيجة أهم ما في المباراة ، بل ما تتركه في القلوب بعد أن ينتهي كل شيء . ✍️📜 حِبر كنساس... حين انتصر الذكاء على ذاكرة خيخون 🖋️ بقلم المؤلف : عبد المجيد قناوي
✍️📜 حِبر كنساس... حين انتصر الذكاء على ذاكرة خيخون
☕️🍂 من حكايات عمي منصور
في الساعات الأخيرة من الليل ، حين كانت معظم البيوت تغط في نوم عميق ، كان بيت عمي منصور يعيش على إيقاع مباراة لم تُلعب في الجزائر ولا في أوروبا ، بل في مدينة بعيدة اسمها كنساس .
جلس عمي منصور في فناء البيت مرتدياً برنوسه الوَبَري العتيق ، وبين أصابعه سبحة خشبية ورثها عن والده .
أمامه كوب شاي ساخن يتصاعد منه البخار ، بينما كان حفيده آدم يتابع الأخبار والتعليقات المتدفقة عبر هاتفه المحمول في ذلك الوقت المتأخر الذي شارف على الفجر .
قال آدم وهو يقلب الصفحات بسرعة :
— يا جدي ، مواقع التواصل مشتعلة منذ ساعات .
البعض يتحدث عن عبقرية تكتيكية ، والبعض الآخر يتهم الجميع بالمؤامرات والكواليس بعد هذا التعادل المثير (3-3) !
ابتسم عمي منصور ابتسامة خفيفة وقال :
— يا بني ، كرة القدم لا تُلعب في الشاشات بل في العقول .
أما الجماهير فترى النتيجة ، بينما يرى المدرب « الداهية » الطريق الذي أوصل إليها لحصد الألقاب لا لإرضاء العواطف .
صمت قليلاً ثم أضاف :
— نحن جيل ما زال يحمل جرح خيخون سنة 1982 .
النمسا يا ولدي لا تُؤتمن وتاريخها معنا ممتلئ بالخداع ، ولذلك فإن الحاج رياض محرز كان ذكياً للغاية ؛ حين أحس بركودهم في الشوط الثاني بادر وسجل الهدفين الثاني والثالث ، ليحمي ظهرنا من أي خديعة نمساوية متوقعة في اللحظات الأخيرة كسيناريو إيكامبي ! لقد كتبنا مصيرنا بيدنا .
🚩⚽️ معجزة الراية والهدف الفدائي
هز آدم رأسه متعجباً وأشار إلى شاشة الهاتف ليرِي جده لقطة فيديو تداولها الملايين :
— ولكن يا جدي ، قبل دهاء الشوط الثاني ، كيف تفسر ما حدث في نهاية الشوط الأول؟ كنا متأخرين بهدف والوقت يلفظ أنفاسه ، وإذ بالكرة تتجه نحو الراية الركنية .
الجميع اعتقد أنها خرجت ، حتى لاعبو النمسا تجمّدوا في مكانهم ، لكن محرز قام بحركة فدائية مستعيناً بالراية التي ردت له الكرة بطريقة فيزيائية عجيبة ليودعها الشباك !
هدف تعادل خارج عن المنطق أصبح حديث العالم !
ضحك عمي منصور حتى اهتز برنوسه ، وقال وهو يضرب كفاً بكف :
— أولك هذه هي « البركة الجزائرية »
يا ولدي ! حتى الراية الركنية ظنها الناس اليوم متعاقدة مع محرز . من شدة غرابة اللقطة ، خُيّل للجميع أنها مررت له الكرة بنفسها ! لو رأى أصحاب خيخون هذا المشهد لقالوا إن الراية أصبحت لاعباً دولياً إضافياً في المنتخب الجزائري !
صدمة لاعبي النمسا وذهولهم من تلك اللقطة أكدت لي أن الأقدار كانت تبني سيناريو مجنوناً في هذه الليلة .
🎭✈️ دراما كنساس وجنون الحسابات
تابع آدم وعيناه تلمعان ببريق الحماسة :
— صحيح يا جدي ! ولكن هذا الهدف كاد يرمي بنا في مقصلة إسبانيا ، وهجومها المرعب بقيادة المعجزة « لامين يامال » ! دقيقتان كاملتان والشعب كله يقرأ اللطيف خوفاً من ذلك السيناريو ، لولا هدف التعادل النمساوي الأخير ! ما حدث في تلك الدقائق بين الجزائر ، النمسا ، وإيران كان تراجيديا مجنونة !
اعتدل عمي منصور في جلسته ، وظهرت على وجهه علامات الدهشة والاعتزاز وقال :
— هنا بالذات يا ولدي ، أثبت الجمهور الجزائري في هذا العرس الكروي العالمي أنه فريد من نوعه ولا يوجد له مثيل على وجه الأرض !
بالله عليك ، في أكبر منافسة كونية ، منتخب بلاده يسجل هدف الفوز في الثواني الثلاثين الأخيرة للدقيقة 93 لتصبح النتيجة (3-2) ويتأهل رسمياً ومعه إيران ، فتجد المشجع الجزائري يصدم و"يزعف" لأننا سجلنا وقربنا من الإسبان ! حتى بعض المعلقين الرياضيين بدا عليهم الارتباك ، وكأن الهدف سُجل في مرمانا لا في مرمى المنافس.
صمت ريثما يرتشف رشفة من الشاي ثم أكمل عاجباً :
— وأي جمهور في الدنيا يفرح لتلقي شباكه هدف التعادل (3-3) في الوقت بدل الضائع في الدقيقة 96 ، وتكون فرحته به أكبر بكثير من فرحته بهدف نجمه العالمي محرز ؟ ! إنه شعب يملك تكتيكه الخاص .
لقد ضجت المدرجات ، والأسواق ، والشوارع بهتافات "وان تو ثري فيفا لالجيري" ( One two three viva l'algérie ) منذ الفجر ، بلا نوم ولا راحة ، حتى أن جمهور النمسا نفسه وجد نفسه مذهولاً ويردد مع جماهيرنا نفس الهتاف !
ثم أردف وهو يبتسم بارتياح :
— في النهاية ، لن تجد سيناريو أحسن من هذا .
الجزائر واجهت الأقدار واختارت طريقاً ذكياً في هذا المونديال ؛ سنقابل سويسرا المنظمة ، وفي حال الفوز إن شاء الله ، نواجه الفائز من غانا وكولومبيا . وهذا الطريق ، رغم صعوبته ، يبقى أرحم بكثير من المرور عبر مقصلة إسبانيا ، أو كرواتيا ، أو الدنمارك .
💔🕊️ فلسفة اللعبة وحقيقة الميدان
سكت عمي منصور لحظة ، واختفت الابتسامة من وجهه وهو يتذكر خبر المشجع الذي قيل إن قلبه توقف تحت ضغط الانفعال والسيناريو الهيتشكوكي للمباراة .
قال بصوت منخفض :
— رحم الله كل إنسان دفع ثمن حماسه من صحته أو حياته .
اسمع يا بني ، لا كأس في الدنيا أغلى من قلب سليم ، والرياضة وُجدت لتقرب الناس لا لتسرق منهم السكينة .
المنتخبات الكبيرة تلعب وعينها على الكأس دائماً ، ونحن يا بني ، نملك من الموهبة والشغف ما يوجب علينا ألا نرضى بمجرد الأدوار الأولى ، بل أن نطمح دائماً لمقارعة الكبار في القمم .
أومأ آدم موافقاً لأول مرة دون جدال ، وعرض على جده منشوراً للأشقاء في مصر متمنياً للفراعنة التوفيق في طريقهم نحو الأرجنتين .
ابتسم العجوز وقال :
— فوز مصر يسعدنا وفوز الجزائر يسعدهم ، فنحن إخوة في النهاية .
🕌🕋 حيّ على الصلاة... ما يبقى بعد المونديال
وفي تلك اللحظة ، انطلق أذان الفجر من مسجد الحي يشق سكون الليل البعيد :
« الصلاة خير من النوم... »
وقف عمي منصور متكئاً على عصاه ، وأعاد سبحته إلى جيبه دافعاً برنوسه إلى الخلف بوقار ومسح حبر كنساس وغبار خيخون .
قال وهو يتجه نحو الباب :
— اليوم طوينا صفحة من صفحات الماضي بذكائنا ، لكن المستقبل لا يكتبه التهرب من الخصوم ، بل يكتبه العمل والتطور .
أما الآن ، فلنترك سويسرا وإسبانيا والرايات الركنية جانباً... فموعدنا مع ما هو أهم .
أغلق آدم هاتفه وسار خلف جده نحو المسجد .
وفي الطريق أدرك آدم أن المباريات مهما كبرت ، تبقى مجرد ضيف عابر في حياة الناس ، أما ما يبقى حقاً فهو ما يصلح القلب والعقل معاً .
وأن أجمل ما في كرة القدم ليس ما يحدث داخل الملعب ، بل ما تتركه من حكايات يعاد صياغتها في فناء البيوت .
أما عمي منصور ، فكان قد أغلق ملف المونديال كله بكلمة واحدة هزت أركان الحي :
— حي على الصلاة .