
⚽ عمي منصور وامتحان القلوب 📜 حكاية من زمن الجلد المنفوخ
عمي منصور وامتحان القلوب ⚽ 📜 حكاية من زمن الجلد المنفوخ / بقلم الكاتب : عبد المجيد قناوي ✍️ في زمن الألوان الفاقعة والصفحات الافتراضية الصاخبة ، تحولت « الجلد المنفوخ » من مجرد لعبة فوق بساط أخضر إلى مرآة تكشف عواطفنا ، صراعاتنا ، وآليات دفاعنا النفسي حين تضيق بنا الخيارات وتتلاطم أمامنا أمواج التاريخ والسياسة . فعندما يعجز الإنسان عن الاختيار بين موقفين أحلاهما مر ، تصبح « النكتة » سلاحاً ذكياً لتخفيف التوتر ، وتتحول الشعارات الكبرى إلى بحث عن فرحة بسيطة أو « جيغا مجانية » . من نبض التعليقات الحية والقفشات العفوية في المقاهي الشعبية ، نسجنا لكم هذه الحكاية على لسان الحكيم « عمي منصور » وحفيده « آدم » ؛ لتفكك شفرات الحيرة التي سكنت القلوب ، وتختزل في قالب ساخر وممتع الفرق بين التشجيع الأعمى والوعي الإنساني الأصيل . إليكم هذه القصة المنقولة من واقع عشنا تفاصيله بين الضحكة والدمعة... ✨🎭 ⚽ عمي منصور وامتحان القلوب ⚽ 📜 حكاية من زمن الجلد المنفوخ / بقلم الكاتب : عبد المجيد قناوي ✍️
⚽ عمي منصور وامتحان القلوب ⚽
📜 حكاية من زمن الجلد المنفوخ
بقلم الكاتب : عبد المجيد قناوي ✍️
داخل مقهى « التحرير » الشعبي ، كان الدخان الكثيف يتصاعد ممتزجاً برائحة البن المحروق وصراخ الزبائن . التلفاز المعلق في الزاوية يعرض لقطات إحمائية للمنتخبين الفرنسي والمغربي، والمدبنة تغلي .
كان المقهى عبارة عن « برلمان مصغر » تعلو فيه الأصوات وتتناقض حد الاشتعال :
— ” يا زاحف ، فرنسا قتلت أجدادنا ، والدي يشجعها فيه ريحة الحركى ! “ صرخ شاب وهو يضرب الطاولة بيده .
— ليجيبه شيخ متكئ على عكازه بنبرة حادة : ” يا وليدي ، والآخرين طبعوا مع الصهاينة ، لوكان نصيب يخسرو في زوج ! “
— ومن زاوية أخرى ، انفجرت ضحكة مجلجلة ومتهكمة : ” أنا سأشجع شركة سونلغاز ، إن شاء الله تقطع الضوء عليهم في زوج ونرقدو هانيين ! “
— بينما كان صاحب المقهى يلوح بخرقته وهو يمسح الطاولات : ” يا ربي تربح المغرب باش يبعثولي 2 جيڨا إنترنت مجاناً ، هذاك ما ربحنا من هاد البالون ! “
وسط هذا الإعصار من التناقضات ، انسحب آدم . خطى خطواته الواسعة والرزينة خارجاً من المقهى ، مفكراً في تلك العقول التي تتلاطم أمامه . خرج إلى زقاق القرية الهادئ ، ميمماً وجهه شطر زاوية جده عمي منصور ، الذي كان يجلس على كرسيه الخشبي العتيق تحت ظل شجرة العرعار، يداعب سبحته بطمأنينة كأنه في كوكب آخر ، بعيداً عن صخب الشباب الحائر .
وقف آدم أمام جده ، بقامته الفتية وعينين تلمعان بحيرة واعية ، وسأله بنبرة تبحث عن فصل الخطاب :
— ” جدي... كنت في المقهى الآن ، والحومة مقلوبة رأساً على عقب! كيف يمكن أن يكون كل هؤلاء على حق ، وكل هؤلاء على خطأ في الوقت نفسه ؟ ! “
ابتسم عمي منصور ابتسامة دافئة، ونظر إلى حفيد الأمس الذي اشتد عوده وأصبح رجلاً يناقش قضايا الهوية والتاريخ. أشار إليه بالجلوس وقال بصوت رخيم يحمل هيبة السنين :
— "يا بني ، الإنسان كي يلقى روحو بين نارين وما يعرفش وين يوقف ، يهرب للنكتة باش يخفف على روحو .
ولهذا سمعت من يشجع الحكم ، ومن يشجع سونلغاز ، ومن يتمنى أن يخسر الجميع . كانوا يضحكون ، لكن خلف الضحك حيرة كبيرة ."
عقد آدم حاجبيه متأملاً كلام جده ، فتابع الشيخ بهدوء :
— " الناس يا آدم ، كي تتعب من الكلام الكبير والشعارات الطويلة ، تولي تفتش على فرحة صغيرة أو منفعة بسيطة .
واحد يبحث عن جيغا مجانية ، وآخر يفكر في راتبه ، وثالث يريد فقط أن يضحك وينسى همومه ساعة من الزمن . "
صمت عمي منصور برهة ، والتفت نحو ساحة المدينة الفارغة ، ثم التفت إلى آدم وقال بنبرة استرجاعية دافئة :
— " أتدري يا آدم ؟ عندما كنت في عمرك تقريباً ، كان أطفال الحومة يلعبون بكرة من القماش . يتخاصمون عليها وكأنها كنز ، وترتفع الأصوات بينهم حتى نظن أنهم لن يتكلموا مع بعضهم أبداً . لكن ما إن تنتهي المباراة حتى يجلسوا تحت الشجرة نفسها ويشربوا من الإبريق نفسه . أما بعض الكبار اليوم ، فينهون المباراة ويحتفظون بالخصومة في قلوبهم سنوات . "
وضع الشيخ يده على كتف آدم ، وشعر بصلابة كتفي الشاب اليافع ، وتغيرت نبرته لتصبح أكثر رصانة وتوجيهاً :
— " يا بني ، الكأس سيرفعها لاعب ، والميدالية سيعلقها لاعب ، أما الإنسان فلا يرفعه إلا عقله وأخلاقه .
استمتع بالمباراة إن شئت ، وصفق للمهارة إن أعجبتك ، لكن لا تسلّم قلبك للحقد من أجل جلد منفوخ ."
ثم أصلح الشيخ شاشيته البيضاء ، ونهض بتمهل وهو يبتسم ابتسامته الساخرة المعتادة :
— " والآن قم يا آدم... نحضر إبريق شاي بالزنجبيل . فراحة البال فوز لا يحتاج إلى حكم ، ولا إلى تقنية الڤار ( VAR ) ، ولا إلى تسعين دقيقة ."
🌿 انتهت الحكاية 🌿