
📖 أوراق على مجرى الماء 🌿
📖 « أوراق على مجرى الماء » 🌿... حين تتكلم الطبيعة بصوت الضمير 🌿 أين ينتهي بيت الإنسان ؟ هل ينتهي عند جدرانه الأربعة ، أم أن الأرض التي يمشي فوقها ، والماء الذي يشربه ، والهواء الذي يتنفسه ، هي أيضاً جزء من بيته الكبير ؟ في مساء هادئ تحت شجرة التين العتيقة ، يشاهد آدم على هاتفه مقطعاً مؤلماً من « كاف المخدوم » ؛ مكاناً ساحراً أفسدته الأيدي التي جاءت لتستمتع بجماله ، ثم تركت وراءها القارورات والأكياس وبقايا الإهمال . لكن عمي منصور لا يغضب ، ولا يلقي خطبة طويلة . يكتفي بحبته الهادئة من السبحة ، وببعض الكلمات التي تجعل آدم ينظر إلى المشهد بعين أخرى . بين شجرةٍ لا تملك لساناً لتشتكي ، وماءٍ يجري رغم ما أُلقي فيه ، وقارورةٍ تركها إنسان ثم مضى ، وورقةٍ يابسة لا يراها أحد ، يكتشف آدم أن حماية المكان لا تبدأ دائماً من الحارس أو الغرامة أو السور . بل قد تبدأ من مكان أصغر بكثير ... من داخل الإنسان نفسه . فالقانون قد يحرس المكان عندما نكون تحت أعين الآخرين ، لكن الضمير هو الذي يحرسه عندما لا يرانا أحد . وإذا كان تنظيف المكان يزيل ما تركناه خلفنا ، فإن التربية والوعي هما اللذان يمنعاننا من ترك الأثر نفسه مرة أخرى . 🌿 « أوراق على مجرى الماء » ليست حكاية عن القمامة فقط ، بل حكاية عن الأمانة ، والانتماء ، وعن وطن لا ينتهي عند عتبة البيت . وهي أيضاً تذكير بسيط : « لا تسأل دائماً : ماذا سيفعل الآخرون ؟ ابدأ بالسؤال : ماذا سأفعل أنا ؟ » ✍️ بقلم الكاتب والمؤلف : عبد المجيد قناوي 💌 إهداء خاص إلى الأستاذ والرحالة « العربي » ، الذي وثّقت عدسته الوجع ، فكان ذلك الفيديو شرارةً لهذه الحكاية ، لعل الحرف يسند العدسة ، وتلتقي الصورة بالكلمة في سبيل وعيٍ يحفظ جمال المكان .
📖 من سلسلة حكايات عمي منصور وحفيده آدم
🌿 أوراق على مجرى الماء
📘 رواية قصيرة تربوية بيئية وإنسانية
✍️ بقلم الكاتب والمؤلف : عبد المجيد قناوي
🌲 المحور الأول :
حين تكلمت الصورة
كان المساء هادئاً في الدار .
جلست العائلة تحت شجرة التين العتيقة ، وكان عمي منصور يحرك سبحته المصنوعة من خشب الزيتون ، حبة بعد حبة ، في هدوء يشبه هدوء المكان .
أما آدم ، فكان جالساً إلى جواره ، لكنه لم يكن حاضراً تماماً .
كانت عيناه معلقتين بشاشة هاتفه .
نظر عمي منصور إليه لحظة ، ثم قال :
— يا آدم ، ماذا فعل بك هذا الهاتف حتى عبست في وجهه كل هذا العبوس ؟
لم يبتسم آدم .
قال وهو يناوله الهاتف :
— انظر يا جدي .
أخذ عمي منصور الهاتف ، وظل صامتاً وهو يشاهد الفيديو .
كان الماء يجري بين الصخور ، والجبال تحيط بالمكان في مهابة جميلة ، والأشجار تمتد على جنباته كأنها تحرس سراً قديماً .
ثم ظهرت في الصورة قارورات بلاستيكية ، وأكياس ، وبقايا أطعمة ، وفضلات تركها الزائرون خلفهم .
أعاد عمي منصور الهاتف إلى حفيده .
وقال :
— هذا هو كاف المخدوم ؟
— نعم يا جدي .
سكت قليلاً ، ثم قال :
— سبحان الله ...
قال آدم :
— ماذا يا جدي ؟
أجاب :
— الماء ما زال يجري ، والشجر ما زال واقفاً ، والجبل ما زال في مكانه ... لكن الإنسان هو الذي تغيّر .
نظر آدم إلى جده .
— أتؤلمك الصورة إلى هذا الحد ؟
ابتسم عمي منصور بحزن .
— يا بني ، ليس كل وجع يظهر على الوجه .
ثم أخذ نفساً عميقاً وقال :
— بعض الأماكن عندما نراها جميلة ، نشعر أنها لنا . وعندما نراها ملوثة ، نشعر كأن أحداً أهان شيئاً من داخلنا .
ظل آدم صامتاً .
كان يعرف المكان .
وقد زاره من قبل .
لكنه ، للمرة الأولى ، لم يره كما كان يراه دائماً .
🍃 المحور الثاني :
بيت له أربعة جدران ... وبيت بلا جدران
قال آدم :
— يا جدي ، قرأت تعليقاً يقول : إن الإنسان يحافظ على نظافة بيته ، لكنه لا يحافظ على الشارع والغابة والوادي .
هل ترى أن هذا الكلام صحيح ؟
ضحك عمي منصور وقال :
— ليس دائماً ، يا بني .
— كيف ؟
— هناك من ينظف بيته لأن له باباً يخاف أن يراه الناس متسخاً ، لكنه لا ينظف الطريق لأنه يظن أن الطريق ليس بيته .
ثم أشار إلى شجرة التين .
— هل ترى هذه الشجرة ؟
— نعم .
— هل لها باب ؟
— لا .
— وهل عندها صاحب يقف كل صباح أمامها ليقول للناس : لا ترموا القمامة هنا ؟
ابتسم آدم .
— لا .
قال عمي منصور :
— ومع ذلك ، فهي تعطينا الظل ، وتعطينا الثمر ، وتبقى واقفة في مكانها دون أن تطلب منا شيئاً .
سكت قليلاً ثم قال :
— المشكلة يا آدم أن بعض الناس لا يحترمون إلا ما يملكونه .
ثم نظر إلى البيت وقال :
— ينظف غرفته ، ويغسل سيارته ، ويرتب حديقته ... ثم يرمي الكيس في الطريق .
هز آدم رأسه .
— كأن البيت ينتهي عند الباب .
قال عمي منصور :
— وهذا هو الخطأ .
ثم وضع يده على صدره :
— البيت الحقيقي أكبر من أربعة جدران .
نظر آدم إليه باهتمام .
قال عمي منصور :
— الهواء الذي يدخل غرفتك ليس ملكك وحدك . والماء الذي تشربه ليس ملكك وحدك . والطريق الذي يمشي فيه أولادك غداً ليس ملكك وحدك .
ثم ابتسم :
— إذا أفسدت المكان الذي يعيش فيه الناس ، فأنت لم توسخ الأرض فقط ... أنت تركت شيئاً من وسخك في حياة غيرك .
⚖️ المحور الثالث :
الحارس الذي لا يراه أحد
قال آدم :
— ولكن يا جدي ، الناس يقولون إن الكلام وحده لا يكفي .
— صحيح .
— ويطالبون بالحراسة ، والغرامات ، والتسييج ، وتنظيم الدخول إلى الأماكن الطبيعية .
هز عمي منصور رأسه .
— وهم محقون في شيء من كلامهم .
استغرب آدم .
— كيف ؟
قال :
— القانون ضروري .
ثم رفع إصبعه :
— لكن القانون يحرس المكان من الخارج .
ووضع يده على صدره :
— أما الضمير فيحرسه من الداخل .
سكت آدم .
تابع عمي منصور :
— إذا وضعت حارساً على باب الغابة ، فسوف يمنع بعض الناس من التخريب .
— وإذا وضعت غرامة كبيرة ، سيخاف بعضهم من دفع المال .
— وإذا وضعت كاميرات ، فسيتوقف بعضهم عندما يراها .
ثم ابتسم :
— لكن ماذا يحدث عندما يبتعد الحارس ؟ وماذا يحدث عندما تنطفئ الكاميرا ؟
لم يجب آدم .
قال عمي منصور :
— هنا يظهر الإنسان الحقيقي .
ثم حرّك حبات سبحته بين أصابعه :
— هناك أناس لا يرمون القمامة لأنهم يخافون من الغرامة .
وهناك أناس لا يرمونها لأنهم يستحيون من الله ، ويحترمون الناس ، ويحبون الأرض .
قال آدم :
— إذن نحن نحتاج إلى الاثنين ؟
— نعم .
— القانون والوعي ؟
— القانون والوعي .
ثم أضاف :
— لا تطلب من الشرطي أن يدخل قلب كل مواطن .
ضحك آدم .
فضحك عمي منصور وقال :
— لو استطاع الشرطي أن يفعل ذلك ، لما بقي في العالم مكان يحتاج إلى شرطي !
🌱 المحور الرابع :
الورقة التي لم يرها أحد
نهض عمي منصور من مكانه .
مشى خطوات قليلة ، ثم انحنى والتقط ورقة يابسة كانت ملقاة على الأرض .
نظر إليها وقال :
— هذه الورقة لا تؤذي أحداً .
ثم التقط قارورة بلاستيكية كانت قريبة منها .
— أما هذه ، فقد تبقى هنا سنوات طويلة .
قال آدم :
— لهذا السبب يجب أن ننظف المكان .
أجابه عمي منصور :
— نعم .
ثم قال :
— لكن لا تجعل التنظيف هو نهاية الحكاية .
نظر آدم إليه .
— ماذا تقصد ؟
— إذا نظفنا المكان اليوم ، ثم عدنا غداً لنرمي فيه من جديد ، فما الذي تغير ؟
سكت آدم .
قال عمي منصور :
— التنظيف يمسح الأثر .
— أما التربية ، فتحاول أن تمنع الأثر من أن يعود .
كانت كلمات بسيطة ، لكنها بقيت في رأس آدم .
فكّر في المواقف التي رأى فيها أحداً يرمي شيئاً في الطريق ، ولم يقل شيئاً .
وفي المواقف التي مر فيها بجانب ورقة أو قارورة ، ولم يهتم .
ثم قال :
— يا جدي ... ربما المشكلة ليست في الذي يرمي فقط .
نظر إليه عمي منصور .
— أكمل .
قال آدم :
— ربما المشكلة أيضاً في الذي يرى ويسكت .
ابتسم عمي منصور .
— الآن بدأت تفهم .
ثم قال :
— أحياناً لا يحتاج الخطأ إلى يدٍ كثيرة .
— يكفي أن يرى الناس الخطأ ويسكتوا عنه ، حتى يصبح عادياً .
🕊️ المحور الخامس :
لا تجعل اليأس قمامة أخرى
عاد آدم إلى هاتفه .
فتح الفيديو مرة أخرى .
قال :
— لكن يا جدي ، عندما يرى الإنسان هذه المشاهد ، يشعر باليأس .
قال عمي منصور :
— ولماذا ؟
— لأن المكان جميل جداً ، والناس أفسدوه .
قال عمي منصور :
— لا تجعل يا بني حزنك على المكان سبباً لليأس منه .
— كيف ؟
— إذا رأيت شخصاً يرمي القارورة ، فلا تقل : الناس كلهم سيئون .
— قل : أنا لن أفعل مثله .
ثم تابع :
— وإذا رأيت عشرة يرمون ، كن أنت الحادي عشر الذي يرفع .
نظر آدم إليه .
— يرفع ماذا ؟
— القارورة .
ضحك آدم .
ثم قال :
— وماذا سيتغير إذا رفعتها وحدي ؟
قال عمي منصور :
— ربما لا يتغير المكان كثيراً .
ثم ابتسم :
— لكن شيئاً سيتغير فيك .
سكت آدم .
قال عمي منصور :
— ومن يدري ؟ ربما يراك طفل ، فيقلدك .
— وربما يراك شاب ، فيستحي .
— وربما يصورك أحدهم ، وينشر الصورة .
ثم قال :
— أحياناً تبدأ الأشياء الكبيرة من حركة صغيرة لا يلتفت إليها أحد .
🌳 المحور السادس :
عهد عند الماء
حلّ المساء .
وبدأت أصوات الطيور تخف شيئاً فشيئاً .
أغلق آدم هاتفه .
ثم قال :
— سأذهب إلى كاف المخدوم مرة أخرى .
نظر إليه عمي منصور .
— لماذا ؟
— هذه المرة لن أذهب لأجلس فقط .
ابتسم عمي منصور .
— وماذا ستفعل ؟
— سأجمع ما أستطيع من القمامة .
ثم سكت لحظة وقال :
— وسأكتب عن المكان .
قال عمي منصور :
— اكتب .
— وسأخبر أصدقائي .
— أخبرهم .
— وسأحاول أن أقنعهم بأن المكان ليس ملكاً للبلدية ولا للغابة ولا للحارس وحده .
ابتسم عمي منصور .
— ولمن هو ؟
أجاب آدم :
— لنا جميعاً .
هز عمي منصور رأسه .
— بل قل : هو أمانة عندنا جميعاً .
ثم نظر إلى شجرة التين .
— يا آدم ، الأشياء الجميلة لا تطلب منا الكثير .
— ماذا تطلب ؟
— فقط ألا نؤذيها .
ظل آدم صامتاً .
ثم قال :
— وهل تكفي الكلمات ؟
أجابه عمي منصور :
— لا .
— إذن ؟
قال :
— اجعل كلامك أول خطوة ، لا آخر خطوة .
وقف آدم .
وأخذ الكيس الفارغ الذي كان بجانبه .
نظر إليه عمي منصور مبتسماً .
قال آدم :
— سأبدأ من هنا .
ضحك عمي منصور وقال :
— هكذا أحبك .
ثم عاد إلى سبحته .
حبة ... ثم حبة .
أما آدم ، فظل واقفاً ينظر إلى الطريق .
وفجأة رأى ورقة صغيرة تهبط من شجرة التين .
اقترب منها .
ثم التقطها .
لم يكن أحد يراه .
ولم تكن هناك كاميرا .
ولم يكن هناك شرطي .
فقط هو ... والأرض .
ابتسم .
وقال في نفسه :
— ربما هذا هو الحارس الذي كان جدي يتحدث عنه .
وضع الورقة في مكانها المناسب ، ثم مضى .
🌿 الخاتمة :
البيت الذي لا جدران له
في تلك الليلة ، لم يفكر آدم في القارورات التي تركها الآخرون فقط .
فكر في نفسه .
وفكر في كل مرة كان يستطيع فيها أن يفعل شيئاً صغيراً ، لكنه اختار الصمت .
وعندما وضع هاتفه جانباً ، كتب جملة واحدة :
« الوطن ليس المكان الذي نسكن فيه فقط ، بل المكان الذي نتركه صالحاً لمن سيأتي بعدنا . »
ثم أضاف :
« القانون يحرس المكان عندما نغيب ، لكن الضمير يحرسه عندما لا يرانا أحد . »
وقبل أن يغلق دفتره ، تذكر كلام جده :
«« إذا أردت أن تغيّر المكان ، فلا تبدأ بالسؤال : ماذا سيفعل الآخرون ؟
ابدأ بالسؤال : ماذا سأفعل أنا ؟ »»
وفي الصباح ، كان الماء ما يزال يجري .
والشجر ما يزال واقفاً .
والجبل ما يزال صامتاً .
لكن شيئاً واحداً كان قد تغيّر .
لقد بدأ آدم يرى المكان بعين مختلفة .
وربما كان ذلك هو أول خيط في حكاية طويلة ...
حكاية وطن يتعلم أبناؤه ، يوماً بعد يوم ، أن الجمال لا يكفي أن نراه .
علينا أيضاً أن نحرسه .
💌 إهداء خاص
إلى الأستاذ العربي
إلى الزميل العزيز ، والأستاذ الفاضل العربي ، أستاذ اللغة الفرنسية ، والرحالة المحب للطبيعة ، والناشط في الأعمال الخيرية والإنسانية .
هذه الرواية القصيرة لم تولد من الخيال وحده .
كانت شرارتها صورة صادقة ، وفيديو مؤلماً ، حملته عدستك من قلب «كاف المخدوم » ، ذلك المكان الذي عرفناه جميلاً ، هادئاً ، سخياً بالماء والخضرة ، فإذا ببعض العابثين يتركون فيه ما يتركه الإهمال حين يغيب الوعي .
لقد كان وجعك على المكان واضحاً في الفيديو ، كما كانت تعليقات أبناء المنطقة دليلاً على أن في الناس من لا يزال يشعر بأن الطبيعة أمانة ، وأن جمال منطقتنا ليس ملكاً لجيل واحد .
ومن ذلك الوجع خرجت هذه الحكاية .
لم أرد لها أن تكون محاكمة لأحد ، ولا خطاباً غاضباً ، بل حواراً بسيطاً بين عمي منصور وحفيده آدم ؛ حواراً يحاول أن يضع السؤال في مكانه الصحيح :
هل نحتاج دائماً إلى من يراقبنا حتى نحسن التصرف ؟ أم أن أجمل ما في الإنسان أن يفعل الصواب حين لا يراه أحد ؟
فإن كانت عدستك قد وثّقت الوجع ، فربما يستطيع الحرف أن يفتح نافذة صغيرة على الوعي .
وإن كان ذلك الفيديو قد جعلنا نرى ما حدث في كاف المخدوم ، فليكن هذا النص دعوة لأن نرى ما نستطيع نحن أن نفعله بعد أن رأيناه .
لك مني ، أخي وزميلي العزيز العربي ، خالص التقدير والاحترام ،
عبد المجيد ڨناوي
💌 Dédicace spéciale à l'enseignant et randonneur Si « El Arbi », dont l'objectif a documenté la douleur ; son document vidéo fut l'étincelle de ce récit, en espérant que le mot soutienne l'objectif, et que l'image rejoigne le texte au service d'une prise de conscience qui préserve la beauté des lieux
Abdelmadjid Guenaoui
رايك في الرواية
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.