🌅 📖 القلم الذي غاب من المكتبة
مدونة

🌅 📖 القلم الذي غاب من المكتبة

12 جوان 2026224 مشاهدة8 دقائق للقراءة

✒️ القلم الذي غاب من المكتبة 🌿 قصة تأملية — من إشراقات عمي منصور ✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي / ليست كل الحكايات تبدأ بحدثٍ كبير ، ولا كل الدروس تولد من مواقف استثنائية. فكم من معنى عظيم أيقظه تفصيل صغير، وكم من حكمة خرجت من موقف مرَّ به الناس دون أن يلتفتوا إليه . في إشراقة هذا الأسبوع ، لم يكن البطل عالمًا ولا قائدًا ، ولم تكن الحكاية عن كتابٍ نادر أو مكتبةٍ عريقة ، بل بدأت بسيالةٍ غابت في لحظة ، لتقود إلى رحلة قصيرة في شوارع المدينة ، كشفت أن قيمة الأشياء لا تكمن في حجمها ، بل في الرسالة التي تحملها ، وأن لكل مكانٍ أمانة ، ولكل إنسانٍ رسالة ، ولكل قلمٍ أثرًا قد يبقى بعد أن تغيب الأيدي التي خطَّت به . فلنسر مع عمي منصور في هذه الرحلة الهادئة ، علَّنا نكتشف أن بعض الأقلام لا تغيب لتُفقد ، وإنما تغيب لتوقظ فينا معنى كدنا ننساه .

​🌿 من سلسلة إشراقات عمي منصور الإيمانية

​✒️ القلم الذي غاب من المكتبة

​✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي

​﴿ ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾

​📖 الفصل الأول :

سيالة في غير مكانها

كان صباح ذلك اليوم هادئًا على غير عادته .

خرجتُ برفقة زوجتي نصيرة متوجهين إلى إحدى المؤسسات الحكومية ، قصد الاستفسار عن إجراءات تحويل معاش التقاعد من الحساب البريدي إلى حساب بنكي .

كانت المدينة قد بدأت تستيقظ على إيقاعها المعتاد ؛ محلات الخضر والفواكه تفتح أبوابها ، وباعة الأرصفة يرتبون سلعهم بعناية ، والحركة تتدفق في الشوارع كعادتها كل صباح .

دخلنا المؤسسة ، وبعد انتظار قصير ، استقبلنا أحد الموظفين بلطف ، وشرح لنا الإجراءات المطلوبة خطوة خطوة .

وفي نهاية الحديث قال :

— يكفي تقديم طلب خطي مرفق بالوثائق اللازمة .

هنا فقط تذكرتُ شيئًا صغيرًا لكنه ضروري . مددتُ يدي تلقائيًا إلى جيب سترتي .

إنها حركة اعتدت عليها منذ سنوات طويلة ، لا أغادر بها البيت دون التأكد من وجود سيالتي (قلم حبر جاف ) .

لكن هذه المرة... لم أجد شيئًا .

فتشت الجيب الأيمن ، ثم الأيسر ، ثم محفظتي الجلدية ، ثم أعدت البحث مرة ثانية ، وثالثة ، لكن النتيجة كانت واحدة : لقد اختفت السيالة .

توقفت لحظة ، أحاول استيعاب الأمر .

لم يكن الأمر متعلقًا بقيمة القلم المادية ، بل بعادة رافقتني طويلًا ؛ أن أكون دائمًا مستعدًا للكتابة والتدوين .

نظرت إليّ زوجتي نصيرة وقالت بابتسامة هادئة :

— عما تبحث يا منصور ؟

قلت :

— أبحث عن سيالتي .

فقالت :

— ربما نسيتها في البيت .

ابتسمت ابتسامة خفيفة ، وقلت :

— يبدو أن الذاكرة هذه المرة لم تُخنني ... بل خانتني العادة .

خرجنا من المؤسسة ، وسرنا في الشارع المزدحم .

كانت المحلات التجارية مصطفة على جانبي الطريق ؛ خضر وفواكه ، صيدلية ، مواد غذائية عامة ، مخبزة ، ومطاعم الوجبات السريعة ... حياة كاملة تتحرك في مساحة واحدة .

وبينما كنا نسير ، وقع بصري على مكتبة تتوسط هذا النشاط التجاري .

فقلت لنصيرة :

— لا بأس ، سنجد سيالة هناك .

اتجهنا نحوها دون تردد .

كنت أظن أنني سأجد شيئًا بديهيًا في مكان بديهي ...

لكن ما حدث كان بداية لحكاية أخرى .

حكاية لم تكن عن قلم فقط ...

بل عن معنى غياب الأشياء حين يُفترض أن تكون في مكانها الطبيعي .

📖 الفصل الثاني :

المكتبة التي بلا أقلام

سِرنا نحو المكتبة الواقعة بين مجموعة من المحلات التجارية ، كأنها جزء طبيعي من هذا الامتداد الحضري .

كانت تبدو مكتبة عادية من الخارج ، واجهتها زجاجية بسيطة ، ورفوف تعرض بعض الكتب واللوازم المدرسية .

دخلنا بهدوء .

كان المكان شبه هادئ ، لا يعكس حركة الشارع الخارجي .

تقدمتُ نحو صاحب المكتبة ، رجل في منتصف العمر ، جالس خلف طاولة صغيرة ، يبدو عليه شيء من الشرود .

قلت له :

— السلام عليكم ... هل عندكم سيالات ؟

رفع رأسه ببطء ، كأنه يُستخرج من عالم آخر ، ثم نظر يمينًا وشمالًا داخل المحل ، قبل أن يجيب :

— آاه ... خلاصولي ... ما عنديش .

توقفت لحظة .

أعدت النظر إلى الرفوف القريبة : دفاتر ، أقلام تلوين ، بعض الأدوات المدرسية ... لكن لا شيء يشير إلى وجود الأقلام أو غيابها .

تبادلنا أنا ونصيرة نظرة صامتة .

كان في الرد شيء لا يتعلق بنفاد سلعة فحسب ، بل بنبرته الباردة التي تلحّ بأن الأمر لا يستحق التفكير أصلًا .

خرجنا دون تعليق ، لكن سؤالًا خافتًا بدأ يتشكل في داخلي :

كيف يمكن لمكتبة ... أن تقول إنها لا تملك أقلامًا ؟

سرنا قليلًا ، وقبل أن نبتعد ، لمحنا محلًا للمواد الغذائية العامة بجوارنا .

قلت على سبيل الاستفسار :

— ربما نجد عنده سيالة .

دخلنا ، وسألت صاحب المحل :

— هل تبيعون السيالات ؟

ابتسم بهدوء وقال :

— لا يا سيدي ، هذا ليس مجالنا ... لكن إن أردت قلمًا للكتابة ، أعطيك واحدًا من عندي .

ثم أشار بيده إلى الاتجاه المقابل :

— السيالات تجدها عادة في المكتبة هناك .

غادرنا المحل وأنا أفكر في المفارقة :

رجل لا يبيع الأقلام ... لكنه يعرف تمامًا مكانها الطبيعي واحترام قيمتها .

ومكتبة ... موجودة في قلب تخصصها ... لكنها تزهد في وجودها .

المشكلة لم تكن في غياب السيالة ... بل في نسيان الوظيفة .

📖 الفصل الثالث :

الكشك الصغير ووفرة الأقلام

واصلنا السير ، ولم يعد همّي شراء قلم فحسب ، بل أصبحتُ أبحث عن جواب لسؤال يتشكل .

وفجأة ، وقع بصري على كشك صغير عند زاوية الشارع ، مجرد كشك بسيط يبيع السجائر وبعض الحاجيات اليومية .

قلت لنصيرة مبتسمًا :

— لنجرب هنا أيضًا ، فلعل القلم الذي هرب من المكتبة اختبأ في هذا الكشك !

اقتربت من صاحب الكشك وسألته :

— السلام عليكم ، هل عندك سيالات ؟

ابتسم الرجل دون تردد ، وأشار إلى رف صغير أمامه .

رفعت بصري ، فإذا بعشرات السيالات مصطفة أمامي ، بأشكال وألوان متعددة !

أخذت واحدة أعجبتني وقلت له :

— سبحان الله ... بحثت عنها قبل قليل في المكتبة المقابلة فلم أجدها !

فتح الرجل عينيه متعجبًا وقال :

— في المكتبة ؟! عجيب والله ... الحمد لله أنك وجدتها هنا .

أخذت القلم بين يدي ، وسرنا مبتعدين .

كنت أبحث عن القلم في المكان الذي وُجد من أجله فلم أجده ، ثم وجدته بين علب السجائر والحاجيات السريعة .

ابتسمت بيني وبين نفسي ، وخطر ببالي :

الأشياء لا تفقد قيمتها حين يقلّ طالبوها ، والقلم لا يصبح أقل شأنًا لأنه وجد نفسه يومًا في غير مكانه المعتاد .

فالوردة تبقى وردة ولو نبتت بين الصخور ، واللؤلؤة تبقى لؤلؤة ولو غاصت في الأعماق .

📖 الفصل الرابع :

حين أقسم الله بالقلم

واصلنا طريقنا نحو المؤسسة الحكومية ، بينما كنت أقلب القلم الجديد بين أصابعي .

قالت نصيرة :

— يبدو أن السيالة التي اشتريتها اليوم ستجعل منك فيلسوفًا !

ابتسمت وقلت :

— بل تذكرني بآية ما زالت تتردد في ذهني : ﴿ ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ .

تأملتُ العظمة في قسم الله تعالى بالقلم ؛ فالله لا يقسم إلا بعظيم .

وليس المقصود أنبوب الحبر والبلاستيك ، بل ما يمثله من علم ، ومعرفة ، وحفظ للحقوق ، وهداية تُنقل من جيل إلى جيل .

نظرتُ إلى المارة في الشارع ، وأنا أرى العالم يتسارع نحو الشاشات والأجهزة الحديثة ، وقلت لنصيرة :

— قد تتغير وسائل الكتابة ، لكن القلم يظل مختلفًا ؛ لأن الإنسان حين يكتب بيده ، يترك جزءًا من روحه وفكره فوق الورق .

ثم أضفتُ بنبرة أعمق :

— ما أزعجني اليوم ليس غياب السيالة عن المكتبة ، بل الخوف من أن ينسى كلٌّ منا أمانة مكانه ورسالته ... ومع ذلك ، ما دام هناك من يكتب ويقرأ ويُعلّم ، فإن القلم والأمة بخير .

وصلنا إلى المؤسسة ، أخرجت السيالة الجديدة ، ووضعتها فوق الورقة ، وأنا أقول في نفسي :

" عجيب أمر هذا القلم ... خرجتُ أبحث عنه ليكتب طلبًا إداريًا بسيطًا ، فإذا به يكتب في ذهني حكاية كاملة . "

ثم بدأت أكتب ...

📖 الفصل الخامس :

آدم والحكاية التي بدأت بقلم

انتهينا من كتابة الطلب وعدنا إلى البيت مع اقتراب المساء .

ما إن دخلنا حتى استقبلنا حفيدي آدم يحمل دفتره الصغير .

اقترب مبتسمًا :

— هل انتهيتما من قضاء حاجتكما ؟

قالت نصيرة ضاحكة :

— الحمد لله ، لكن جدك عاش اليوم مغامرة طويلة مع سيالة !

جلس آدم بجواري بحماس ، وضعتُ القلم الجديد فوق الطاولة ، وقصصتُ عليه رحلة البحث ؛ من المكتبة التي شحّ فيها القلم ، إلى محل المواد الغذائية ، وصولًا إلى الكشك الصغير .

ظل آدم يفكر ، ثم قال مستغربًا :

— جدي ... كيف تغيب الأقلام عن المكتبة ؟

قلت له برفق :

— هذا هو السؤال الأهم يا بني . أحيانًا لا تكون قيمة الشيء في شكله أو سعره ، بل في معناه ورسالته . هذا القلم تُكتب به العلوم ، وتُحفظ به الحقوق ، وتُبنى به العقول ... ولهذا أقسم الله به .

سكت آدم للحظات ثم قال بذكاء :

— إذن المشكلة ليست في القلم نفسه !

ابتسمت وقلت :

— أحسنت يا آدم ! القلم أداة ، وقيمته الحقيقية تأتي مما يُكتب به ... وكذلك الإنسان ؛ ليست قيمته في مظهر متجره أو منصبه ، بل فيما يقدمه من خير ونفع للناس .

راقبته وهو يهز رأسه ، ورأيتُ بريق الفهم يلمع في عينيه ، فأدركتُ أن السيالة لم تغب اليوم سدى .

📖 الفصل السادس :

لكل شيء رسالة

حلّ المساء ، وكان آدم ما يزال يتأمل القلم الموضوع فوق الطاولة .

قال :

— جدي ... هل انتهت القصة ؟

قلت :

— انتهى البحث عن القلم ، لكن الحكاية تبدأ الآن . فلكل شيء في هذه الحياة رسالة :

المكتبة رسالتها نشر المعرفة ، والمدرسة رسالتها التعليم ، والمعلم رسالته بناء العقول ... والقلم رسالته حفظ العلم ونقل الأفكار .

والمشكلة حين يوضع الشيء أو الإنسان في مكانه المناسب ، ثم ينسى رسالته .

أمسك آدم القلم برفق ، ثم وضعه فوق دفتره المدرسي المفتوح على صفحة بيضاء تنتظر من يكتب عليها .

حينها شعرتُ بالطمأنينة ...

ما دام هناك طفل يحمل دفترًا ، وما دام هناك من يقصد المعرفة ، فإن الرسالة مستمرة ، والقلم بخير .

نظرتُ عبر النافذة نحو السماء ، ورددتُ في سري :

﴿ ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ .

وعرفتُ حينها أن القلم الذي غاب من المكتبة ... لم يغب ليُفقد ، بل غاب ليُذكّرنا بالرسالة .

🌿 إشراقة عمي منصور :

« لكل مكان رسالته ، ولكل قلم أثره ، فاحرص أن يكون ما تكتبه شاهدًا لك لا عليك . »

تـمّـت بـحـمـد الله

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر
هل أعجبك هذا المقال؟

اترك تعليقاً

2 + 17 = ?

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك رأيه.