📘 أمانة المسؤولية
قصة

📘 أمانة المسؤولية

10 أكتوبر 2026160 مشاهدة20 دقائق للقراءة

🌿 أمانة المسؤولية 📖 من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم ✍️ بقلم الكاتب والمؤلف : عبد المجيد قناوي ⚖️ ماذا يحدث حين تتعارض مصالح الناس مع أحكام القانون ، وحين يطرق الأقارب أبواب المسؤولية ، لتصبح القرارات اختبارًا حقيقيًا للضمير بين صرامة النص ونداء الحاجة ؟ في رحاب البلدية ، تلك « جامعة الحياة » التي تتقاطع فيها حكايات البشر وتتشابك المصالح ، بين ميلادٍ ووفاة ، وما بينهما من محطات العمر ؛ من شهادات الميلاد والتعليم ، إلى رخص البناء وشؤون التهيئة ومختلف احتياجات المواطن ، يخوض عمي منصور وحفيده آدم حوارًا عميقًا يلتقي فيه رصيد الخبرة الميدانية بأسئلة الجيل الجديد وطموحه . إنها رحلة أدبية وتربوية تتجاوز حدود الأوراق والإجراءات ، لتكشف أن المسؤولية ليست منصبًا يُفتخر به ، بل أمانة تُصان ، ونزاهة تُختبر ، وعدلًا لا ينفصل عن الرحمة ، ولا يخضع لضغوط المصالح والمحاباة . 🌿 « أمانة المسؤولية » … حكاية تفتح أبوابًا من الحكمة ، وتتركنا أمام سؤال يمسّ جوهر الإنسان : حين نملك سلطة القرار أو القدرة على التأثير ، لمن نكون أوفياء حقًا ؟

🌿 أمانة المسؤولية

📖 من سلسلة : حكايات عمي منصور وحفيده آدم

✍️ بقلم : الكاتب والمؤلف عبد المجيد ڨناوي

📚 قصة قصيرة في الأدب الأجتماعي التربوي .

🌿 تمهيد :

حين تلتقي المعرفة بالتجربة

لم يكن آدم ذلك الشاب الذي يكتفي بالاستماع إلى حكايات الكبار ، ولا كان عمي منصور ممن يظنون أن التقدم في العمر يمنح صاحبه حق احتكار الحقيقة .

كان آدم قد بدأ يشق طريقه في الحياة الاجتماعية ، ويحمل طموحات كبيرة ، ويتابع ما يجري حوله من أحداث وتحولات . وكان يجد في الوسائل الرقمية أبوابًا واسعة للمعرفة ، يستطيع من خلالها الوصول إلى المعلومات ، وقراءة التحليلات ، ومقارنة الآراء في وقت قصير .

أما عمي منصور ، فقد عرف الحياة من أبوابها المختلفة . خبر الإدارة من الداخل ، وعاش تفاصيل العمل الجمعوي ، وخاض تجارب في المجال السياسي ، ورأى كيف تتقاطع المصالح ، وكيف تتغير المواقف ، وكيف يمكن أن يلتقي الإخلاص في خدمة الناس مع الاختلاف في الوسائل ، كما يمكن أن تتسلل المصلحة الشخصية إلى بعض المواقع التي يفترض أن تخدم الصالح العام .

لم يتعلم عمي منصور كل ذلك في كتاب ، ولم تكن تجربته معصومة من الخطأ . فقد تعلم من المواقف ، ومن نجاحات لم تدم ، ومن قرارات احتاجت إلى مراجعة ، ومن أشخاص أظهروا معادنهم حين اختلفت المصالح .

وكان يرى في المؤسسة البلدية التي عمل فيها ما يشبه جامعة الحياة ؛ ففيها تتقاطع حاجات الناس ، وتلتقي النصوص القانونية بظروف المواطنين ، وتظهر قيمة القرار حين يتحول من كلمات مكتوبة إلى أثر يعيشه الإنسان .

وفي مساء هادئ ، جلس آدم إلى جده ، يحمل هاتفه في يده ، بينما وضع عمي منصور مسبحته إلى جواره ، وراح يقلب فنجان الشاي بين أصابعه .

قال آدم مبتسمًا :

— جدي ، كثيرًا ما أسمعك تتحدث عن المسؤولية وكأنها امتحان طويل . لكنني أرى اليوم أن الإدارة أصبحت أكثر تطورًا ، وأن المعلومات متاحة للجميع ، وأن كثيرًا من المشكلات يمكن حلها بالمعرفة والتخطيط والتقنيات الحديثة . فلماذا تبدو تجربة المسؤول في الميدان أكثر تعقيدًا مما نتصور ؟

ابتسم عمي منصور ، ثم قال :

— لأن معرفة الطريق لا تعني أنك مشيت فيه يا آدم . لكنني لا أريدك أن تفهم من كلامي أن المعرفة النظرية لا قيمة لها . فالذي يدخل الميدان بلا علم قد يكرر أخطاء الآخرين ، والذي يكتفي بالعلم من بعيد قد يظن أن الناس أرقام في جدول ، وأن لكل مشكلة حلًّا جاهزًا .

رفع آدم رأسه وقال :

— إذن ، لا تكفي التجربة وحدها ، ولا تكفي المعلومات وحدها ؟

أجابه جده :

— هذا ما أريد أن نبحثه معًا . فالحكمة ليست في أن ينتصر جيل على جيل ، بل في أن يتعلم كل جيل مما عند الآخر .

🌿 الفصل الأول :

جامعة الحياة

تأمل آدم جده قليلًا ، ثم سأله :

— حدثني عن المؤسسة البلدية التي كنت تعمل فيها . لماذا تسميها أحيانًا جامعة الحياة ؟ أليست مجرد إدارة تقدم خدمات للمواطنين ؟

وضع عمي منصور فنجانه على الطاولة ، وقال :

— لو دخلت إليها بعين الموظف فقط ، فقد تراها مكاتب وأوراقًا وأختامًا وملفات . أما إذا دخلتها بعين من يريد فهم المجتمع ، فستجد فيها صورة مصغرة عن حياة الناس .

تبدأ الحكاية منذ تسجيل مولود جديد ، حين يأتي أبوان يحملان فرحة العمر ، وقد يرافقهما قلق لا يراه الموظف المستعجل . وتمتد إلى وثائق يحتاجها شاب ليبدأ عمله ، أو أسرة لتسوي وضعًا إداريًّا ، أو مواطن لإثبات حق من حقوقه . وقد تصل إلى تسجيل وفاة ، حين يأتي إنسان مثقل بالفقد ، ولا يحتاج إلى معاملة صحيحة فحسب ، بل إلى احترام مشاعره أيضًا .

سكت لحظة ، ثم أضاف :

— بين بداية الحياة ونهايتها ، تمر أمام الإدارة وجوه كثيرة ، ولكل وجه حكاية ، ولكل ملف ظروف لا تظهر كلها في الورق .

قال آدم :

— لكن الإدارة لا تستطيع أن تتعامل مع كل مواطن بحسب مشاعره . لا بد من قواعد موحدة ، وإجراءات واضحة ، حتى لا يصبح الأمر خاضعًا للأهواء .

أومأ عمي منصور موافقًا :

— كلامك صحيح . فالقواعد تحمي الناس من المحاباة ، وتمنع أن يحصل صاحب الصوت المرتفع على ما لا يحصل عليه صاحب الحق الصامت . لكن تطبيق القاعدة يحتاج أيضًا إلى فهمها ، وشرحها ، ومعرفة ما تسمح به من حلول .

قال آدم :

— تقصد أن الموظف قد يطبق القانون تطبيقًا صحيحًا ، لكنه يعجز عن مساعدة المواطن لأنه لا يبحث عن البدائل المتاحة ؟

قال الجد :

— نعم . فقد يرد موظف على إنسان محتاج بكلمة جافة ، ثم يظن أنه أدى واجبه لأنه لم يخالف القانون . بينما يستطيع موظف آخر أن يشرح له سبب الرفض ، ويدله على الطريق الصحيح ، أو يبين له الوثائق الناقصة ، أو يوجهه إلى الجهة المختصة .

وأضاف وهو ينظر إلى حفيده :

— الفرق بينهما ليس في القانون ، بل في طريقة فهم المسؤولية . الأول أغلق الباب عند حدود الإجراء ، والثاني احترم الإجراء ولم يغلق باب المساعدة .

فكر آدم قليلًا ، ثم قال :

— لكن حسن المعاملة وحده لا يكفي إذا كانت الإدارة بطيئة ، أو كانت الإجراءات معقدة ، أو كانت الموارد غير كافية . أحيانًا تكون المشكلة أكبر من الموظف نفسه .

ابتسم عمي منصور وقال :

— أحسنت . وهذه نقطة ينبغي ألا ننساها . ليس من العدل أن نحمل موظفًا واحدًا مسؤولية خلل صنعته منظومة كاملة . المسؤول الجيد لا يكتفي بمطالبة العاملين بالابتسام ، بل يبحث عن أسباب التعطيل ، ويوزع المسؤوليات بوضوح ، ويعمل على تحسين الإجراءات في حدود صلاحياته .

ثم أضاف :

— لهذا سميت المؤسسة البلدية جامعة الحياة . لأنها تعلمك أن القرار الإداري لا يعيش في الورق وحده ، وأن وراء كل إجراء إنسانًا ، ووراء كل خلل سببًا ينبغي البحث عنه .

نظر آدم إلى هاتفه وقال :

— أستطيع اليوم أن أقرأ القوانين والأنظمة ، وأن أطلع على تجارب إدارات كثيرة في العالم .

قال عمي منصور :

— وهذا مكسب عظيم . اقرأ ، وقارن ، واستفد من التجارب الناجحة . لكن حين تدخل الميدان ، لا تدخل إليه بعقل من يظن أنه عرف كل شيء . ادخل بعقل من يريد أن يختبر ما تعلمه ، ويكتشف ما لم يكن يعرفه .

ابتسم آدم :

— كأنك تقول لي إن جامعة الحياة لا تمنح شهادة تخرج نهائية .

ضحك عمي منصور وقال :

— بالضبط . كلما ظن الإنسان أنه انتهى من التعلم ، بدأت الحياة تكتب له درسًا جديدًا .

⚖️ الفصل الثاني :

بين القانون ودموع الناس

بعد لحظة صمت ، قال آدم :

— جدي ، دعني أسألك سؤالًا أصعب . ماذا يفعل المسؤول عندما يكون القانون واضحًا ، لكن تطبيقه يسبب ألمًا لإنسان لا يبدو أنه يستحق ذلك الألم ؟

نظر عمي منصور إلى حفيده باهتمام ، وقال :

— قبل أن نجيب ، علينا أن نفرق بين أمرين : أن يكون الإنسان محتاجًا فعلًا ، وأن يكون من حقه الحصول على ما يطلبه بالطريقة التي يريدها .

قال آدم :

— أليس الاحتياج سببًا كافيًا للبحث عن حل ؟

أجابه جده :

— هو سبب كافٍ للبحث عن حل ، لكنه ليس دائمًا مبررًا لتجاوز القانون . تخيل أن مسؤولًا منح شخصًا امتيازًا خارج القواعد لأنه تأثر بظروفه ، فحرم شخصًا آخر من حقه ، وكان ذلك الآخر أشد حاجة ، لكنه لم يعرف كيف يرفع صوته أو يصل إلى المسؤول .

تأمل آدم الفكرة ، ثم قال :

— إذن ، قد يتحول التعاطف مع شخص واحد إلى ظلم لشخص آخر .

قال عمي منصور :

— وهذا ما ينبغي أن ينتبه إليه كل من يحمل مسؤولية . الرحمة مطلوبة ، لكنها لا تعني أن نوزع الحقوق بحسب قرب الناس منا أو قدرتهم على التأثير فينا .

ثم حكى له عن مواطن دخل يومًا إلى مكتب المسؤول غاضبًا ، وراح يتحدث بِحِدَّة ، ويشتكي من تأخر معاملة تخصه . كان يرى أن حقه ضاع ، وأن الإدارة لا تسمع إلا لمن يرفع صوته .

لم يقاطعه عمي منصور ، ولم يرد عليه بالغضب . تركه يفرغ ما في نفسه ، ثم سأله عن تفاصيل معاملته ، وراجع معه ما ينقصها ، وشرح له أين توقفت ، وما الذي يمكن فعله في إطار القانون .

قال آدم :

— وهل هدأ الرجل بمجرد أن استمعت إليه ؟

أجاب جده :

— ليس دائمًا . بعض الناس يهدأ حين يجد من يسمعه ، وبعضهم يحتاج إلى وقت حتى يقتنع ، وبعضهم لا يرضى إلا بالحصول على ما يريد ، ولو لم يكن من حقه .

قال آدم :

— لكن ألا يمكن أن يستغل المسؤول القانون ليتهرب من معالجة المشكلات ؟ قد يقول للمواطن : هذا هو القانون ، ثم يغلق الملف ، مع أن هناك حلولًا مشروعة لم يبحث عنها .

ابتسم عمي منصور وقال :

— نعم ، وهذا احتمال لا يجوز تجاهله . فالقانون لا ينبغي أن يتحول إلى ستار يخفي الكسل ، ولا إلى حجة تمنع المسؤول من التفكير . المسؤولية ليست أن تبحث عن أول سبب للرفض ، بل أن تبحث عن الحل الصحيح ، ثم تشرح للناس حدود الممكن والممنوع .

سأل آدم :

— وكيف نعرف أن المسؤول اتخذ القرار العادل ؟

أجاب الجد بعد تفكير :

— لا يكفي أن نسمع منه أنه عادل . علينا أن نسأل : هل طبق القاعدة نفسها على الحالات المتشابهة ؟ هل استمع إلى الأطراف المعنية ؟ هل درس الوقائع ؟ هل شرح أسبابه ؟ وهل ترك مجالًا للمراجعة أو التظلم عندما يسمح النظام بذلك ؟

قال آدم :

— أي إن النية الحسنة لا تعفينا من فحص النتائج .

أجابه عمي منصور :

— صحيح . قد يقصد الإنسان الخير ويخطئ في تقدير الأمور . ولذلك لا بد من العلم ، والشفافية ، والمحاسبة ، والاستعداد لتصحيح الخطأ .

ثم أضاف بنبرة هادئة :

— يا آدم ، ليس كل قرار صعب قرارًا ظالمًا ، وليس كل قرار يرضي الناس قرارًا عادلًا . لكن المسؤول مطالب بأن يبذل ما يستطيع حتى لا تتحول الصعوبة إلى قسوة ، ولا تتحول الرحمة إلى محاباة .

أطرق آدم قليلًا ، ثم قال :

— بدأت أفهم أن العدل ليس أن نعامل الناس ببرود متساوٍ ، بل أن نحفظ حقوقهم بإنصاف ، ونراعي ظروفهم دون أن نعتدي على حقوق غيرهم .

قال عمي منصور :

— هذه عبارة تستحق أن تحتفظ بها .

🎭 الفصل الثالث :

ما لا تقوله الكواليس

مال آدم إلى الأمام ، وقال :

— جدي ، تحدثت عن الإدارة ، لكنك عشت أيضًا في العمل الجمعوي والمجال السياسي . هل القواعد هناك مختلفة ؟

ابتسم عمي منصور وقال :

— المبادئ لا ينبغي أن تختلف ، لكن الظروف تتغير ، والناس يتحركون داخل شبكات من المصالح والآمال والمخاوف . في الإدارة ترى الملفات والطلبات ، وفي الجمعيات ترى المبادرات والتطوع والتنافس على خدمة الناس ، وفي السياسة ترى البرامج والمواقف والتحالفات ، وقد ترى أيضًا خلافات حول النفوذ والقرار والاتجاه الذي ينبغي أن تسير فيه الأمور .

قال آدم :

— لكن السياسة ليست كلها صراع مصالح . هناك من يدخلها مؤمنًا ببرنامج يريد تحقيقه ، وهناك من يعمل بإخلاص لخدمة المجتمع .

أومأ جده موافقًا :

— بالطبع . وليس من الإنصاف أن نختزل العمل السياسي في الخداع ، كما لا يصح أن نتصور أن كل من رفع شعار خدمة الناس قد جعلها غايته الوحيدة . في كل مجال تجد الصادق والمخطئ ، والمخلص والمتردد ، ومن يختلف معك لأنه يرى الأمر من زاوية أخرى ، ومن ينافسك لأنه يريد موقعًا أو منفعة .

ثم أضاف :

— الخبرة تعلمك ألا تحكم على الناس من شعاراتهم وحدها ، وألا تتهمهم لمجرد اختلافهم معك . انظر إلى مواقفهم ، واستمع إلى حججهم ، وراقب مدى انسجام أقوالهم مع أفعالهم .

قال آدم :

— ولكن كيف يميز الإنسان بين الاختلاف المشروع والتلاعب بالمواقف ؟ فقد تتغير الظروف ، وقد يراجع المرء رأيه عن اقتناع ، ثم يتهمه الآخرون بالتقلب .

ابتسم عمي منصور ، وقال :

— سؤال مهم . ليس كل تغيير في الموقف دليلًا على الانتهازية . قد يتغير الإنسان لأنه تعلم معلومة جديدة ، أو اكتشف أن تقديره السابق لم يكن دقيقًا . أما الذي يغير موقفه كلما تغيرت مصلحته ، ويقدم للناس تفسيرًا ويخفي عنهم تفسيرًا آخر ، فهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل .

قال آدم :

— إذن ، لا نحكم على التغيير وحده ، بل ننظر إلى أسبابه وطريقته ونتائجه .

قال الجد :

— نعم . فالعقل لا يكتفي بمشاهدة الحركة ، بل يحاول فهم ما وراءها ، من غير أن يدعي معرفة النيات التي لا يملك دليلًا عليها .

سكت آدم قليلًا ، ثم قال :

— في هذا الزمن ، تنتشر المعلومات بسرعة ، ويمكن لمقطع قصير أو منشور واحد أن يصنع صورة كاملة في أذهان الناس ، حتى لو كان لا يعرض إلا جزءًا من الحقيقة .

أجاب عمي منصور :

— وهذه من أخطر امتحانات زمانكم . فالمعلومة السريعة قد تكون صحيحة ، لكنها قد تكون ناقصة . والصورة قد تنقل واقعة حقيقية ، لكنها لا تشرح ما سبقها ولا ما تلاها . لذلك لا تجعل سرعة الوصول إلى المعلومة بديلًا عن التثبت منها .

ثم نظر إلى هاتف آدم وقال :

— بضغطة زر تستطيع أن تعرف ما حدث في العالم ، وأن تقرأ تحليلات كثيرة عن الإدارة والسياسة والحياة . لكن هناك أشياء لا تظهر لك على الشاشة بسهولة ؛ نبرة صوت حين يطلب إنسان حقه ، وصمت موظف يخشى أن يتكلم ، وضغط يتعرض له صاحب قرار ، ومصلحة تتغير حين تتغير موازين القوة .

رفع آدم عينيه وقال :

— لكن الخبرة الميدانية نفسها قد تخدع صاحبها . فقد يظن أن ما عاشه مرة هو قاعدة عامة ، أو يفسر سلوك الناس وفق تجاربه القديمة ، بينما تغير المجتمع وتغيرت أدواته .

ابتسم عمي منصور ابتسامة رضا ، وقال :

— صدقت يا آدم . لقد أصبت جانبًا قد يغفل عنه أصحاب التجارب الطويلة . فالميدان يعلمنا ، لكنه لا يمنحنا العصمة . ومن يرفض مراجعة خبرته قد تتحول خبرته إلى قيد يمنعه من رؤية الجديد .

وأضاف :

— لهذا أحتاج أحيانًا إلى أسئلة الشباب . أنتم ترون بعض الأشياء من زاوية مختلفة ، وتملكون أدوات لم تكن متاحة لنا . لكنكم تحتاجون أيضًا إلى أن تعرفوا أن ما يظهر أمامكم ليس كل ما يجري خلفه .

قال آدم :

— إذن ، أنت تحتاج إلى ما أتعلمه من هذا العصر ، كما أحتاج أنا إلى ما تعلمته من الحياة .

أجابه جده :

— هذا هو الحوار الذي أريده بيننا . لا أريدك أن تصدق كلامي لأنني أكبر منك ، ولا أريدك أن ترفضه لأنك تنتمي إلى جيل جديد . ناقش الفكرة ، واسأل عن الدليل ، وقارن بين المعلومة والتجربة ، ثم دع العقل والضمير يساعدانك على الوصول إلى حكم أقرب إلى الصواب .

ابتسم آدم وقال :

— يبدو أن جامعة الحياة لا تمنح الأستاذ حق احتكار الإجابة .

ضحك عمي منصور وقال :

— ولا تمنح الطالب حق رفض الدرس قبل أن يفهمه !

🌱 الفصل الرابع :

حين يطرق القريب الباب

كان الليل قد تقدم ، وبدأ صوت المارة يخفت في الخارج . ومع ذلك ، لم يكن آدم قد انتهى من أسئلته .

قال :

— جدي ، أظن أن أصعب امتحان للمسؤول ليس التعامل مع المواطن الغريب ، بل التعامل مع القريب الذي ينتظر منه معاملة خاصة .

تغيرت ملامح عمي منصور قليلًا ، ثم قال :

— لأن القريب لا يطلب منك خدمة فحسب ، بل قد يضعك أمام امتحان آخر : هل تستطيع أن تفرق بين محبتك له وواجبك تجاه الآخرين ؟

سأله آدم :

— هل مررت بمثل هذا الموقف ؟

أجاب الجد :

— نعم . فقد يأتيك قريب يطلب منك أن تقدم ملفه على ملفات غيره ، أو أن تمنحه امتيازًا لا تسمح به القواعد ، أو أن تتدخل في أمر ينبغي أن يخضع لمعايير واضحة .

ثم تابع :

— وقد يكون صاحب الطلب محتاجًا فعلًا ، وقد تكون ظروفه صعبة . لكن وجود القرابة لا يجعل حقه أكبر من حق غيره . فإذا كانت هناك معايير للاستفادة من خدمة عامة ، وجب أن تطبق على الجميع ، وأن يبحث المسؤول عن السبل المشروعة لمساعدة من يحتاج إلى المساعدة .

قال آدم :

— لكن الرفض قد يترك أثرًا مؤلمًا في العلاقة العائلية . وقد يفسره القريب على أنه تكبر أو تغير بعد تولي المنصب .

قال عمي منصور :

— وهذا يحدث . فبعض الناس يخلطون بين المحبة وتلبية الطلب ، وبين الوفاء ومنح الامتياز . فإذا لم يحصلوا على ما أرادوا ، ظنوا أن العلاقة نفسها قد انتهت .

ثم سكت قليلًا وأضاف :

— لكن على المسؤول أيضًا ألا يتعامل مع القريب بتعالٍ ، ولا يجعل القانون وسيلة لإذلاله . يستطيع أن يشرح له موقفه بهدوء ، وأن يعامله باحترام ، وأن يساعده في معرفة الطريق الصحيح ، دون أن يمنحه ما ليس من حقه .

قال آدم :

— أي إن النزاهة لا تعني أن نجرح الناس حتى نثبت أننا نزهاء .

أجاب الجد :

— أحسنت . فليس من الشجاعة أن تقسو على قريبك أمام الناس لتظهر أنك لا تحابي أحدًا . النزاهة أن تتخذ القرار الصحيح ، ثم تتحمل مسؤوليته بأدب ووضوح .

فكر آدم قليلًا ، ثم قال :

— وماذا لو بقي القريب غاضبًا ، وابتعد عنك ، ولم يقتنع بتفسيرك ؟

تنهد عمي منصور وقال :

— ليس كل خلاف ينتهي كما نريد . أحيانًا نفعل ما نراه صحيحًا ، ثم ندفع ثمنه في علاقاتنا . لكن علينا أن نراجع أنفسنا أولًا : هل كان القرار عادلًا فعلًا ؟ هل استمعنا إلى الطرف الآخر ؟ هل كانت هناك طريقة مشروعة أفضل لمعالجة الأمر ؟ فإن وجدنا خطأً أصلحناه ، وإن تبين لنا أننا اجتهدنا بقدر ما نستطيع ، لم يكن من الصواب أن نتخلى عن العدل خوفًا من غضب الناس .

قال آدم :

— لكن ماذا لو كان المسؤول مخطئًا ، ثم احتمى بمبدأ النزاهة ليبرر قراره ؟

أجاب عمي منصور دون تردد :

— عندها لا تكفيه الكلمات الجميلة . النزاهة ليست شهادة يمنحها الإنسان لنفسه . إنها سلوك يمكن للناس أن يفحصوه ، وقرارات يمكن مراجعتها ، وحقوق لا يجوز أن تضيع لأن صاحب السلطة يرفض الاعتراف بخطئه .

نظر آدم إلى جده بإعجاب ، وقال :

— إذن ، على المسؤول أن يكون مستعدًا للمحاسبة ، حتى عندما يكون مقتنعًا بأنه تصرف بحسن نية .

قال عمي منصور :

— نعم . فحسن النية لا يلغي أثر القرار ، والخبرة لا تمنع الخطأ ، والمنصب لا يحول صاحبه إلى إنسان فوق النقد .

ثم أضاف :

— تذكر يا آدم ، أن القريب الذي يخاصمك بسبب امتياز لم تمنحه له قد يهدأ يومًا ، وقد لا يهدأ . أما إذا ظلمت إنسانًا آخر من أجل إرضائه ، فقد تكون قد خسرت حق ذلك الإنسان ، وخسرت شيئًا من نفسك أيضًا .

🕊️ الفصل الخامس :

حين تنتهي السلطة وتبقى الأمانة

ساد صمت قصير ، ثم سأل آدم :

— جدي ، حين تنتهي مسؤولية الإنسان ، ماذا يبقى له منها ؟ فالمنصب يزول ، والقرارات تصبح من الماضي ، والناس ينتقلون إلى انشغالات جديدة .

نظر عمي منصور إلى الشارع من وراء النافذة ، وقال :

— يبقى أثر ما فعل ، وما تركه وراءه ، وما تعلمه من أخطائه . وقد ينسى الناس تفاصيل كثيرة ، لكن بعض القرارات تبقى في حياة أصحابها زمنًا طويلًا ، سواء كانت قد أنصفتهم أو أضرت بهم .

قال آدم :

— وهل يستطيع المسؤول أن يعرف دائمًا أثر قراراته ؟

أجاب الجد :

— لا . فبعض الآثار لا تظهر فورًا ، وبعض النتائج تتداخل فيها عوامل كثيرة . ولهذا يحتاج المسؤول إلى متابعة عمله ، والاستماع إلى الناس ، ومراجعة ما اتخذه من قرارات . ولا ينبغي له أن يكتفي بالتقارير التي تمدحه ، أو بالأصوات التي توافقه .

ابتسم آدم وقال :

— يبدو أن المسؤول يحتاج إلى من يقول له : أخطأت ، بقدر حاجته إلى من يقول له : أحسنت .

أومأ عمي منصور :

— بل قد يحتاج إلى الأول أكثر ، إذا كان الذين حوله يخشون مصارحته . فالمسؤول الذي لا يسمع إلا الثناء قد يظن أنه لا يخطئ ، بينما يبدأ الخلل أحيانًا من اللحظة التي يصبح فيها النقد عدوًّا ، ويصبح التصفيق دليلًا على النجاح .

قال آدم :

— لكن النقد نفسه قد يكون ظالمًا . فقد يتهم الناس المسؤول لأنه لم يحقق مصالحهم ، أو لأنهم لا يعرفون الظروف التي أحاطت بقراره .

قال الجد :

— صحيح . لهذا ينبغي ألا نجعل كل اتهام حقيقة ، ولا كل دفاع براءة . نحتاج إلى الوقائع ، والوثائق ، وحق الرد ، والجهات المختصة بالمراجعة والمحاسبة . فالعدل لا يتحقق بالصوت الأعلى ، بل بما يثبت بعد الفحص .

ثم تابع :

— ومن الإنصاف أيضًا ألا نحكم على تجربة مسؤول كاملة من قرار واحد ، كما لا ينبغي أن نمحو أخطاءه لأنه قدم بعض الأعمال النافعة . الناس ليسوا ملائكة ولا شياطين ، والمسؤولية تحتاج إلى تقييم متوازن ، يعترف بالإنجاز ويكشف التقصير .

قال آدم :

— وهل يمكن للإنسان أن يخرج من تجربة المسؤولية دون أن يندم على شيء ؟

ابتسم عمي منصور ابتسامة هادئة :

— لا أظن أن من عاش التجربة بصدق يخرج منها بلا مراجعة . قد يتذكر قرارًا كان يستطيع أن يتخذه بطريقة أفضل ، أو موقفًا كان ينبغي أن يستمع فيه أكثر ، أو فرصة لم ينتبه إليها في وقتها . المهم ألا يحول الندم إلى حزن لا ينفع ، بل يجعله بابًا للتعلم والإصلاح .

قال آدم :

— كأنك تقول إن التجربة لا تكتمل حين تنتهي المسؤولية ، بل حين يفهم الإنسان ما حدث فيها .

أجاب الجد :

— نعم . وقد تكون مراجعة التجربة بعد انتهاء المنصب أكثر صدقًا من الحديث عنها أثناءه ، حين تكون المصالح والضغوط ما تزال حاضرة .

ثم أخذ مسبحته بين أصابعه ، وقال :

— لكن لا تظن أن أمانة المسؤولية تخص أصحاب المناصب وحدهم . الأب مسؤول عن عدله بين أبنائه ، والمعلم مسؤول عن أثر كلمته في طلابه ، والطبيب مسؤول عن أمانته مع مرضاه ، والعامل مسؤول عن إتقانه ، وصاحب الكلمة مسؤول عما ينشره بين الناس .

قال آدم :

— حتى من لا يملك سلطة رسمية يحمل نوعًا من المسؤولية ؟

قال عمي منصور :

— كلما اتسع أثر الإنسان في حياة غيره ، اتسعت مسؤوليته . قد لا يملك أحدنا قرارًا في مؤسسة كبيرة ، لكنه يملك قرارًا في بيته ، أو في عمله ، أو في كلمة يكتبها ، أو في موقف يتخذه حين يرى ظلمًا أمامه .

ثم نظر إلى حفيده وأضاف :

— المنصب قد يمنح صاحبه صلاحيات واسعة ، لكنه لا يمنحه قيمة الإنسان . قيمته الحقيقية تظهر في الطريقة التي يستخدم بها ما أتيح له من قدرة ، وفي استعداده لأن يُسأل عما فعل .

تأمل آدم كلام جده ، ثم قال :

— بدأت أرى أن المسؤولية ليست مجرد اتخاذ القرارات ، بل معرفة حدود السلطة ، واحترام حقوق الآخرين ، والاستعداد لتصحيح الخطأ .

قال عمي منصور :

— وهذه بداية جيدة . أما بقية الدرس ، فستتعلمه كلما دخلت الحياة بعقل مفتوح ، وقلب لا يستسلم للمحاباة ، وضمير لا يرضى بالظلم .

🌅 خاتمة :

لا الخبرة تكفي وحدها ، ولا المعلومة تكفي وحدها

نهض آدم ليضع هاتفيهما على الطاولة ، ثم عاد وجلس إلى جوار جده .

قال :

— جدي ، كنت أظن أن المسؤولية مسألة قوانين وصلاحيات ، وأن الوصول إلى المعلومات يجعل فهمها أسهل . أما الآن ، فأرى أن القرار الواحد قد تختلط فيه القاعدة القانونية ، وحاجة الإنسان ، وضغط المجتمع ، والمصلحة العامة ، وحدود الإمكان .

ابتسم عمي منصور وقال :

— وأريدك أن تضيف إلى ذلك شيئًا آخر : لا تجعل تجربتي نهاية تفكيرك ، ولا تجعل المعلومات التي تصل إليها بداية حكم متسرع . اسأل ، وابحث ، وقارن ، واستمع إلى أكثر من طرف ، ثم راجع حكمك كلما ظهرت لك حقيقة جديدة .

قال آدم :

— وأنت أيضًا ، يا جدي ، لا تجعل ما عشته في الماضي حاجزًا بينك وبين ما يتغير في الحاضر .

ضحك عمي منصور وقال :

— هذا ما أحتاج إلى تذكّره أنا أيضًا . فالحياة لا تتوقف عند جيل ، والحقيقة لا تصبح ملكًا لمن عاش أطول ، كما أن المعرفة لا تصبح حكمة لمجرد أنها وصلت بضغطة زر .

ثم رفع فنجانه ، وقال :

— يا آدم ، الخبرة تعلمنا كيف نقرأ ما بين السطور ، والمعرفة تساعدنا على اكتشاف ما لم نره من قبل . فإذا اجتمعتا مع العقل والضمير ، صار الإنسان أقدر على اتخاذ القرار . أما إذا انفصلت إحداهما عن الأخرى ، فقد يعرف المرء كثيرًا ولا يحسن التصرف ، أو يملك تجارب كثيرة ويرفض أن يتعلم من الجديد .

ابتسم آدم ، ثم قال :

— يبدو أننا لم ننته من الحوار بعد .

أجابه جده :

— الحوار الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الجلسة . إنه يبدأ حين نخرج من الكلام إلى العمل ، ونختبر أفكارنا في الواقع ، ونملك الشجاعة للاعتراف بما تعلمناه .

وفي تلك الليلة ، لم يخرج آدم من مجلس جده بإجابة جاهزة عن كل أسئلة المسؤولية ، لكنه خرج بسؤال أكثر أهمية :

كيف يستطيع الإنسان ، حين تُتاح له سلطة أو معرفة أو قدرة على التأثير ، أن يستخدمها دون أن ينسى الإنسان الذي تتعلق حياته بقراره ؟

🌿 كلمة أخيرة للقارئ

ليست هذه الحكاية حكمًا على مسؤول بعينه ، ولا ادعاءً بأن كل قرار صعب عادل ، أو أن كل تجربة ميدانية تمنح صاحبها الصواب . إنها دعوة إلى التفكير في معنى المسؤولية ، وفي ضرورة التمييز بين حسن النية وصحة القرار ، وبين الرحمة والمحاباة ، وبين الاختلاف المشروع واستغلال النفوذ .

فالمسؤولية أمانة ، والأمانة لا تثبت بالكلام وحده ، بل بالعدل والشفافية والمحاسبة والاستعداد للمراجعة .

والمعرفة الرقمية نعمة حين تقود إلى البحث والتثبت ، والخبرة الميدانية نعمة حين تبقى منفتحة على النقد والتجديد .

أما الحكمة ، فلا تسأل عن عمر صاحبها وحده ، بل عن قدرته على الإصغاء ، والإنصاف ، والتعلم ، والاعتراف بالخطأ .

🔚 نهاية الرواية

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

16 + 6 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.