
🌳 الشجرة والزوايا الأربع
🌳 لماذا يقتتل الناس حول " نصف الحقيقة " ؟ 🌳 كلمة واحدة تُقال اليوم... فتتحول غداً إلى موجةٍ من الجدل ، وتنقسم الآراء إلى معسكرات متقابلة . فهذا يراها شجاعة ، وذاك يراها خطأً... وكل طرف يظن أنه أمسك بالحقيقة كاملة . لكن... هل تكفي زاوية واحدة للحكم على صورةٍ واسعة ؟ وهل يمكن أن نصل إلى العدل ونحن نسمع صوتاً واحداً فقط ؟ في زمنٍ أصبحت فيه الأفكار تُحاكم قبل أن تُفهم ، يحتاج الإنسان إلى الحكمة أكثر من حاجته إلى سرعة الحكم ، وإلى التأمل أكثر من الانفعال . في هذه الحكاية الجديدة من « حكايات عمي منصور » ، يجلس الجد الحكيم مع حفيده آدم أمام قضية رأي عام أثارت الكثير من النقاش ، ليكتشفا معاً أن الحقيقة تشبه شجرةً كبيرة... لا يمكن فهمها من مكان واحد ، بل تحتاج إلى أن ندور حولها وننظر إليها من زوايا أربع . 🌿 « الشجرة والزوايا الأربع » 🌿 حكاية عن ميزان العدل وسط طوفان الآراء ، وعن الفرق بين الرأي والحقيقة ، وبين الانفعال والحكمة . 📖 اقرأ القصة كاملة... واكتشف الزوايا الأربع التي تساعدنا على فهم القضايا قبل إصدار الأحكام . ✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي
📜 قصة قصيرة 🌳 « الشَّجَرَةُ وَالزَّوَايَا الأَرْبَعُ » 🌳
📖 من سلسلة حكايات عمي منصور 📖
✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي
كان المساء يهبط على الحي في هدوء ، ولم يكن يُسمع سوى زقزقة عصفورٍ تأخر في العودة إلى عشه .
جلس عمي منصور على مقعده الخشبي في الحديقة الصغيرة ، يقلّم غصناً يابساً ، بينما كان حفيده آدم يقلب الأخبار في هاتفه ، ثم يعود إلى الخبر نفسه كأنه يبحث عن معنى ضاع بين الكلمات .
رفع آدم رأسه وقال :
— يا جدي... لماذا تكفي كلمة واحدة حتى ينقسم الناس إلى معسكرين ؟ كل واحد يعتقد أنه وحده يملك الحقيقة ، وكأن العالم لم يعد يحتمل رأياً آخر .
ابتسم عمي منصور وقال :
— لأن الكلمة يا بني لم تعد تسافر وحدها ، بل تحملها العواطف ، وتدفعها المنصات ، ويزيّنها المؤيدون ، ويحمّلها المعارضون ما لم تقله . فإذا وصلت إلى الناس ، لم تعد هي الكلمة نفسها ، بل أصبحت لكل واحدٍ منها حكايةٌ مختلفة .
سكت آدم قليلاً ، ثم قال :
— الناس يتحدثون هذه الأيام عن نجمٍ رياضيٍّ يعرفه القاصي والدّاني... بعضهم يراه مخطئاً لأنه تكلم في قضية تخص بلده الأول ، وبعضهم يقول إنه لم يقصد إلا موقفاً إنسانياً . فمن هو على حق ؟
وضع الجد المقص جانباً ، ثم قال بهدوء :
— يا بني... عندما تختلط الرياضة بالسياسة ، والمشاعر بالإعلام ، يصبح الوصول إلى الحقيقة أصعب من تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود وسط الضجيج .
اقترب آدم أكثر وقال :
— وكيف نفهم الأمر ؟
قال الجد :
— بأن ننظر إليه من أربع زوايا ، لا من زاوية واحدة .
🏛️ أولاً... السيادة 🏛️
لكل دولة مؤسساتها وقوانينها ، وكثير من الناس يرون أن القضايا التي تنظر فيها العدالة ينبغي أن تبقى بعيدة عن تأثير المشاهير ، مهما علت مكانتهم .
لذلك اعتبر بعضهم أن الخوض في مثل هذه الملفات لم يكن في محله .
هز آدم رأسه وقال :
— وهذا مفهوم... فما الزاوية الثانية ؟
ابتسم الجد وقال :
🌿 ثانياً... الهوية والانتماء 🌿
الناس لا تنظر إلى المشهور كشخص عادي ، بل كرمز .
ولذلك تُقرأ كلماته على ضوء تاريخه وأصوله وخياراته .
ومن هنا جاء غضب من رأى أن موقفه لم يكن منسجماً مع ما كانوا ينتظرونه منه .
سأل آدم :
— لكن الرجل لم يُخفِ يوماً اعتزازه بأصوله ، أليس كذلك ؟
أجاب الجد :
— بلى ، ولهذا ظهرت زاوية ثالثة...
🤝 ثالثاً... البُعد الإنساني 🤝
هناك من رأى أنه لم يتحدث كسياسي ولا كقاضٍ ، بل كإنسان عبّر عن أمنية أن تنتهي معاناة شخص ويعود إلى أسرته .
وهؤلاء يقولون إن التعاطف الإنساني لا يعني بالضرورة التشكيك في عدالة بلد أو الإساءة إليه .
ظل آدم يفكر قليلاً ، ثم قال :
— وبقيت الزاوية الرابعة .
قال الجد :
— نعم...
🎙️ رابعاً... المهنة والإعلام 🎙️
من يجلس أمام كاميرات العالم لا يملك رفاهية الكلام العفوي .
فكل كلمة تُوزن ، وكل عبارة قد تُفهم بطرق شتى .
ولذلك يقول أهل الخبرة : كلما ارتفع المنصب ، ازدادت مسؤولية صاحبه عن اختيار ألفاظه .
تنهد آدم وقال :
— إذن... كل طرف يرى جزءاً من الحقيقة ؟
ابتسم عمي منصور وقال :
— أحسنت يا بني . والمشكلة أن كثيراً من الناس يمسك بجزء من الحقيقة ، ثم يتصرف وكأنه يملك الحقيقة كلها .
ثم أشار إلى الشجرة التي أمامهما وقال :
— انظر إلى هذه الشجرة... لو وقف أربعة أشخاص حولها ، لوصف كل واحد جانباً يراه بعينيه . فالخلاف لم يكن في الشجرة ، بل في المكان الذي وقف فيه كل واحد منهم .
أما الحكيم ، فيدور حولها قبل أن يحكم عليها .
ابتسم آدم وقال :
— وهل هناك قاعدة أعمل بها كلما رأيت جدلاً كهذا ؟
نهض الجد ببطء ، وربت على كتف حفيده ، ثم قال :
— نعم يا بني... لا تجعل محبتك لشخص تعميك عن خطئه ، ولا يجعل غضبك منه ينسيك فضله .
واحترم سيادة وطنك ، ولا تستخف بالمشاعر الإنسانية ، وميّز دائماً بين الرأي والحقيقة ، وبين الانفعال والحكمة .
فمن جمع هذه الأربع ، سلم من كثير من الفتن ، وكان أقرب إلى العدل من غيره .
ثم أردف عمي منصور وهو يبتسم :
🌟 « يا بني... لا تخف من كثرة الأصوات ، بل خف أن تسمع صوتاً واحداً فتظنه الحقيقة كلها . » 🌟
أغلق آدم هاتفه ووضعه في جيبه ، ومضى إلى جوار جده بين الأشجار ، وقد أدرك أن الحكمة لا تبدأ حين نجد الإجابة ، بل حين نتعلم أن ننظر إلى القضية من أكثر من زاوية ، وأن نترك للعدل مكاناً في قلوبنا قبل أن نحكم على الناس .
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.