
🌅 📖 القلم الذي غاب من المكتبة
✒️ القلم الذي غاب من المكتبة 🌿 قصة تأملية — من إشراقات عمي منصور ✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي / ليست كل الحكايات تبدأ بحدثٍ كبير ، ولا كل الدروس تولد من مواقف استثنائية. فكم من معنى عظيم أيقظه تفصيل صغير، وكم من حكمة خرجت من موقف مرَّ به الناس دون أن يلتفتوا إليه . في إشراقة هذا الأسبوع ، لم يكن البطل عالمًا ولا قائدًا ، ولم تكن الحكاية عن كتابٍ نادر أو مكتبةٍ عريقة ، بل بدأت بسيالةٍ غابت في لحظة ، لتقود إلى رحلة قصيرة في شوارع المدينة ، كشفت أن قيمة الأشياء لا تكمن في حجمها ، بل في الرسالة التي تحملها ، وأن لكل مكانٍ أمانة ، ولكل إنسانٍ رسالة ، ولكل قلمٍ أثرًا قد يبقى بعد أن تغيب الأيدي التي خطَّت به . فلنسر مع عمي منصور في هذه الرحلة الهادئة ، علَّنا نكتشف أن بعض الأقلام لا تغيب لتُفقد ، وإنما تغيب لتوقظ فينا معنى كدنا ننساه .
🌿 من سلسلة إشراقات عمي منصور الإيمانية
✒️ القلم الذي غاب من المكتبة
✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي
﴿ ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾
📖 الفصل الأول :
سيالة في غير مكانها
كان صباح ذلك اليوم هادئًا على غير عادته .
خرجتُ برفقة زوجتي نصيرة متوجهين إلى إحدى المؤسسات الحكومية ، قصد الاستفسار عن إجراءات تحويل معاش التقاعد من الحساب البريدي إلى حساب بنكي .
كانت المدينة قد بدأت تستيقظ على إيقاعها المعتاد ؛ محلات الخضر والفواكه تفتح أبوابها ، وباعة الأرصفة يرتبون سلعهم بعناية ، والحركة تتدفق في الشوارع كعادتها كل صباح .
دخلنا المؤسسة ، وبعد انتظار قصير ، استقبلنا أحد الموظفين بلطف ، وشرح لنا الإجراءات المطلوبة خطوة خطوة .
وفي نهاية الحديث قال :
— يكفي تقديم طلب خطي مرفق بالوثائق اللازمة .
هنا فقط تذكرتُ شيئًا صغيرًا لكنه ضروري . مددتُ يدي تلقائيًا إلى جيب سترتي .
إنها حركة اعتدت عليها منذ سنوات طويلة ، لا أغادر بها البيت دون التأكد من وجود سيالتي (قلم حبر جاف ) .
لكن هذه المرة... لم أجد شيئًا .
فتشت الجيب الأيمن ، ثم الأيسر ، ثم محفظتي الجلدية ، ثم أعدت البحث مرة ثانية ، وثالثة ، لكن النتيجة كانت واحدة : لقد اختفت السيالة .
توقفت لحظة ، أحاول استيعاب الأمر .
لم يكن الأمر متعلقًا بقيمة القلم المادية ، بل بعادة رافقتني طويلًا ؛ أن أكون دائمًا مستعدًا للكتابة والتدوين .
نظرت إليّ زوجتي نصيرة وقالت بابتسامة هادئة :
— عما تبحث يا منصور ؟
قلت :
— أبحث عن سيالتي .
فقالت :
— ربما نسيتها في البيت .
ابتسمت ابتسامة خفيفة ، وقلت :
— يبدو أن الذاكرة هذه المرة لم تُخنني ... بل خانتني العادة .
خرجنا من المؤسسة ، وسرنا في الشارع المزدحم .
كانت المحلات التجارية مصطفة على جانبي الطريق ؛ خضر وفواكه ، صيدلية ، مواد غذائية عامة ، مخبزة ، ومطاعم الوجبات السريعة ... حياة كاملة تتحرك في مساحة واحدة .
وبينما كنا نسير ، وقع بصري على مكتبة تتوسط هذا النشاط التجاري .
فقلت لنصيرة :
— لا بأس ، سنجد سيالة هناك .
اتجهنا نحوها دون تردد .
كنت أظن أنني سأجد شيئًا بديهيًا في مكان بديهي ...
لكن ما حدث كان بداية لحكاية أخرى .
حكاية لم تكن عن قلم فقط ...
بل عن معنى غياب الأشياء حين يُفترض أن تكون في مكانها الطبيعي .
📖 الفصل الثاني :
المكتبة التي بلا أقلام
سِرنا نحو المكتبة الواقعة بين مجموعة من المحلات التجارية ، كأنها جزء طبيعي من هذا الامتداد الحضري .
كانت تبدو مكتبة عادية من الخارج ، واجهتها زجاجية بسيطة ، ورفوف تعرض بعض الكتب واللوازم المدرسية .
دخلنا بهدوء .
كان المكان شبه هادئ ، لا يعكس حركة الشارع الخارجي .
تقدمتُ نحو صاحب المكتبة ، رجل في منتصف العمر ، جالس خلف طاولة صغيرة ، يبدو عليه شيء من الشرود .
قلت له :
— السلام عليكم ... هل عندكم سيالات ؟
رفع رأسه ببطء ، كأنه يُستخرج من عالم آخر ، ثم نظر يمينًا وشمالًا داخل المحل ، قبل أن يجيب :
— آاه ... خلاصولي ... ما عنديش .
توقفت لحظة .
أعدت النظر إلى الرفوف القريبة : دفاتر ، أقلام تلوين ، بعض الأدوات المدرسية ... لكن لا شيء يشير إلى وجود الأقلام أو غيابها .
تبادلنا أنا ونصيرة نظرة صامتة .
كان في الرد شيء لا يتعلق بنفاد سلعة فحسب ، بل بنبرته الباردة التي تلحّ بأن الأمر لا يستحق التفكير أصلًا .
خرجنا دون تعليق ، لكن سؤالًا خافتًا بدأ يتشكل في داخلي :
كيف يمكن لمكتبة ... أن تقول إنها لا تملك أقلامًا ؟
سرنا قليلًا ، وقبل أن نبتعد ، لمحنا محلًا للمواد الغذائية العامة بجوارنا .
قلت على سبيل الاستفسار :
— ربما نجد عنده سيالة .
دخلنا ، وسألت صاحب المحل :
— هل تبيعون السيالات ؟
ابتسم بهدوء وقال :
— لا يا سيدي ، هذا ليس مجالنا ... لكن إن أردت قلمًا للكتابة ، أعطيك واحدًا من عندي .
ثم أشار بيده إلى الاتجاه المقابل :
— السيالات تجدها عادة في المكتبة هناك .
غادرنا المحل وأنا أفكر في المفارقة :
رجل لا يبيع الأقلام ... لكنه يعرف تمامًا مكانها الطبيعي واحترام قيمتها .
ومكتبة ... موجودة في قلب تخصصها ... لكنها تزهد في وجودها .
المشكلة لم تكن في غياب السيالة ... بل في نسيان الوظيفة .
📖 الفصل الثالث :
الكشك الصغير ووفرة الأقلام
واصلنا السير ، ولم يعد همّي شراء قلم فحسب ، بل أصبحتُ أبحث عن جواب لسؤال يتشكل .
وفجأة ، وقع بصري على كشك صغير عند زاوية الشارع ، مجرد كشك بسيط يبيع السجائر وبعض الحاجيات اليومية .
قلت لنصيرة مبتسمًا :
— لنجرب هنا أيضًا ، فلعل القلم الذي هرب من المكتبة اختبأ في هذا الكشك !
اقتربت من صاحب الكشك وسألته :
— السلام عليكم ، هل عندك سيالات ؟
ابتسم الرجل دون تردد ، وأشار إلى رف صغير أمامه .
رفعت بصري ، فإذا بعشرات السيالات مصطفة أمامي ، بأشكال وألوان متعددة !
أخذت واحدة أعجبتني وقلت له :
— سبحان الله ... بحثت عنها قبل قليل في المكتبة المقابلة فلم أجدها !
فتح الرجل عينيه متعجبًا وقال :
— في المكتبة ؟! عجيب والله ... الحمد لله أنك وجدتها هنا .
أخذت القلم بين يدي ، وسرنا مبتعدين .
كنت أبحث عن القلم في المكان الذي وُجد من أجله فلم أجده ، ثم وجدته بين علب السجائر والحاجيات السريعة .
ابتسمت بيني وبين نفسي ، وخطر ببالي :
الأشياء لا تفقد قيمتها حين يقلّ طالبوها ، والقلم لا يصبح أقل شأنًا لأنه وجد نفسه يومًا في غير مكانه المعتاد .
فالوردة تبقى وردة ولو نبتت بين الصخور ، واللؤلؤة تبقى لؤلؤة ولو غاصت في الأعماق .
📖 الفصل الرابع :
حين أقسم الله بالقلم
واصلنا طريقنا نحو المؤسسة الحكومية ، بينما كنت أقلب القلم الجديد بين أصابعي .
قالت نصيرة :
— يبدو أن السيالة التي اشتريتها اليوم ستجعل منك فيلسوفًا !
ابتسمت وقلت :
— بل تذكرني بآية ما زالت تتردد في ذهني : ﴿ ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ .
تأملتُ العظمة في قسم الله تعالى بالقلم ؛ فالله لا يقسم إلا بعظيم .
وليس المقصود أنبوب الحبر والبلاستيك ، بل ما يمثله من علم ، ومعرفة ، وحفظ للحقوق ، وهداية تُنقل من جيل إلى جيل .
نظرتُ إلى المارة في الشارع ، وأنا أرى العالم يتسارع نحو الشاشات والأجهزة الحديثة ، وقلت لنصيرة :
— قد تتغير وسائل الكتابة ، لكن القلم يظل مختلفًا ؛ لأن الإنسان حين يكتب بيده ، يترك جزءًا من روحه وفكره فوق الورق .
ثم أضفتُ بنبرة أعمق :
— ما أزعجني اليوم ليس غياب السيالة عن المكتبة ، بل الخوف من أن ينسى كلٌّ منا أمانة مكانه ورسالته ... ومع ذلك ، ما دام هناك من يكتب ويقرأ ويُعلّم ، فإن القلم والأمة بخير .
وصلنا إلى المؤسسة ، أخرجت السيالة الجديدة ، ووضعتها فوق الورقة ، وأنا أقول في نفسي :
" عجيب أمر هذا القلم ... خرجتُ أبحث عنه ليكتب طلبًا إداريًا بسيطًا ، فإذا به يكتب في ذهني حكاية كاملة . "
ثم بدأت أكتب ...
📖 الفصل الخامس :
آدم والحكاية التي بدأت بقلم
انتهينا من كتابة الطلب وعدنا إلى البيت مع اقتراب المساء .
ما إن دخلنا حتى استقبلنا حفيدي آدم يحمل دفتره الصغير .
اقترب مبتسمًا :
— هل انتهيتما من قضاء حاجتكما ؟
قالت نصيرة ضاحكة :
— الحمد لله ، لكن جدك عاش اليوم مغامرة طويلة مع سيالة !
جلس آدم بجواري بحماس ، وضعتُ القلم الجديد فوق الطاولة ، وقصصتُ عليه رحلة البحث ؛ من المكتبة التي شحّ فيها القلم ، إلى محل المواد الغذائية ، وصولًا إلى الكشك الصغير .
ظل آدم يفكر ، ثم قال مستغربًا :
— جدي ... كيف تغيب الأقلام عن المكتبة ؟
قلت له برفق :
— هذا هو السؤال الأهم يا بني . أحيانًا لا تكون قيمة الشيء في شكله أو سعره ، بل في معناه ورسالته . هذا القلم تُكتب به العلوم ، وتُحفظ به الحقوق ، وتُبنى به العقول ... ولهذا أقسم الله به .
سكت آدم للحظات ثم قال بذكاء :
— إذن المشكلة ليست في القلم نفسه !
ابتسمت وقلت :
— أحسنت يا آدم ! القلم أداة ، وقيمته الحقيقية تأتي مما يُكتب به ... وكذلك الإنسان ؛ ليست قيمته في مظهر متجره أو منصبه ، بل فيما يقدمه من خير ونفع للناس .
راقبته وهو يهز رأسه ، ورأيتُ بريق الفهم يلمع في عينيه ، فأدركتُ أن السيالة لم تغب اليوم سدى .
📖 الفصل السادس :
لكل شيء رسالة
حلّ المساء ، وكان آدم ما يزال يتأمل القلم الموضوع فوق الطاولة .
قال :
— جدي ... هل انتهت القصة ؟
قلت :
— انتهى البحث عن القلم ، لكن الحكاية تبدأ الآن . فلكل شيء في هذه الحياة رسالة :
المكتبة رسالتها نشر المعرفة ، والمدرسة رسالتها التعليم ، والمعلم رسالته بناء العقول ... والقلم رسالته حفظ العلم ونقل الأفكار .
والمشكلة حين يوضع الشيء أو الإنسان في مكانه المناسب ، ثم ينسى رسالته .
أمسك آدم القلم برفق ، ثم وضعه فوق دفتره المدرسي المفتوح على صفحة بيضاء تنتظر من يكتب عليها .
حينها شعرتُ بالطمأنينة ...
ما دام هناك طفل يحمل دفترًا ، وما دام هناك من يقصد المعرفة ، فإن الرسالة مستمرة ، والقلم بخير .
نظرتُ عبر النافذة نحو السماء ، ورددتُ في سري :
﴿ ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ .
وعرفتُ حينها أن القلم الذي غاب من المكتبة ... لم يغب ليُفقد ، بل غاب ليُذكّرنا بالرسالة .
🌿 إشراقة عمي منصور :
« لكل مكان رسالته ، ولكل قلم أثره ، فاحرص أن يكون ما تكتبه شاهدًا لك لا عليك . »
تـمّـت بـحـمـد الله
اترك تعليقاً
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.