الزنباع في مقهى النشامي
قصة

الزنباع في مقهى النشامي

26 جوان 2026212 مشاهدة6 دقائق للقراءة

☕📖 جديد حكايات عمي منصور وآدم هل يمكن لمباراة كرة قدم أن تتحول إلى جسرٍ بين شعبين ؟ وهل تستطيع كلمةٌ عاميةٌ عابرة أن تفعل ما تعجز عنه أحياناً الخطب الطويلة ؟ في زمنٍ تتسابق فيه الشاشات لجذب الانتباه ، وتتزاحم فيه الأخبار والترندات والمشاهدات ، يجلس عمي منصور على كرسيه الخشبي المعتاد ، يتأمل الدنيا بعين الحكمة ، بينما ينقل إليه آدم نبض المنصات الرقمية بكل ما فيها من طرافة وضجيج وأسئلة . بين النشامى وميسي ، وبين « الشلاغم » و « الزنباع » ، وبين الضحكة العابرة والتأمل العميق ، تنسج هذه القصة القصيرة رحلةً اجتماعيةً خفيفة الظل ، تحمل في طياتها حديثاً عن الأخوة بين الشعوب ، وعن ثقافة المنصات ، وعن الفرق بين الشهرة والقيمة ، وبين ضجيج اللحظة وجوهر الإنسان . 📚 قصة قصيرة اجتماعية ✍️ بقلم : الأستاذ عبد المجيد قناوي « الزنباع في مقهى النشامى 🇯🇴 🇩🇿 »

الزنباع في مقهى النشامى 🇯🇴 🇩🇿

بقلم الأستاذ : عبد المجيد قناوي ✍️

☕ خيبة مبهجة وشاشات لا تهدأ

​على نفس الكرسي الخشبي العتيق في شرفة المنزل ، كان عمي منصور يرتشف قهوته المسائية في هدوء وسكينة ، وعيناه تراقبان غروب الشمس بوقار رجل عركته الأيام .

​إلى جواره ، لم يعد آدم ذلك المراهق الذي تقلقه مجرد خسارة عابرة ؛ لقد نمت قامته الفتية ، واشتد عوده ، وبدت نبرته أكثر رجولة ونضجاً وهو يقلب هاتفه بنقرات مدروسة ، لكن شغفه بالكرة ظل حياً ، نابضاً بالشباب .

​التفت آدم نحو جده ، والابتسامة تنافس الحيرة على وجهه ، وقال :

— « يا جدي ، انقلبت المنصات رأساً على عقب ! الأردن والنشامى في مواجهة الأرجنتين وميسي.. والجزائريون قرروا هجرة صفحاتهم ومساندة إخوانهم ، حتى إن أحدهم كتب : ( إذا استدعى الأمر ، سننزل نصف الجمهور الأردني إلى الملعب ليربطوا ميسي ! ) . »

​ابتسم عمي منصور ابتسامة خفيفة ، وضع فنجانه جانباً ، وقال بنبرته الحكيمة الساخرة :

— « يربطون ميسي يا ولدي ؟ هذا الفضائي كروياً يحتاج إلى حبال من مسد ! لكن الجميل في الأمر هو هذه الروح الطريفة . أخبرني ، ما الذي يجمع بين قسوة الميدان وهذه الفكاهة العفوية ؟ »

​💬 دبلوماسية الشلاغم والزنباع 🍊

​رد آدم وهو يعرض على جده مقطعاً تفاعلياً :

— « إنه تقارب القلوب يا جدي ! الأردنيون شعب راقٍ ومثقف ، وقد فتحت هذه المباراة باباً لتعارف عجيب .

تخيل أن كلمة عامية من شرقنا الجزائري صارت ترنداً هناك ! صاروا يقولون : ( لازم النشامى يشلقموا الأرجنتين ).. وشرحوا لهم أن ( شلقم ) مشتقة من الشلاغم ، أي الشوارب والرجولة ، وفي مناطق أخرى تعني ضرب الخد حتى يصدر صوتاً ! »

​ضحك آدم وتابع :

— « بل إنهم يسألوننا الآن عن المعنى الحقيقي لعبارة ( نْوَرُّولهْمْ الزّنْباعْ وينْ يَتْبَاعْ ) ! لقد تحولت الكرة إلى سفير ثقافي غير رسمي . »

​ابتسم عمي منصور وقال :

— « سبحان الله يا آدم ، أحياناً تفعل ضحكة صادقة بين شعبين ما تعجز عنه خطابات طويلة ومنابر كثيرة . »

​ثم هز عمي منصور رأسه إعجاباً ، ونظر إلى حفيده الذي كبر قائلاً :

— « هذا هو الوجه الجميل للجزائري يا آدم.. إذا أحبّ شعباً ، وهبه قاموسه الشعبي وعاطفته النبيلة . الأردن أهل نخوة وطيبة ، وأن تلتقي الشعوب على ضحكة ومصطلح ، خير لها من أن تلتقي على عصبية عمياء تفرق الأخوة . »

​🛍️ من قماش " سُوسُو " إلى "جيت سكي " المشاهدات 🌊

​سكت آدم برهة ، ثم انقلبت ملامحه إلى مزيج من السخرية والاستنكار وهو يتابع القراءة :

— « لكن يا جدي ، يبدو أن طيف قصة ( سوسو ) القديمة ما زال يلاحقنا ! هل تتذكر صانع المحتوى الذي تحدانا وصار اسمه ( قماشاً ) في أسواقنا ؟

الآن ، التعليقات تقول إن كل مشاكله انتهت ، والـ ( Jet-ski ) الذي يركب به اليوم اشتراه من أموال المتابعين الذين جرى وراءهم بعد تلك الضجة ! حتى إن هناك من نشر إشاعة طريفة تقول إن حلاقاً سيشتري نادياً أوروبياً كبيراً بفضل الأرباح التي جناها من قصة حلاقة الذقن تلك ! »

​وأضاف آدم بنبرة تأملية :

— « لكن يا جدي ، يبدو أن الضجة أصبحت تجارة مربحة ، فكلما اشتعلت قصة ، ازدادت المشاهدات وامتلأت الجيوب . بل إن الكل في المنصات منقسم ؛ هناك من يدافع بعفوية ويقول : ( واش خسرنا.. خلوه يسترزق ، الجَامْ ياخي باطل ) ، وهناك من يرى أن تفاعلنا هو لتأديب من يتطاول تحت شعار : ( تغلط تخلص ) !

ثم إن بعض المعلقين صاروا يرددون مقطعاً شعبياً طريفاً انتشر كالنار في الهشيم :

( احنا الجزاير يِن راسَة .. واللي خربْ فينا باصَا )

ويشرحونها مازحين بأن كلمة « راسة » مأخوذة من كلمة Race الفرنسية ، في إشارة إلى الأصالة والاعتزاز بالنفس ، أما « باصا » فهي من الكلمات الدارجة المتداولة التي تُستعمل للدلالة على أن من يتجاوز حدوده أو يستفز الناس قد يدفع ثمن فعلته . وهكذا تحولت الأغنية ، مثل كثير من التعليقات ، إلى وسيلة للتعبير عن الفخر الشعبي ممزوجاً بالفكاهة والتهويل المحبب الذي تعرفه منصات التواصل . »

​تغيرت ملامح عمي منصور قليلاً ، وعادت الصرامة إلى وجهه ، ومزج في نظرته العجب بالشفقة ، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال بصوت رزين :

— « يا ولدي ، السوق لا يبيع دائماً الأشياء النافعة ، أحياناً يبيع الضجيج أكثر مما يبيع الحكمة .

ولو كانت المشاهدات دليلاً على القيمة ، لكان المُهرّج أعظم من الُمعلّم ، ولكان صانعُ النكتة أشهر من صانع الأجيال . »

​ثم أكمل منصور واضعاً يده على كتف حفيده :

— « المشكل يا آدم ليس في طيبة قلوب الناس ، فالجزائري بطبعه كريم يحب الخير للغير ، لكن بعض صناع المحتوى عرفوا ( الشفرة ) التي تحرك عواطفنا ، فصاروا يستغلون فخرنا الوطني أو يستفزوننا ليرفعوا عداد المشاهدات .

هل يُعقل يا بني أن نمنحهم ملايين المشاهدات بأيدينا ، ثم نشتكي من نفوذهم وتأثيرهم ؟ المشاهدات المجانية التي يراها البعض ( باطل ) هي في الحقيقة رأس مال يملأ جيوبهم بـ ( البوز ) الممسوخ ، وفي وقت غفلتنا نحتاج فعلاً إلى ما تسمونه في لغتكم الدارجة بـ ( حكمان الفرفارة ) حتى لا تقودنا العواطف حيث يشاء غيرنا !

الإنسان قد يخسر مباراة ويربح احترامه ، وقد يربح ضجة عابرة ويخسر وقاره . »

​ثم هز رأسه وأضاف :

« والناس يا ولدي قد تنسى نتيجة مباراة بعد أيام ، لكنها لا تنسى موقفاً جميلاً أو سقطةً كبيرة مهما طال الزمن . »

​📜 صدمة " تشيخوف " وجوهر الوعي 🧠

​أومأ آدم برأسه موافقاً ، وبدت عليه ملامح الشاب المثقف الواعي الذي يفهم أبعاد كلام جده ، وقال :

— « حقاً يا جدي.. لقد لفت انتباهي تعليق وسط هذا الصخب يقتبس كلاماً للكاتب الروسي ( أنطون تشيخوف ) يقول فيه : ( المجتمع يُصنف فاشلاً بامتياز عندما تتصدر المواضيع التافهة والسطحية واجهة النقاشات ، ويتصدر التافهون المشهد العام ) .

وهناك من علق بحسرة : ( الأمة ضائعة فعلاً ونحن نجري وراء الكرة ). »

​رفع عمي منصور عينيه نحو الأفق ، وأخذ نفساً عميقاً ، ثم قال بنبرة دافئة :

« تعرف يا آدم ؟ الناس قديماً كانوا يجتمعون حول الحكواتي ليسمعوا قصة تنفعهم ، أما اليوم فكثير منهم يجتمعون حول شاشة صغيرة ليروا من يصرخ أكثر أو يثير جدلاً أكبر . الزمن تغير ، لكن العقل السليم ما زال يميز بين الذهب والطلاء . »

​ثم تابع بحرص :

— « الكرة تبقى كرة ، متعة عابرة ولعبة منفوخة بالهواء ، والرابح الحقيقي ليس من يهز الشباك أو من يجمع الملايين من وراء تحديات ممسوخة ، بل من يحافظ على عقله وقيمه في زمن كثرت فيه الخفة . »

​ثم نهض متكئاً على عصاه ، وربت على كتف حفيده قائلاً بنبرة أبويّة تشع فخراً :

— « تذكر دائماً يا ولدي ، الكرة تسعد الناس ساعة ، أما الأخلاق فتسعدهم عمراً كاملاً . اذهب الآن يا ولدي ، وأحضر لنا برّاد شاي بنعناع الجزائر.. ودعنا ننتظر كيف سيشلقم النشامى هذا الفضائي بمحبة وأخلاق ، لعل وعسى ! »

​ضحك آدم وهو يتجه نحو المطبخ لإعداد الشاي بملامح أكثر نضجاً ورجولة ، بينما عاد عمي منصور إلى كرسيه الخشبي يتأمل غروب الشمس بوقاره المعتاد ، وكأن الدنيا كلها مباراة كبيرة ، يفوز فيها في النهاية من يحافظ على إنسانيته .

​وفي الأفق كانت الشمس تغيب ببطء ، أما كلمات عمي منصور فبقيت معلقة في ذهن آدم ، كأنها هدف جميل لا يُنسى بعد صافرة النهاية .

​___

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر