ارقى أنواع الإستثمار
رواية

ارقى أنواع الإستثمار

8 جوان 2026177 مشاهدة5 دقائق للقراءة

🌹 أرقى أنواع الاستثمار هل الاستثمار مجرد أموال وشركات وإعفاءات ضريبية ؟ أم أن هناك استثماراً أعظم لا تُقاس أرباحه بالأرقام ولا تُسجل في البنوك ؟ في هذه الحكاية الدافئة من سلسلة حكايات عمي منصور وحفيده آدم ، يأخذنا عمي منصور في رحلة إنسانية مؤثرة تبدأ من قاعة مناقشة جامعية ، وتنتهي باكتشاف حقيقة عميقة غفل عنها كثير من الناس : أن أعظم استثمار يمكن أن يحققه الإنسان هو الاستثمار في العلم ، والتربية ، والأخلاق ، وبناء الإنسان. بين دموع النجاح ، وباقات الورد ، وذكريات الآباء والأمهات ، يكشف عمي منصور لحفيده آدم أن الأموال قد تربح وقد تخسر ، أما العلم الصادق والقيم النبيلة فتبقى ثمارها مزهرة جيلاً بعد جيل. حكاية تربوية إنسانية تحمل رسالة أمل ووفاء لكل أب وأم ومعلم وطالب ، وتذكرنا بأن الورود قد تذبل ، لكن أثر العلم لا يذبل أبداً. ✍️ بقلم : الأستاذ عبد المجيد ڨناوي من حكايات عمي منصور وحفيده آدم ​

🌹 أرقى أنواع الاستثمار

​يجلس عمي منصور في بهو المنزل ، واضعاً نظارات القراءة ، يقلب في دفتر مذكراته ، بينما يجلس حفيده آدم بالقرب منه يراجع كتاباً في الاقتصاد .

​نظر آدم إلى جده مستفسراً وقال :

​ــ جدي ، يقول كتاب الاقتصاد إن جذب الاستثمار يتطلب تحفيزات جبائية وإعفاءات ضريبية للشركات ، فهل هذا هو أعظم استثمار يمكن تحقيقه ؟

​ابتسم عمي منصور ابتسامة هادئة وقال :

​ــ لا يا بني ، فذلك نوع مهم من الاستثمار ، لكنه ليس أعظمها .

​اقترب آدم أكثر وقال :

​ــ وما هو أعظم استثمار إذن ؟

​تنهد عمي منصور قليلاً ، ثم قال :

​ــ قبل أيام حضرت مناسبة علمية جميلة جعلتني أتذكر أن أعظم استثمار في الحياة ليس في البنوك ولا في الأسواق ، بل في الإنسان نفسه .

​ــ وكيف ذلك يا جدي ؟

​ــ اسمع الحكاية ...

​عرس العلم

​قبل أيام ، تلقينا دعوة كريمة لحضور مناقشة مذكرة تخرج لإحدى قريباتنا لنيل شهادة جامعية عليا .

​وفي اليوم نفسه ، اتصل أحد الأقارب طالباً منا مرافقة ابنته الطالبة إلى الجامعة بسبب ارتباطه بعمل طارئ .

​فلم نتردد ، فالجامعة منارة للعلم ، ومشاركة الأبناء فرحة النجاح من أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان .

​وفي الطريق ، اشترينا باقة ورد جميلة تفوح منها رائحة التقدير ، فالعلم يستحق أن يُستقبل بالورود كما تستقبل المناسبات السعيدة .

​وعندما وصلنا إلى الجامعة ، وجدنا المكان يعج بالحركة والفرح .

​وجوه مشرقة .

​أسر سعيدة .

​طلبة يرتدون أزياء التخرج .

​وزغاريد تتعالى من هنا وهناك .

​التفتت إليّ جدتك وقالت مبتسمة :

​ــ اليوم راهو المكان كامل عروس .

​فضحكت وقلت :

​ــ بل هو عرس للعلم يا أم آدم .

الاستثمار الذي ناقشوه والاستثمار الذي رأيته

​دخلنا القاعة ، وجلسنا نتابع المناقشة .

​وكان موضوع المذكرة يتحدث عن :

​" التحفيزات الجبائية للشركات الأجنبية ودورها في جذب الاستثمار الأجنبي " .

​أشاد رئيس اللجنة بأخلاق الطالبتين واجتهادهما طوال سنوات الدراسة ، ثم شرعتا في عرض البحث بثقة وهدوء .

​تحدثتا عن رؤوس الأموال ، وعن الامتيازات الجبائية ، وعن العوامل التي تشجع المستثمرين على توجيه أموالهم نحو بلد دون آخر .

​كما ناقشت اللجنة أثر هذه السياسات على التنمية الاقتصادية ، وخلق مناصب الشغل ، وتحريك عجلة الإنتاج .

​كنت أتابع باهتمام ، لكنني وجدت نفسي أفكر في نوع آخر من الاستثمار لا تظهر نتائجه في الميزانيات ، ولا تُقاس قيمته بالأرقام وحدها .

​ثم انتهى العرض ، واستأذن أعضاء اللجنة بمغادرتهم القاعة ريثما يتداولون فيما بينهم بشأن النتيجة .

​ساد الترقب .

​وبدت الدقائق أطول من المعتاد .

​وكانت الوجوه تترجم ما في القلوب من أمل وقلق وانتظار .

​ثم فُتح الباب ، وعادت اللجنة إلى أماكنها .

​وقف الجميع ينتظر القرار .

​تناول رئيس اللجنة الورقة أمامه وقال :

​ــ بعد المداولة...

​فخيم الصمت على القاعة .

​ثم أردف :

​ــ قررت اللجنة منح الطالبتين علامة تسعة عشر من عشرين مع التهنئة والتوجيهات القيمة للحياة العملية .

​وفي لحظة واحدة انفجرت القاعة بالتصفيق والزغاريد .

​وطُلب من إحدى الطالبتين أن تلقي كلمة بالمناسبة .

​فشكرت والديها وإخوتها وأساتذتها وكل من ساندها خلال سنوات الدراسة .

​وأثناء حديثها ، غلبتها مشاعرها الصادقة ، فانهمرت دموعها وهي تتحدث عن تضحيات والديها ، وعن السنوات التي قضياها في تشجيعها ومرافقتها حتى بلغت هذا اليوم .

​ساد التأثر أرجاء القاعة .

​وتأثرت أنا أيضاً .

​فقد أعادتني تلك اللحظة إلى أيام الجامعة ، وإلى ذكريات تخرج أبنائي ، وإلى وجوه آباء وأمهات رأيتهم عبر السنين يزرعون بصبر ، ويسقون بالأمل ، وينتظرون الحصاد سنوات طويلة .

​وهنا فقط أدركت الفرق بين الاستثمار الذي ناقشوه في القاعة ، والاستثمار الذي رأيته في الحياة .

​فالاستثمار الذي ناقشوه يقوم على الأموال والحوافز والعوائد الاقتصادية .

​أما الاستثمار الذي رأيته ، فهو استثمار الآباء في أبنائهم ، واستثمار الأمهات في تربيتهم ، واستثمار المعلمين في تلاميذهم ، واستثمار الإنسان في العلم والأخلاق والقيم .

​ذلك استثمار لا تهزه الأزمات ، ولا تلتهمه الخسائر ، ولا تُفلسه تقلبات الأسواق .

​إنه الاستثمار الذي تتحول فيه سنوات التعب إلى نجاح ، والسهر إلى شهادة ، والتضحية إلى فرحة تملأ القلوب .

​فالتفتُّ إلى جدتك وقلت :

​ــ انظري يا أم آدم ...

​هذا هو الاستثمار الذي لا يخسر .

​هنا تُجنى الثمار الحقيقية .

​ما تكشفه المناسبات

​بعد انتهاء الحفل ، تبادلت الحديث مع بعض الحاضرين ، واكتشفت أن كثيراً منهم لا يجمعهم النجاح فقط ، بل تجمعهم أيضاً روابط قديمة وذكريات مشتركة .

​وفي أثناء التهاني والتصوير وتوزيع الحلوى ، بدأت تظهر طبائع الناس المختلفة .

​منهم من يفرح لنجاح الآخرين وكأنه نجاحه الشخصي .

​ومنهم من يكتفي بالمشاهدة من بعيد .

​ومنهم من ينشغل بترتيب احتفالات ومفاجآت خاصة على طريقته .

​عندها تذكرت يا آدم أن المناسبات لا تكشف النجاح فقط ، بل تكشف أيضاً ما تخفيه النفوس من صفات جميلة أو مواقف مختلفة .

​فالنجاح الحقيقي أوسع من أن يحتكره أحد ، والفرح كلما اتسع ازداد جمالاً .

​الهدية التي أثارت التفكير

​قال آدم :

​ــ وهل لفت انتباهك شيء آخر يا جدي ؟

​ابتسم عمي منصور وقال :

​ــ نعم .

​لقد رأيت هدايا كثيرة مختلفة .

​باقات ورد .

​وكتباً تذكارية .

​وهدايا رمزية جميلة .

​لكنني رأيت أيضاً هدية مختلفة تماماً .

​ــ وما هي ؟

​ــ لباس نوم .

​اتسعت عينا آدم دهشة .

​فضحك عمي منصور وقال :

​ــ ليس العيب في الهدية يا بني ، فلكل هدية مقامها .

​لكنني أدركت أن قيمة الهدية ليست في ثمنها ، بل في مدى انسجامها مع المناسبة والرسالة التي تحملها .

​فأحياناً تكشف الهدايا طريقة تفكير أصحابها أكثر مما تكشف قيمة ما دفعوه فيها .

​الوردة التي لا تذبل

​ساد الصمت قليلاً .

​ثم قال آدم :

​ــ الآن فهمت يا جدي .

​ــ ماذا فهمت ؟

​ــ أن الاستثمار ليس مالاً فقط .

​ابتسم عمي منصور وقال :

​ــ أحسنت يا بني .

​فالمال مهم .

​والمشاريع مهمة .

​والاستثمار الاقتصادي مهم لازدهار الأوطان .

​لكن أعظم استثمار هو أن تربي إنساناً صالحاً ، أو تعلم طالباً علماً نافعاً ، أو تزرع خلقاً حسناً في قلب أحدهم .

​أما المظاهر والرياء ومحاولات الإقصاء ، فهي مثل الغبار أو الدخان ...

​ترتفع قليلاً ثم تتلاشى .

​أما العلم والأخلاق فيبقيان كالشجرة الطيبة ، تعطي ثمارها عاماً بعد عام .

​نظر آدم إلى باقة الورد الموضوعة فوق الطاولة وقال :

​ــ لكن الورود تذبل يا جدي .

​ابتسم عمي منصور وربت على كتف حفيده وقال :

​ــ نعم يا بني ...

​الورود تذبل .

​أما أثر العلم فيبقى مزهراً في العقول والقلوب .

​وذلك هو أرقى أنواع الاستثمار .

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر