
عندما يصبح الفوز أخلاقا
📖 بقلم الأستاذ عبد المجيد قناوي ✍️ ✨ ليست كل الانتصارات تُقاس بعدد الأهداف ، ⚽ وليست كل المباريات تنتهي مع صافرة الحكم . فأحياناً يختبئ الفوز الحقيقي في موقف نبيل ، أو كلمة طيبة ، أو علمين يتجاوران فوق الصدور ، أو جماهير ترفض أن تسمح للفتنة بأن تفسد جمال الرياضة . في هذه القصة القصيرة ، يجلس عمي منصور مع حفيده آدم بعد مباراة الجزائر والأردن ، ليتحدثا عن شيء أعمق من النتيجة ، وأبقى من التحديات العابرة . إنها حكاية عن الأخلاق حين تنتصر ، وعن الأخوة حين تكون أجمل من أي فوز . 🤝 ❤️ 📚 قصة قصيرة تربوية من سلسلة « حكايات عمي منصور » ⚽ عندما يصبح الفوز أخلاقاً 🇩🇿 🇺🇸 🇯🇴
⚽« عندما يصبح الفوز أخلاقاً »
🇩🇿 🇺🇸 🇯🇴
☕ الشرفة التي ترى أبعد من الملعب
جلس عمي منصور على شرفته المطلة على أزقة الحي القديمة ، يحتسي كأساً من شاي النعناع ، بينما كانت نسمات المساء تداعب أوراق شجرة التوت القريبة .
أمامه جلس حفيده آدم ، غارقاً في هاتفه ، يضحك بين الحين والآخر وهو يتنقل بين التعليقات والمنشورات التي أعقبت مباراة الجزائر والأردن .
رفع آدم رأسه فجأة وقال بحماس :
— جدي... لو رأيت التعليقات اليوم ! الناس لم تترك شيئاً إلا وقالته ، التحديات والطرائف في كل مكان ، حتى أن حلاقي الأردن صاروا أشهر من لاعبيها بسبب تحديات حلاقة الرؤوس والشوارب وقصة "سوسو" !
ابتسم عمي منصور وقال :
— يبدو أن المباراة لم تنتهِ بعد .
ضحك آدم :
— في الإنترنت لا تنتهي المباريات أبداً .
هز الجد رأسه وهو يضع كأسه على الطاولة الصغيرة أمامه .
— صدقت يا بني .
📊 ما بعد النتيجة
قال آدم وهو يلوح بهاتفه :
— المهم أننا فزنا بالتحدي والمباراة ، والفرحة كبيرة .
نظر إليه عمي منصور بهدوء وقال :
— وهل الفوز هو كل ما رأيت ؟
توقف آدم قليلاً .
— ماذا تقصد ؟
أشار الجد إلى الهاتف .
— رأيت الأهداف والنتيجة ، وصخب "سوسو" والحلاقين ، لكن هل رأيت ما هو أكبر من ذلك ؟
بدت الحيرة على وجه الشاب .
فقال عمي منصور :
— أنا لا أتحدث عن كرة دخلت مرمى ، بل عن قلوب دخلتها المحبة .
👕 القميص الذي حمل رسالة
أخذ الجد رشفة من الشاي ثم قال :
— لفت انتباهي شيء جميل يا آدم .
رأيت لاعبي الأردن "النشامى" يدخلون الميدان وقد وضعوا علم الجزائر إلى جانب علم بلدهم على صدورهم .
أطرق آدم رأسه قليلاً .
— نعم... رأيت الصورة ، وكانت لفتة رائعة .
قال عمي منصور :
— كثيرون رأوا الصورة ، لكن قليلين فهموا معناها .
فالعَلم حين يُحمل احتراماً ومحبة لا يصبح قطعة قماش ، بل يصبح جسراً تعبر عليه القلوب قبل أن تعبر عليه الكلمات .
ثم أضاف :
— هناك أشياء لا تُسجلها لوحة النتائج ، لكنها تبقى أطول من أي انتصار .
🇺🇸 من عمّان إلى لورانس : سحر التواضع
التفت آدم إلى جده وقال والدهشة تعلو وجهه :
— كلامك يا جدي ذكرني بقصة أخرى عجيبة قرأتها الآن عن كواليس المونديال ! تخيل أن بلدة أمريكية صغيرة اسمها "لورانس" في ولاية كانساس ، لا يجمعنا بها لغة ولا دين ولا ثقافة ، صار سكانها يشجعون الجزائر أكثر من بلدهم !
اعتدل عمي منصور في جلسته ، وأصغى باهتمام :
— وكيف ذلك يا بني ؟
قال آدم وعيناه تشعان حماساً :
— المنتخبات الكبيرة كإنجلترا والأرجنتين وهولندا عزلوا أنفسهم في فنادق فاخرة بعيداً عن الناس .
أما منتخبنا ، بقيادة محرز وبيتكوفيتش ، فاختاروا فندقاً متواضعاً وسط الشعب .
هذا التواضع جعل المدينة تقلب الدنيا لأجلهم ! عمدة المدينة تجول بوشاح الجزائر ، وشارع "ماساتشوستس" تلوّن بأعلامنا ، وعزفوا نشيدنا الوطني ، بل إن قميص لاعبنا الشاب "مازا " وُضع في متاحفهم ومحلاتهم !
ابتسم عمي منصور ابتسامة عريضة ، ولمعت عيناه بفخر هادئ :
— أرأيت يا آدم ؟ هذا هو السر الذي أحدثك عنه . الجزائري شهم بطبعه ، وأينما حل يترك وراءه عبقاً من الطيبة .
المنتخبات الأخرى بحثت عن الفخامة ، بينما بحث أبناؤنا عن الإنسان . ومن ملك قلوب البسطاء بتواضعه ، فتح الحصون المغلقة .
🤝 مدرسة اسمها الأخلاق
ساد صمت قصير قبل أن يتابع الجد :
— يا آدم ، الرياضة الحقيقية ليست أن نفرح عندما نفوز فقط ، بل أن نتعلم كيف نحترم من ننافسه ، وكيف نكرم من يستضيفنا .
فالأخلاق التي لا تظهر عند الغضب ولا عند الفرح هي أخلاق ناقصة .
الأردنيون أهل نخوة ومروءة ، ومن عاشرهم عرف طيب معدنهم ، وسكان "لورانس" أناس بسطاء ، ومن جاورهم بالتواضع ملك قلوبهم .
قال آدم :
— لهذا رأيت كثيراً من الناس يكتبون : "خاوة خاوة " ، ويشيدون بجمهور الأردن والجزائر وهم ينظفون المدرجات معاً بعد صافرة النهاية .
ابتسم عمي منصور :
— لأنهم فهموا الدرس . ما أجمل أن يتنافس الناس في الملعب ، لكن الأجمل أن يخرجوا منه إخوة .
فالمباراة تدوم تسعين دقيقة ، أما الأخوة والأصل الطيب فيدومان أجيالاً .
🛡️ حصانة الوعي ضد الفتن
أعاد آدم النظر إلى هاتفه وقال :
— مع ذلك ، هناك بعض الحسابات والذباب الإلكتروني كانت تحاول إثارة المشاكل وتحويل المزاح إلى زعل بين الجماهير .
تنهد عمي منصور .
— في كل زمان يوجد من يعيش على إشعال النار بين الناس .
قديماً كانوا ينقلون النميمة من مجلس إلى مجلس ، واليوم يفعلون ذلك بضغطة زر .
لكن النار لا تشتعل إلا إذا وجدت من ينفخ فيها .
ثم ابتسم وأضاف :
— الفرق أن العاقل لا يساعدهم على النجاح .
سأل آدم :
— وكيف ذلك ؟
قال الجد :
— بأن يميز بين المزاح الذي يزرع الابتسامة ويلطف الأجواء ، وبين الكلام الخبيث الذي يزرع العداوة .
فالجزائري حر دمه حامٍ ولا يرضى بالقهر ، لكنه شهم يعرف كيف يقابل الوفاء بالوفاء ، سواء جاءه الوفاء من شقيق عربي في عمّان ، أو من صديق غريب في لورانس .
❤️ الفوز الحقيقي
بدأت الشمس تميل نحو المغيب ، وصبغت السماء بلون برتقالي هادئ .
نظر عمي منصور إلى الأفق وقال :
— يا بني ، سيأتي يوم ينسى فيه الناس نتيجة هذه المباراة ، ويبحثون عن تحديات أخرى .
ثم وضع يده على كتف حفيده وأضاف :
— لكنهم لن ينسوا موقفاً جميلاً ، ولا لفتة علم متبادلة ، ولا كرم ترحيب عبر المحيطات .
أغلق آدم هاتفه ووضعه في جيبه .
شعر أن ضجيج التعليقات الافتراضية أصبح بعيداً جداً ، وحل محله وعي جديد .
وفي تلك اللحظة أدرك أن الفوز الحقيقي لم يكن في شباك المرمى ، بل في تلك القلوب الكبيرة التي اتسعت للمحبة والاحترام .
أما عمي منصور فارتشف آخر رشفة من شايه ، وابتسم ابتسامة العارف بتقلبات الدنيا ، وهو يتمتم :
— الأهداف تُسجل في الشباك ، أما الأخلاق فتُسجل في القلوب .