المرآة الخلفية  :  ألوان القميص وظلال خيخون
قصة

المرآة الخلفية : ألوان القميص وظلال خيخون

27 جوان 2026276 مشاهدة6 دقائق للقراءة

📚 قصة قصيرة اجتماعية 🌅 المرآة الخلفية : ألوان القميص وظلال خيخون 📖 بين ذاكرة لا تزال تنبض بعد أكثر من أربعة عقود ، ومستقبل ينتظر من يكتبه بعرق الميدان لا بأحلام الماضي... بين صخب منصات التواصل الاجتماعي ، وحكمة الأجداد التي لا يبهت نورها... وبين خيخون 1982 التي ما زالت حاضرة في وجدان كثير من الجزائريين ، وآمال جيل جديد يحمل الراية نفسها وإن اختلفت الظروف... يأخذنا عمي منصور وحفيده آدم في رحلة إنسانية تتجاوز حدود كرة القدم ، لتطرح سؤالاً أكبر من مجرد نتيجة مباراة : كيف نحفظ ذاكرة الأمس دون أن نصبح أسرى لها؟ في هذه القصة ، لا يتواجه فريقان داخل المستطيل الأخضر فحسب ، بل يتحاور جيلان حول معنى الوفاء للماضي ، وحدود التعلق به ، وضرورة صناعة ذكريات جديدة تستحق أن تُروى للأبناء . قصة تمزج بين الرياضة والذاكرة، وبين الحكمة والشباب ، وبين الحنين والأمل... وتذكرنا بأن الأمم العظيمة لا تنسى جذورها ، لكنها لا تتوقف عن السير نحو المستقبل . 🌅 المرآة الخلفية : ألوان القميص وظلال خيخون ... بقلم 🖋️ : الأستاذ عبد المجيد قناوي 📖 قراءة ممتعة...

📖 قصة قصيرة اجتماعية

🌅 المرآة الخلفية : ألوان القميص وظلال خيخون

​كان المساء قد بدأ يرخي ستاره على فناء البيت ، بينما راحت نسمات البحر الخفيفة تداعب أغصان شجرة التين العتيقة .

​جلس آدم على كرسيه الخشبي ممسكًا هاتفه ، يتنقل بين الأخبار والتعليقات التي اجتاحت مواقع التواصل قبل مباراة الجزائر المرتقبة أمام النمسا ؛ مرة يبتسم ، ومرة يعقد حاجبيه ، ومرة يهز رأسه مستغربًا من حدة النقاش وانقسام الآراء .

​على الجانب الآخر ، كان جده عمي منصور يحتسي كأس الشاي بهدوء المعتاد ، يراقب تقاسيم وجه حفيده كما يراقب فلاحٌ حكيم سنابل حقله قبل الحصاد .

​وفجأة ، كسر الجد الصمت قائلاً :

— يبدو أن هاتفك يخوض مباراة أصعب وأعنف من مباراة الغد يا آدم !

​ابتسم آدم ، ورفع بصره عن الشاشة وقال :

— ربما يا جدي... لقد ضعت تماماً بين السطور والتعليقات .

​— وكيف ذلك ؟ ما الذي يشغل بال جيلكم المحارب ؟

​قرب آدم الهاتف وقرأ بتمعن :

— هذا مدافعنا القديم نور الدين قريشي يتحدث بمرارة عن مونديال 1982 ويصف ما حدث في "خيخون" بأنه "مباراة عار" ، ومعه عمالقة الهجوم بلومي وعصاد وماجر يشجعون اللاعبين ويطالبونهم بـ "النيف" ورد الاعتبار للراية الوطنية . وفي المقابل ، أجد شباباً من أبناء جيلي يعلقون ببرود : "اتركونا من الدراما والبكاء على الأطلال... العبوا بالون وفوت للدور القادم" .

لم أعد أفهم يا جدي... هل نحن ذاهبون غداً إلى مباراة كرة قدم أم إلى تصفية حسابات تاريخية عمرها أربعون سنة ؟

​ابتسم عمي منصور ابتسامة خفيفة ، ثم وضع كأس الشاي جانبًا ، وبدت على وجهه ملامح رجل سافر به الحنين فجأة إلى زمن بعيد .

​قال بصوت هادئ يحمل وقار السنين :

— يا بني ، بعض المباريات تنتهي بصافرة الحكم بعد تسعين دقيقة ، وبعضها يبقى عالقًا في ذاكرة الأمة كجرح يصعب شفاؤه .

​سكت لحظة ، وعيناه تسرحان في الأفق ، ثم تابع :

— كنت شاباً في مثل عمرك يوم مونديال 1982 . ما زلت أذكر تلك الليلة وكأنها البارحة ؛ المقاهي ممتلئة ، والأعلام ترفرف من الشرفات ، والناس يتعانقون في الشوارع بعد الفوز على ألمانيا . يومها شعر الجزائري البسيط أن بإمكانه أن يهزم المستحيل ولو في ملعب كرة قدم .

​نظر آدم إلى جده باهتمام وشغف أكبر ، فأكمل عمي منصور :

— ثم جاءت تلك المباراة التي بقيت محل جدل وحديث طويل بين عشاق الكرة ، وشعر كثير من الجزائريين يومها أن العدالة الرياضية لم تأخذ مجراها كما ينبغي... لم يكن الألم يومها في الإقصاء ، بل في الخديعة ؛ في الشعور بأن الشرف الرياضي دِيست كرامته أمام أعين العالم . لذلك عندما يتحدث قريشي أو بلومي ، فهم لا يحللون مباراة في كرة القدم ، بل يستحضرون حسرة جيل كامل عاش الحلم النقي ، ثم رأى الأبواب تُغلق في وجهه بطريقة تفتقر للنزاهة .

​هز آدم رأسه متفهماً ، لكنه أردف متسائلًا :

— ولكن يا جدي ، بعض الشباب يردون بأن الماضي مات ، وأن عقلية الثأر والشعبوية قد تعمي اللاعبين الحاليين وتشتت تركيزهم التكتيكي ، خاصة وأن كرة اليوم تغيرت .

​ابتسم عمي منصور وقال وعيناه تلمعان بالحكمة :

— وهم أيضًا ليسوا مخطئين يا آدم !

​رفع آدم حاجبيه متعجبًا ، فأكمل جده :

— لكل جيل طريقته المشروعة في النظر إلى الأمور ؛ جيل 1982 يحمل الذاكرة والأمانة ، أما جيل اليوم فيحمل الحاضر والمستقبل .

الأول يخشى أن تُنسى التضحيات ويموت "النيف" ، والثاني يخشى أن يصبح أسيراً لعاطفة الماضي على حساب العقل والواقعية .

​أغلق آدم هاتفه تماماً ، ووضعه على الطاولة مستفسراً :

— إذن ، من معه الحق في هذا السجال ؟

​ضحك عمي منصور وقال بنبرة حاسمة :

— كلاهما معاً !

​— وكيف يجتمعان يا جدي ؟

​— لأن الذاكرة بلا مستقبل تتحول إلى حنين عاجز لا ينتهي ، والمستقبل بلا ذاكرة تتحول إلى طريق تائه بلا جذور .

​ظل آدم صامتًا يتدبر عمق الكلمات ، ثم قال :

— هناك من يطالب بالثأر الرياضي ، وهناك من يرى في هذه اللغة شحناً زائداً لا داعي له .

​تنهد عمي منصور وقال :

— كلمة "الثأر" جميلة ومقبولة في المدرجات إذا قصدنا بها رد الاعتبار بالجهد والعرق ، لكنها تصبح خطيرة إذا تحولت إلى تشنج يعمي العقول داخل المستطيل الأخضر . الكرة غدت علماً ، ولا تُربح بالانفعال ، بل تُربح بالهدوء والتركيز التام والحرارة في اللعب .

​ثم أشار بيده نحو العلم الجزائري المعلق فوق باب فناء البيت ، وتابع :

— أتدري ماذا أريد من لاعبينا غدًا ؟

​— ماذا تريد منهم يا جدي ؟

​— لا أريد منهم أن يدخلوا بنية الانتقام لأحد ، ولا أن يحملوا أوزار الماضي .

​— وماذا تريد إذن ؟

​— أريد أن يلعبوا بـ "الروح والجرأة" التي لعب بها رجال 1982 ، وأن يستفيدوا من "الواقعية والعلوم التكتيكية الحديثة" كما يفرضها منطق احتراف اليوم ؛ بعقل بارد وقلب حار .

​سكت لحظة مستمتعاً بنسمات المساء ، ثم أضاف :

— إذا جمعوا بين شجاعة الأمس واحترافية اليوم ، فلن أخاف عليهم ؛ لا من النمسا ، ولا من إسبانيا ، ولا من أي منافس آخر .

​ابتسم آدم وقال وقد انقشع الضباب عن عقله :

— يعني يا جدي... نأخذ من القدماء الروح والغيرة على القميص ، ومن الجدد العلم والهدوء ؟

​— بالضبط يا بني... تلك هي المعادلة .

​سكت عمي منصور قليلاً .

​ظل ينظر إلى العلم المرفرف فوق الباب ، ثم قال :

— أتدري يا آدم ؟ ربما لو عاد رجال 1982 اليوم ، لطلبوا منكم شيئاً أبسط مما نظن .

​— وما هو ؟

​— أن تكتبوا ذكرياتكم أنتم... لا أن تعيشوا داخل ذكرياتهم .

​نهض عمي منصور ببطء ، واتجه نحو العلم الوطني المعلق ، أمسك بطرفه برفق وأصلح ثنياته التي بعثرتها ريح المساء ، وقال بصوت امتزجت فيه حكمة الشيوخ بفخر الشباب :

— يا ولدي... إن الأمم الكبيرة لا تعيش مسجونة في ماضيها ، ولكنها لا تفرّط في جذورها أبداً .

​نظر آدم إلى العلم وهو يرفرف شامخاً ، ثم إلى هاتفه الصامت على الطاولة ، وشعر بأن الصورة أصبحت جليّة ؛ غداً ستكتب أقدام اللاعبين صفحة جديدة ، أما خيخون... فقد بقيت صفحة مطوية من الماضي ، لا لنمزقها ، ولا لنبكي فوقها ، بل لنقرأ ما فيها من دروس ثم نمضي إلى الصفحة التالية .

​رفع آدم بصره نحو جده وقال وعيناه تفيضان بالأمل :

— إن شاء الله نفرح غدًا ونفوز .

​ثم مد يده نحو العلم الوطني المعلق قرب الباب ، وكأنه يراه للمرة الأولى بعين مختلفة .

​ربت عمي منصور على كتف حفيده بحنان قائلاً :

— يا بني ، لا أحد يربح المستقبل إذا ظل يحدق طويلاً في المرآة الخلفية . نتذكر... نعم . نتعلم... نعم . لكننا نمشي دائماً إلى الأمام .

​آمين... والأهم يا ولدي ، أن يخرج القميص الوطني من المعركة وهو مرفوع الرأس ...

​سواء حمل كأساً يزين الحاضر ...

​أو ترك درساً يضيء طريق الأجيال القادمة .

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر