عندما يصبح الفوز أخلاقا
قصة

عندما يصبح الفوز أخلاقا

25 جوان 2026303 مشاهدة5 دقائق للقراءة

📖 بقلم الأستاذ عبد المجيد قناوي ✍️ ✨ ليست كل الانتصارات تُقاس بعدد الأهداف ، ⚽ وليست كل المباريات تنتهي مع صافرة الحكم . فأحياناً يختبئ الفوز الحقيقي في موقف نبيل ، أو كلمة طيبة ، أو علمين يتجاوران فوق الصدور ، أو جماهير ترفض أن تسمح للفتنة بأن تفسد جمال الرياضة . في هذه القصة القصيرة ، يجلس عمي منصور مع حفيده آدم بعد مباراة الجزائر والأردن ، ليتحدثا عن شيء أعمق من النتيجة ، وأبقى من التحديات العابرة . إنها حكاية عن الأخلاق حين تنتصر ، وعن الأخوة حين تكون أجمل من أي فوز . 🤝 ❤️ 📚 قصة قصيرة تربوية من سلسلة « حكايات عمي منصور » ⚽ عندما يصبح الفوز أخلاقاً 🇩🇿 🇺🇸 🇯🇴

⚽« عندما يصبح الفوز أخلاقاً »

🇩🇿 🇺🇸 🇯🇴

☕ الشرفة التي ترى أبعد من الملعب

جلس عمي منصور على شرفته المطلة على أزقة الحي القديمة ، يحتسي كأساً من شاي النعناع ، بينما كانت نسمات المساء تداعب أوراق شجرة التوت القريبة .

أمامه جلس حفيده آدم ، غارقاً في هاتفه ، يضحك بين الحين والآخر وهو يتنقل بين التعليقات والمنشورات التي أعقبت مباراة الجزائر والأردن .

رفع آدم رأسه فجأة وقال بحماس :

— جدي... لو رأيت التعليقات اليوم ! الناس لم تترك شيئاً إلا وقالته ، التحديات والطرائف في كل مكان ، حتى أن حلاقي الأردن صاروا أشهر من لاعبيها بسبب تحديات حلاقة الرؤوس والشوارب وقصة "سوسو" !

ابتسم عمي منصور وقال :

— يبدو أن المباراة لم تنتهِ بعد .

ضحك آدم :

— في الإنترنت لا تنتهي المباريات أبداً .

هز الجد رأسه وهو يضع كأسه على الطاولة الصغيرة أمامه .

— صدقت يا بني .

📊 ما بعد النتيجة

قال آدم وهو يلوح بهاتفه :

— المهم أننا فزنا بالتحدي والمباراة ، والفرحة كبيرة .

نظر إليه عمي منصور بهدوء وقال :

— وهل الفوز هو كل ما رأيت ؟

توقف آدم قليلاً .

— ماذا تقصد ؟

أشار الجد إلى الهاتف .

— رأيت الأهداف والنتيجة ، وصخب "سوسو" والحلاقين ، لكن هل رأيت ما هو أكبر من ذلك ؟

بدت الحيرة على وجه الشاب .

فقال عمي منصور :

— أنا لا أتحدث عن كرة دخلت مرمى ، بل عن قلوب دخلتها المحبة .

👕 القميص الذي حمل رسالة

أخذ الجد رشفة من الشاي ثم قال :

— لفت انتباهي شيء جميل يا آدم .

رأيت لاعبي الأردن "النشامى" يدخلون الميدان وقد وضعوا علم الجزائر إلى جانب علم بلدهم على صدورهم .

أطرق آدم رأسه قليلاً .

— نعم... رأيت الصورة ، وكانت لفتة رائعة .

قال عمي منصور :

— كثيرون رأوا الصورة ، لكن قليلين فهموا معناها .

فالعَلم حين يُحمل احتراماً ومحبة لا يصبح قطعة قماش ، بل يصبح جسراً تعبر عليه القلوب قبل أن تعبر عليه الكلمات .

ثم أضاف :

— هناك أشياء لا تُسجلها لوحة النتائج ، لكنها تبقى أطول من أي انتصار .

🇺🇸 من عمّان إلى لورانس : سحر التواضع

التفت آدم إلى جده وقال والدهشة تعلو وجهه :

— كلامك يا جدي ذكرني بقصة أخرى عجيبة قرأتها الآن عن كواليس المونديال ! تخيل أن بلدة أمريكية صغيرة اسمها "لورانس" في ولاية كانساس ، لا يجمعنا بها لغة ولا دين ولا ثقافة ، صار سكانها يشجعون الجزائر أكثر من بلدهم !

اعتدل عمي منصور في جلسته ، وأصغى باهتمام :

— وكيف ذلك يا بني ؟

قال آدم وعيناه تشعان حماساً :

— المنتخبات الكبيرة كإنجلترا والأرجنتين وهولندا عزلوا أنفسهم في فنادق فاخرة بعيداً عن الناس .

أما منتخبنا ، بقيادة محرز وبيتكوفيتش ، فاختاروا فندقاً متواضعاً وسط الشعب .

هذا التواضع جعل المدينة تقلب الدنيا لأجلهم ! عمدة المدينة تجول بوشاح الجزائر ، وشارع "ماساتشوستس" تلوّن بأعلامنا ، وعزفوا نشيدنا الوطني ، بل إن قميص لاعبنا الشاب "مازا " وُضع في متاحفهم ومحلاتهم !

ابتسم عمي منصور ابتسامة عريضة ، ولمعت عيناه بفخر هادئ :

— أرأيت يا آدم ؟ هذا هو السر الذي أحدثك عنه . الجزائري شهم بطبعه ، وأينما حل يترك وراءه عبقاً من الطيبة .

المنتخبات الأخرى بحثت عن الفخامة ، بينما بحث أبناؤنا عن الإنسان . ومن ملك قلوب البسطاء بتواضعه ، فتح الحصون المغلقة .

🤝 مدرسة اسمها الأخلاق

ساد صمت قصير قبل أن يتابع الجد :

— يا آدم ، الرياضة الحقيقية ليست أن نفرح عندما نفوز فقط ، بل أن نتعلم كيف نحترم من ننافسه ، وكيف نكرم من يستضيفنا .

فالأخلاق التي لا تظهر عند الغضب ولا عند الفرح هي أخلاق ناقصة .

الأردنيون أهل نخوة ومروءة ، ومن عاشرهم عرف طيب معدنهم ، وسكان "لورانس" أناس بسطاء ، ومن جاورهم بالتواضع ملك قلوبهم .

قال آدم :

— لهذا رأيت كثيراً من الناس يكتبون : "خاوة خاوة " ، ويشيدون بجمهور الأردن والجزائر وهم ينظفون المدرجات معاً بعد صافرة النهاية .

ابتسم عمي منصور :

— لأنهم فهموا الدرس . ما أجمل أن يتنافس الناس في الملعب ، لكن الأجمل أن يخرجوا منه إخوة .

فالمباراة تدوم تسعين دقيقة ، أما الأخوة والأصل الطيب فيدومان أجيالاً .

🛡️ حصانة الوعي ضد الفتن

أعاد آدم النظر إلى هاتفه وقال :

— مع ذلك ، هناك بعض الحسابات والذباب الإلكتروني كانت تحاول إثارة المشاكل وتحويل المزاح إلى زعل بين الجماهير .

تنهد عمي منصور .

— في كل زمان يوجد من يعيش على إشعال النار بين الناس .

قديماً كانوا ينقلون النميمة من مجلس إلى مجلس ، واليوم يفعلون ذلك بضغطة زر .

لكن النار لا تشتعل إلا إذا وجدت من ينفخ فيها .

ثم ابتسم وأضاف :

— الفرق أن العاقل لا يساعدهم على النجاح .

سأل آدم :

— وكيف ذلك ؟

قال الجد :

— بأن يميز بين المزاح الذي يزرع الابتسامة ويلطف الأجواء ، وبين الكلام الخبيث الذي يزرع العداوة .

فالجزائري حر دمه حامٍ ولا يرضى بالقهر ، لكنه شهم يعرف كيف يقابل الوفاء بالوفاء ، سواء جاءه الوفاء من شقيق عربي في عمّان ، أو من صديق غريب في لورانس .

❤️ الفوز الحقيقي

بدأت الشمس تميل نحو المغيب ، وصبغت السماء بلون برتقالي هادئ .

نظر عمي منصور إلى الأفق وقال :

— يا بني ، سيأتي يوم ينسى فيه الناس نتيجة هذه المباراة ، ويبحثون عن تحديات أخرى .

ثم وضع يده على كتف حفيده وأضاف :

— لكنهم لن ينسوا موقفاً جميلاً ، ولا لفتة علم متبادلة ، ولا كرم ترحيب عبر المحيطات .

أغلق آدم هاتفه ووضعه في جيبه .

شعر أن ضجيج التعليقات الافتراضية أصبح بعيداً جداً ، وحل محله وعي جديد .

وفي تلك اللحظة أدرك أن الفوز الحقيقي لم يكن في شباك المرمى ، بل في تلك القلوب الكبيرة التي اتسعت للمحبة والاحترام .

أما عمي منصور فارتشف آخر رشفة من شايه ، وابتسم ابتسامة العارف بتقلبات الدنيا ، وهو يتمتم :

— الأهداف تُسجل في الشباك ، أما الأخلاق فتُسجل في القلوب .

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر