
ارقى أنواع الإستثمار
🌹 أرقى أنواع الاستثمار هل الاستثمار مجرد أموال وشركات وإعفاءات ضريبية ؟ أم أن هناك استثماراً أعظم لا تُقاس أرباحه بالأرقام ولا تُسجل في البنوك ؟ في هذه الحكاية الدافئة من سلسلة حكايات عمي منصور وحفيده آدم ، يأخذنا عمي منصور في رحلة إنسانية مؤثرة تبدأ من قاعة مناقشة جامعية ، وتنتهي باكتشاف حقيقة عميقة غفل عنها كثير من الناس : أن أعظم استثمار يمكن أن يحققه الإنسان هو الاستثمار في العلم ، والتربية ، والأخلاق ، وبناء الإنسان. بين دموع النجاح ، وباقات الورد ، وذكريات الآباء والأمهات ، يكشف عمي منصور لحفيده آدم أن الأموال قد تربح وقد تخسر ، أما العلم الصادق والقيم النبيلة فتبقى ثمارها مزهرة جيلاً بعد جيل. حكاية تربوية إنسانية تحمل رسالة أمل ووفاء لكل أب وأم ومعلم وطالب ، وتذكرنا بأن الورود قد تذبل ، لكن أثر العلم لا يذبل أبداً. ✍️ بقلم : الأستاذ عبد المجيد ڨناوي من حكايات عمي منصور وحفيده آدم
🌹 أرقى أنواع الاستثمار
يجلس عمي منصور في بهو المنزل ، واضعاً نظارات القراءة ، يقلب في دفتر مذكراته ، بينما يجلس حفيده آدم بالقرب منه يراجع كتاباً في الاقتصاد .
نظر آدم إلى جده مستفسراً وقال :
ــ جدي ، يقول كتاب الاقتصاد إن جذب الاستثمار يتطلب تحفيزات جبائية وإعفاءات ضريبية للشركات ، فهل هذا هو أعظم استثمار يمكن تحقيقه ؟
ابتسم عمي منصور ابتسامة هادئة وقال :
ــ لا يا بني ، فذلك نوع مهم من الاستثمار ، لكنه ليس أعظمها .
اقترب آدم أكثر وقال :
ــ وما هو أعظم استثمار إذن ؟
تنهد عمي منصور قليلاً ، ثم قال :
ــ قبل أيام حضرت مناسبة علمية جميلة جعلتني أتذكر أن أعظم استثمار في الحياة ليس في البنوك ولا في الأسواق ، بل في الإنسان نفسه .
ــ وكيف ذلك يا جدي ؟
ــ اسمع الحكاية ...
عرس العلم
قبل أيام ، تلقينا دعوة كريمة لحضور مناقشة مذكرة تخرج لإحدى قريباتنا لنيل شهادة جامعية عليا .
وفي اليوم نفسه ، اتصل أحد الأقارب طالباً منا مرافقة ابنته الطالبة إلى الجامعة بسبب ارتباطه بعمل طارئ .
فلم نتردد ، فالجامعة منارة للعلم ، ومشاركة الأبناء فرحة النجاح من أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان .
وفي الطريق ، اشترينا باقة ورد جميلة تفوح منها رائحة التقدير ، فالعلم يستحق أن يُستقبل بالورود كما تستقبل المناسبات السعيدة .
وعندما وصلنا إلى الجامعة ، وجدنا المكان يعج بالحركة والفرح .
وجوه مشرقة .
أسر سعيدة .
طلبة يرتدون أزياء التخرج .
وزغاريد تتعالى من هنا وهناك .
التفتت إليّ جدتك وقالت مبتسمة :
ــ اليوم راهو المكان كامل عروس .
فضحكت وقلت :
ــ بل هو عرس للعلم يا أم آدم .
الاستثمار الذي ناقشوه والاستثمار الذي رأيته
دخلنا القاعة ، وجلسنا نتابع المناقشة .
وكان موضوع المذكرة يتحدث عن :
" التحفيزات الجبائية للشركات الأجنبية ودورها في جذب الاستثمار الأجنبي " .
أشاد رئيس اللجنة بأخلاق الطالبتين واجتهادهما طوال سنوات الدراسة ، ثم شرعتا في عرض البحث بثقة وهدوء .
تحدثتا عن رؤوس الأموال ، وعن الامتيازات الجبائية ، وعن العوامل التي تشجع المستثمرين على توجيه أموالهم نحو بلد دون آخر .
كما ناقشت اللجنة أثر هذه السياسات على التنمية الاقتصادية ، وخلق مناصب الشغل ، وتحريك عجلة الإنتاج .
كنت أتابع باهتمام ، لكنني وجدت نفسي أفكر في نوع آخر من الاستثمار لا تظهر نتائجه في الميزانيات ، ولا تُقاس قيمته بالأرقام وحدها .
ثم انتهى العرض ، واستأذن أعضاء اللجنة بمغادرتهم القاعة ريثما يتداولون فيما بينهم بشأن النتيجة .
ساد الترقب .
وبدت الدقائق أطول من المعتاد .
وكانت الوجوه تترجم ما في القلوب من أمل وقلق وانتظار .
ثم فُتح الباب ، وعادت اللجنة إلى أماكنها .
وقف الجميع ينتظر القرار .
تناول رئيس اللجنة الورقة أمامه وقال :
ــ بعد المداولة...
فخيم الصمت على القاعة .
ثم أردف :
ــ قررت اللجنة منح الطالبتين علامة تسعة عشر من عشرين مع التهنئة والتوجيهات القيمة للحياة العملية .
وفي لحظة واحدة انفجرت القاعة بالتصفيق والزغاريد .
وطُلب من إحدى الطالبتين أن تلقي كلمة بالمناسبة .
فشكرت والديها وإخوتها وأساتذتها وكل من ساندها خلال سنوات الدراسة .
وأثناء حديثها ، غلبتها مشاعرها الصادقة ، فانهمرت دموعها وهي تتحدث عن تضحيات والديها ، وعن السنوات التي قضياها في تشجيعها ومرافقتها حتى بلغت هذا اليوم .
ساد التأثر أرجاء القاعة .
وتأثرت أنا أيضاً .
فقد أعادتني تلك اللحظة إلى أيام الجامعة ، وإلى ذكريات تخرج أبنائي ، وإلى وجوه آباء وأمهات رأيتهم عبر السنين يزرعون بصبر ، ويسقون بالأمل ، وينتظرون الحصاد سنوات طويلة .
وهنا فقط أدركت الفرق بين الاستثمار الذي ناقشوه في القاعة ، والاستثمار الذي رأيته في الحياة .
فالاستثمار الذي ناقشوه يقوم على الأموال والحوافز والعوائد الاقتصادية .
أما الاستثمار الذي رأيته ، فهو استثمار الآباء في أبنائهم ، واستثمار الأمهات في تربيتهم ، واستثمار المعلمين في تلاميذهم ، واستثمار الإنسان في العلم والأخلاق والقيم .
ذلك استثمار لا تهزه الأزمات ، ولا تلتهمه الخسائر ، ولا تُفلسه تقلبات الأسواق .
إنه الاستثمار الذي تتحول فيه سنوات التعب إلى نجاح ، والسهر إلى شهادة ، والتضحية إلى فرحة تملأ القلوب .
فالتفتُّ إلى جدتك وقلت :
ــ انظري يا أم آدم ...
هذا هو الاستثمار الذي لا يخسر .
هنا تُجنى الثمار الحقيقية .
ما تكشفه المناسبات
بعد انتهاء الحفل ، تبادلت الحديث مع بعض الحاضرين ، واكتشفت أن كثيراً منهم لا يجمعهم النجاح فقط ، بل تجمعهم أيضاً روابط قديمة وذكريات مشتركة .
وفي أثناء التهاني والتصوير وتوزيع الحلوى ، بدأت تظهر طبائع الناس المختلفة .
منهم من يفرح لنجاح الآخرين وكأنه نجاحه الشخصي .
ومنهم من يكتفي بالمشاهدة من بعيد .
ومنهم من ينشغل بترتيب احتفالات ومفاجآت خاصة على طريقته .
عندها تذكرت يا آدم أن المناسبات لا تكشف النجاح فقط ، بل تكشف أيضاً ما تخفيه النفوس من صفات جميلة أو مواقف مختلفة .
فالنجاح الحقيقي أوسع من أن يحتكره أحد ، والفرح كلما اتسع ازداد جمالاً .
الهدية التي أثارت التفكير
قال آدم :
ــ وهل لفت انتباهك شيء آخر يا جدي ؟
ابتسم عمي منصور وقال :
ــ نعم .
لقد رأيت هدايا كثيرة مختلفة .
باقات ورد .
وكتباً تذكارية .
وهدايا رمزية جميلة .
لكنني رأيت أيضاً هدية مختلفة تماماً .
ــ وما هي ؟
ــ لباس نوم .
اتسعت عينا آدم دهشة .
فضحك عمي منصور وقال :
ــ ليس العيب في الهدية يا بني ، فلكل هدية مقامها .
لكنني أدركت أن قيمة الهدية ليست في ثمنها ، بل في مدى انسجامها مع المناسبة والرسالة التي تحملها .
فأحياناً تكشف الهدايا طريقة تفكير أصحابها أكثر مما تكشف قيمة ما دفعوه فيها .
الوردة التي لا تذبل
ساد الصمت قليلاً .
ثم قال آدم :
ــ الآن فهمت يا جدي .
ــ ماذا فهمت ؟
ــ أن الاستثمار ليس مالاً فقط .
ابتسم عمي منصور وقال :
ــ أحسنت يا بني .
فالمال مهم .
والمشاريع مهمة .
والاستثمار الاقتصادي مهم لازدهار الأوطان .
لكن أعظم استثمار هو أن تربي إنساناً صالحاً ، أو تعلم طالباً علماً نافعاً ، أو تزرع خلقاً حسناً في قلب أحدهم .
أما المظاهر والرياء ومحاولات الإقصاء ، فهي مثل الغبار أو الدخان ...
ترتفع قليلاً ثم تتلاشى .
أما العلم والأخلاق فيبقيان كالشجرة الطيبة ، تعطي ثمارها عاماً بعد عام .
نظر آدم إلى باقة الورد الموضوعة فوق الطاولة وقال :
ــ لكن الورود تذبل يا جدي .
ابتسم عمي منصور وربت على كتف حفيده وقال :
ــ نعم يا بني ...
الورود تذبل .
أما أثر العلم فيبقى مزهراً في العقول والقلوب .
وذلك هو أرقى أنواع الاستثمار .