
الخزانة رقم « 19»
📌 « كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّ رَاعٍ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ » خلف المكاتب المغلقة حيث تُدفن التقارير ، وفي المقاهي الشعبية بين فناجين القهوة... هناك تبدأ حكاية الخزانة رقم 19 . سر غامض ، ميزانيات تبخرت ، وضمائر استيقظت لتكشف المستور في زمن الصمت ! دراما اجتماعية بوليسية بنكهة جزائرية واقعية ، تضعك أمام مرآة الحقيقة . هل يصحو الضمير قبل فوات الأوان ؟
✒️ رواية قصيرة
✨ الخزانة رقم « 19» : حِينَ خَانَ الأمِين وعَرَقَ الكَرِيم في زَمَنِ الصَّمْت
✍️ بقلم : عبد المجيد ڨناوي
«كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّ رَاعٍ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ»
✨ مدخل :
رواية تكشف المستور... وتوقظ الضمير !
في زمن اختلطت فيه المعريفة بالمنصب ، وتاهت الحقيقة بين الهمسات ،
تأتيكم رواية الخزانة رقم 19 لتزيح الستار عن واقعٍ نعيشه… لا نتكلم عنه ، لكننا نحسّه يتنفس بيننا .
في المقاهي الشعبية ، بين فناجين القهوة وأعمدة الجرائد ، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي ، وفي المكاتب المغلقة حيث تُدفن التقارير... هناك تبدأ الحكاية .
هل يصحو الضمير... قبل فوات الأوان ؟
دراما اجتماعية بوليسية ، تنبض بالحياة وتحاسبها ،
كتبت لتكون مرآةً لزمننا ، وصوتًا لمن لا يُسمع له .
✍ عمي منصور
راوي الحكايات... ورفيق الضمائر حين تستيقظ .
اقرأها… فقد تكون أنت أحد أبطالها دون أن تدري .
🎯 رواية درامية اجتماعية بوليسية ذات بُعد تأملي أخلاقي
🟨 الفصل الأول
بلاد الخزانة رقم 19
" دراهم لحلال ما يدخلوش من باب مخلوع "
في صباحٍ دافئٍ من شتاءٍ خجول ، امتزجت فيه رائحة القهوة بتنهيدات المارّة ، كان " الرايس رابح " يفتح باب الإدارة ببطء ، وكأنه يتفادى مواجهة ضميره .
وقف على العتبة لحظات ، تنفّس بعمق ، ثم ضغط زر الحضور في آلة الزمن البيروقراطي...
" بييب " .
في الزاوية الخلفية من الممر ، جلس " رضا "
— الموظف الشاب ذو الملامح المشرقة والنظرة التي لا تزال تؤمن بالإصلاح .
رفع رأسه من جدول أعماله وابتسم :
— صباح الخير ، رايس رابح .
ردّ رابح بابتسامة متعبة :
— صباحك خير يا رضا... يوم جديد ، نفس الهمّ القديم !
في تلك اللحظة ، دخل " عمّي منصور " ، بلباسه البسيط وابتسامته الهادئة ، يحمل بين عينيه مرآةً للضمير الجمعي ، ويمشي كأن خطواته تحكي حكايات الزمن الجميل .
توقف عند مدخل القاعة ، نظر إلى الباب الحديدي المائل ، ثم تفحّص الجدران بنظرة متأملة .
همس لنفسه :
— ما تغيّرتش كثير... غير أن الباب ما بقاش يسدّ كيما قبل .
اقترب من السبورة المعلقة ، أخرج طبشورًا من جيبه ، وكتب بخط واضح :
> " دراهم لحلال ما يدخلوش من باب مخلوع " >
ثم رسم حول العبارة دائرة صغيرة ، وكتب تحتها بخط أدق :
> " بلاد الخزانة رقم 19 " >
استدار إليهما وقال بنبرة دافئة مثقلة بالمعنى :
— كل إدارة فيها باب... ومفتاح... وخازن .
لكن في بلادنا ، المفاتيح تاهت ، والبوابات ما عادت تسدّ الريح ، والخزانة اللي كانت " حرز البلاد " ، صارت رقم في سجل... وقصة تنتظر من يحكيها .
ساد صمت ثقيل ، فقط صوت عقارب الساعة يوشوش بالوقت المتسرب من ثقوب الإهمال .
ضحك رضا بخفة ، لكن رابح أطرق رأسه كأن العبارة كُتبت فوق ضميره لا على الجدار .
اقترب رضا وهمس :
— عمّي منصور... واش تقصد بـ : " الخزانة رقم 19 " ؟
أجابه بنظرة غامضة :
— رقم فيه سر... فيه عهد... وفيه دمعة كاتبينها في تقارير قديمة .
إذا فهمت الرقم ، تفهم وين راحت الدراهم ، وعلابالك شكون خان... وشكون تعرّق وهو ساكت .
ثم أضاف ، وهو يحدّق في القفل المعلق على الخزانة :
— المفتاح ما ضاعش... المفتاح تباع .
وانصرف بخطى بطيئة ، تاركًا الباب مفتوحًا ، والسبورة مشتعلة بكلمات تسكن الجدران… وتقلق الرّاحة .
🟩 الفصل الثاني
ما بين سطور الميزانية 📊💻
في الطابق العلوي ، خلف مكتب خشبي أنيق ، جلست سندس ، شابة رزينة بنظرات حادة خلف نظارتها الشفافة ، تعمل في قسم الميزانية . كانت تمسك جهاز الحاسوب المحمول وتتنقل بين الملفات الإلكترونية بنظرات حذرة وسريعة .
كان في الخلفية صوت الإشعارات المتتالية ينبّه بوصول مستندات جديدة...
لكن شيئًا ما كان ينبّهها داخليًا... الشك .
دخل رضا بخطى سريعة :
— صباح الخير ، سندس . وصل تقرير الصرف الأخير ؟
رفعت عينيها ونظرت حولها قبل أن تهمس :
— صباح النور . نعم ، وصل... وفيه أشياء ما تمشيش . الأرقام تتبدل ، والفواتير تتضاعف... كأننا نطبع ميزانية وهمية .
اقترب منها ، وفتح الجهاز ليرى التقرير . تنقل بين الصفحات واحدة تلو الأخرى .
— مستحيل ! هذه فاتورة نفس الكراسي اشتريناها قبل شهر ، لكنها رجعت بثمن مضاعف ؟
ردت سندس بصوت خافت :
— والأغرب أن التوقيع تم بموافقة لجنة لا أحد يعرف أسماء أعضائها الحقيقيين... أو كأنهم أشباح إداريون .
رضا عضّ شفته السفلى ، ثم قال بحدة :
— لازم نبلغ . هذا فساد موثق .
سندس رمقته بنظرة مترددة :
— وتبلغ من ؟ المسؤول نفسه يوقع على كل شيء . والرايس رابح... ساكت ، ولا كأنه يشوف !
في تلك اللحظة ، سُمِع صوت خطوات تقترب فخفتا الحديث ، وأغلقت سندس الحاسوب بسرعة .
دخل الرايس رابح يحمل كوب قهوة داكن وابتسامة صفراء :
— صباح النشاط يا أولاد .
ثم نظر إلى الحاسوب أمام سندس :
> " صباح ربي هذا ودايرين اجتماع ؟ ولا راكم تستناو نلغيو الميزانية كاملة ؟ " >
— نراجعو شوية بركات ربي ، ولا تحبّو نوقفو الموازنة كاملة ؟
ضحك ، لكن لم يضحك أحد معه .
غادر وهو يتمتم : " الفضول الإداري مرض... "
بعد خروجه ، تنهدت سندس :
— أنا خائفة يا رضا... الكل ساكت ، واللي يهدر ، يختفي .
رد رضا ، وعيونه تشع بتحدٍ :
— ما نخافوش... ديما عرق الناس يمول هذه الخزانة ، ما نسكتوش عن الخيانة .
🕊️ الفصل الثالث
الخوف في عيون سندس
في ذلك الصباح الرمادي ، جلست سندس خلف مكتبها ترتشف قهوتها ببطء ، لا لتستمتع بطعمها ، بل لتؤخر لحظة العودة إلى شاشة الحاسوب... حيث تنتظرها أرقام ، ووراء الأرقام ، أسرار .
كان المكتب يضجّ بأحاديث جانبية عن لجنة تفتيش مرتقبة . الوجوه متوترة ops والضحكات باهتة كأنها تطلب الغفران .
لكن سندس ، رغم صغر سنها وحداثة عهدها بالوظيفة ، كانت تملك شيئًا مُميّزًا : حسًّا داخليًا يجعلها تميّز بين الخلل العادي... والإنحراف المتعمّد .
مرّت ليلى بجوارها وهمست بصوت خافت :
— سمعتِ ؟ اللجنة رايحة تبدأ من عندنا...
سندس أومأت دون أن تنطق بكلمة ، ثم غاصت في ملفات ميزانية قديمة ، ملفات ظلّت تطلب المراجعة لأسابيع .
قلبُها يدقّ بقلق ، ليس لأنها خائفة على نفسها ، بل على الحقيقة . كانت تعلم أن وراء الأرقام أيدٍ عبثت ، وعيونًا تغاضت ، وضمائر باعت نفسها بأبخس الأثمان .
رنّ الهاتف الأرضي فجأة ، فانتفضت .
رفعته بخوف :
— مصلحة الميزانية... سندس معك .
كان الصوت على الجهة الأخرى رسميًّا ، لكن باردًا :
— نحتاج نسخة من الملف 19 فورًا . اللجنة وصلت .
أغلقَت السماعة ، ونظرت إلى الخزانة الكبيرة خلفها...
هل الملف ما زال هناك ؟ أم اختفى كما اختفت ملفات أخرى فجأة ؟
قامت بخطى مترددة ، فتحت الخزانة ، وبدأت تبحث .
تساقطت بعض الأوراق القديمة…
أمسكت بالملف ، وفتحته سريعًا .
صفحة... ثم صفحة... ثم توقيع ناقص ، ثم ملاحظة مشطوبة ، ثم مبلغ غير مبرر…
تنهدت بعمق .
وسمعت صوتًا داخليًا يقول :
— " الساكت عن الحق شيطان أخرس... فهل أكونه ؟ "
رفعت الملف نحو النُّور... وفي عينيها ، انعكست وجوه كثيرة .
بعضها تعرفه جيدًا ، وبعضها كانت تتمنى ألا تراه أبدًا بين الصفحات .
ومن بينها... توقيعها هي ، مشوهًا ، محشورًا في زاوية تُفضح أكثر مما تُبرّر .
تراجعت خطوة إلى الوراء ، والملف بين يديها صار أثقل من ذي قبل .
لقد لامس الخوف قلبها ، لكن ليس الخوف من اللجنة...
بل الخوف من أن تكون ، دون أن تدري ، جزءًا من الصّمت .
الفصل الرابع
صوت الضمير 🔔🌿
صوت الطابعة خلفها يرنّ ببطء… زررررر... زررررر...
لكن شيئًا ما كان يرِنّ داخلها أكثر إزعاجًا : الشّك .
في عصر الكمبيوتر والتقنية ، يبدو أن كل شيء يُحتسب بدقة ، إلا أن الضمير لا يزال يعاند الزمن .
بين دفاتر الميزانية وأرقام الحسابات ، كانت سندس تقف على حافة قرار .
قلبها ينبض بسرعة ، تفكّر في كل كلمة ستكتبها ، كل رقم ستسجله .
هل تختار الصّمت حفاظًا على وظيفتها أم أن تقول الحقيقة رغم كل المخاطر ؟
— " ما نخافوش... دائما عرق الناس يُموّل هذه الخزانة ، ما نسكتوش عن الخيانة " ، همست لنفسها .
كان هناك رقم صغير كتبته يدها دون تفكير : 19 .
في لحظة غير متوقعة ، شعرت بشيء يتحرك بداخلها… وكأن هذا الرقم يدغدغ الضمير بلطف ، يصحّيه من سباته ، ويهمس له : " قِفْ وتأمّل " .
تسلّلت الأفكار إلى ذهنها بهدوء ، كأنها نور رباني ، يشع من موضع غير معلوم ، يفتح أبواب الفهم والبصيرة .
— " بسم الله ما شاء الله " ، تمتمت ، وشعرت بقشعريرة خفيفة في جلدها .
القهوة الساخنة بين يديها كانت تُشعل دفء لم تستطع العثور عليه في محيط العمل البارد .
في المكتب ، كانت الأنظار تراقبها ، وكأنها تحمل سرًا لا يجوز كشفه .
لم تكن سندس مجرد موظفة ، بل كانت رمزًا لصراع الضمير وسط الظلام .
في تلك اللحظة ، أدركت أن كل خطوة تخطوها نحو الحقيقة ، هي مفتاح للخزانة التي تحوي كل ما هو حلال وحرام .
الفصل الخامس
همسات في المقاهي ☕🗣️
كانت الأخبار تتسرّب ببطء ، مثل قَطرات الماء تتخلل جدرانًا متشققة… لا أحد يعرف مصدرها ، لكن رائحتها كانت كافية لإثارة القلق .
في أحد المقاهي الشعبية جلس " الرّايس رابح " يرمق الشاشة الصغيرة التي تبث أخبارًا باهتة كعادتها ، لكن عينيه لم تكونا مع التلفاز…
كان يُنصت إلى حديث الجالسين خلفه .
— " قالك لجنة تفتيش جات من العاصمة... "
— " أه ؟ بصح راهم غير يتمسخرو ، هاذي أفلام هندية ، واللي لفوق فوق ما يطيحش ! "
— " لا لا يا خو ، راهي كاين روايح ، قالك واحدة كتبت تقرير خطير ! "
انزلقت الكلمات بين فناجين القهوة ، وعبق الدخان ، كأنها قطرات زيت فوق نار متأججة .
في بيت سندس كانت أمها تُحضّر العشاء ، بينما سندس تحدّق في الجدار بصمت .
الورقة التي كتبتها ما تزال في الحقيبة ، مغلقة بإحكام ، لكنها أثقل من جبل .
أرادت أن تبوح ، لكنها لم تفعل . خشيت أن تسحب عائلتها إلى دوامة لا تنتهي .
أما " سعيد " ، أحد الموظفين الذين طالهم الشك ، فكان يمشي في الشارع كأنه فوق جمر ، يُحَيِّي هذا ويتجنب نظرات ذاك…
— " علابالي بلي راهم يْشَكُّو فيا… بصّح أنا واش درت ؟ نخدم برك ! "
قالها لنفسه ، لكن صوته الداخلي كان يصرخ : " راك كنت ساكت وانت شايف ! "
في مكان آخر ، داخل سيارة فاخرة بزجاج مظلل ، همس أحدهم في هاتفه :
— " زيد أكّدلي على الملف… اللي كتباتو سندس راهو خطير… لازم نتصرفو قبل ما يروح بعيد . "
في السوق ، عند بائع الخضر ، قالت امرأة وهي تختار البطاطا :
— " شفت البارح ؟ راهي وحدة طاحت على راسها ، بصح قالت الحق ! "
— " هاذي يا أختي ، ربي يحفظها… والله غير وليت نحب بلادنا كي نسمع هكذا . "
كانت الكلمات تتردد خافتة ، لكن قوية ، كأنها رياح خفيفة تحرّك ستارًا ثقيلًا .
بدأ الشارع يُنصت… وبدأ الوجدان يتفاعل.
📘 الفصل السادس
🔍 لجنة التفتيش… ومرايا الضمائر
كأن المدينة تنفست بعمق بعد إعلان قدوم لجنة تفتيش من العاصمة .
الهمسات صارت جهيرة ، والسكون انقلب همهمات .
في مصلحة التوثيق ، التي كانت دائمًا تبدو كغابة أوراق وخزائن مغلقة ، انتشر القلق مثل دخانٍ في ممرّ ضيق .
بعض الموظفين راحوا يرتبون مكاتبهم بشكل هستيري ، وآخرون بدؤوا يتفقدون ملفات قديمة وكأنهم يزيلون الغبار عن ضمائرهم قبل وصول الغرباء .
اللجنة وصلت ، أربعة رجال وامرأة ، أنيقة وساكنة النظرات . لم تبتسم لكنها لم تُبدِ عدائية ، فقط كانت تسجّل ملاحظات بهدوء مريب .
في الزاوية ، كان عمي منصور ، الذي حضر صدفةً كزائرٍ يومها ، يتابع المشهد بعيني الحكمة . جلس بهدوء على الكرسي الخشبي الباهت ، شرب قهوته ، وهمس :
> — " 19 رقم عجيب... كأنه يوقظ من سباته كل من ضلّ الطريق..." >
في أحد المكاتب ، بدأ التحقيق مع بعض الموظفين . ظهرت أسماء وردت في تقارير مجهولة ، بعضها كان متورطًا بالفعل ، وبعضها كان مجرد ضحية ثرثرة مكاتب .
وفي المقاهي ، كما في الشارع ، كان الناس يتداولون الأخبار وكأنها نشرة غير رسمية تُذاع من فم لفم :
> — " قالك رئيس المصلحة غلق عليه الباب ورفض يدخل التفتيش ! " >
— " سمعت قالهم : عندي وثائق حسّاسة... يا حسّاس يا خو ! "
— " والله غير كاين اللي يستاهل الحبس من زمان ، غير ماكانش شكون يجرّو فقط ! "
البعض من الموظفين بدأوا يتظاهرون بالورع والنزاهة ، وأصبحوا فجأة يتحدثون عن الأمانة والضمير وكأنهم دعاة في مسجد !
أما القلة الصادقة ، فالتزموا الصمت وعملوا بصمت ، كمن يعرف أن نور الحقيقة لا يحتاج للضجيج .
في ختام اليوم ، اقترب أحد المفتشين من عمي منصور وسأله :
> — " أنت موظف هنا ؟ " >
— " لا ، مجرد زائر... لكني زرت الضمير أكثر من مرة ، ووجدته مغلقًا عند البعض ومفتوحًا عند آخرين . "
اللجنة لم تُعلن النتائج بعد ، لكن الوجوه باتت مكشوفة أكثر من ذي قبل ops والمدينة استعدت للفصل القادم من رواية الواقع…
> وبينما كانت سندس تُسلّم التقرير النهائي ، لمحته…
> " الحاج مبروك " ، أحد أكبر الأسماء التي كانت تُحرّك الخيوط من خلف الستار . >
> وقف في الرواق ينتظر بصمت ، مطأطئ الرأس ، لكن عينيه كانتا تبحثان عن مخرج . >
> اقتربَت منه بهدوء ، وهمست دون أن تنظر إليه : >
— " أحيانًا ، يسقط الكبار لأنهم لم يروا الصغار جيدًا…"
لم يُجب . لكنه فهم .
وتلك الكلمات كانت آخر ما سمعه منها ، قبل أن يُقتاد رسميًا إلى قاعة المحكمة .
> وفي ركنٍ بعيد من المقهى ، جلس " سعيد " صامتًا ، كعادته ، لكن الصمت هذه المرة لم يكن خوفًا… بل خجلًا . >
منذ بداية التحقيقات ، اكتفى بالمراقبة والسكوت ، رغم أنه كان يعرف… يعرف الكثير .
وعندما سئل :
— " لماذا سكتَّ ؟ "
أجاب وهو يحدق في الأرض :
— " كنت نْظنْ روحي نقدرْ نْبدّل من الدّاخل… لكن الجدار كان سميك . "
الآن ، بعد أن سقطت الأقنعة ، قرّر أن يُغادر الحَي… إلى وجْهة لا يعرفها أحد .
لعلّه يكتب بداية جديدة في مكان لا يعرف فيه اسمه ولا ماضيه .
🟤 الفصل السابع
حين تَتَكَلَّم العدالة… ويَسقُط
قناع الأذكياء الزائفين ⚖️🎭
بعد مرور أسابيع قليلة ، عادت الشوارع إلى وتيرتها المعتادة…
المقاهي تعجّ بالناس ، والضحكات بدأت تزاحم الهمسات لكن شيئًا ما تغيّر…
العيون ، تلك العيون التي اعتادت التهرب من الحقيقة ، أصبحت الآن تتفحّص… تتساءل… تراقب .
في عمق الحي ops حيث بدأ كل شيء ، جلس " الرايس رابح " أمام قهوته المعتادة ، ينفث دخان سيجارته ببطء ، كأن كل زفرة تحمل جزءًا من الحكاية التي رفض أن يرويها سابقًا .
قالها بصوت خافت :
— " ما كُنتش نْحَبْ نهْدر ، بصّح اليوم لازم نكون شاهد... كان لازم يتكلم الضّمير قبل ما يتكلم القاضي . "
أعلنت الجهة المركزية في العاصمة أن الملف قد أُحيل رسميًا إلى العدالة ، وبدأت الاستدعاءات تتساقط كأوراق الخريف ، لتطال قائمة طويلة من المتورّطين .
وضعت الملف على الطاولة… ووضعتْ قلبَها معهُ . فقد اختارت أن لا تكون شيطانًا أخرس .
> " عرفت أن الصمت ليس دائمًا نجاة ، وأن الضمير حين يتكلم... لا يحتاج إلى إذن من أحد . " >
قاعات المحكمة امتلأت ، الصحفيون يلتقطون الصور ، الكاميرات تنتظر اللحظة الحاسمة...
دخل القضاة بلباسهم الأسود ، والسكينة تسود القاعة إلا من همسات خفيفة تخشى أن توقظ الوجدان .
في القفص ، وقفت وجوه كانت تتصدر المكاتب والمجالس...
منهم من كُتب عليه السجن المؤبد ، ومنهم من نال سنوات طويلة ، ومنهم من خرج بعقوبات مع وقف التنفيذ ، ليكون عبرة لغيره ، ويعيد ترتيب أوراق ضميره .
في الشارع ، عائلات تنفست الصعداء ، وأخرى صُدمت ، لكن الجميع أيقن أن العدالة لا تنام .
على المقاهي ، تحوّل الحديث من " المعريفة " و " التساهل " إلى :
> — " راك تشوف ؟ الدنيا مازالت بخير..." >
— " صحّ ، كي يكون عرق الناس هو الثمن... لازم الخونة يْخلْصو . "
— " قالك فلان كان يظن روحو ذكي ، دارها كيما في الأفلام الهندية… وهاهو اليوم يتفرج فينا من وراء القضبان ! "
— " وآخر كان يدّي " التْشِيبْبَة " ويصلي في الصف الأول… جابوه وهو يعيط : ظلموني ! "
في الزاوية الخلفية من القاعة ، كان عمي منصور جالسًا كعادته ، يقرأ الجريدة بصمت .
أمامه فنجان قهوة ، وبجانبه كرّاس صغير يدون فيه خواطره التي لا يقولها للناس .
لا يهمّه أن يُذكر ، ولا أن يُصفق له أحد ، يكفيه أن الضمير استيقظ في زمن الغفلة .
وأن الرقم 19 الذي كتب على ورقة صغيرة في اليوم الأول ، لا زال يحرس النّوايا ، ويوقظ الأرواح كلما غفت .
اقترب منه شاب ، كان يبدو مترددًا ، قد يكون واحدًا ممن ورد اسمه في التحقيق ، أو من أولئك الذين نجوا… لكن بعينين غارقتين في الشك :
> — " عمي… أنت وش رايك ؟... هل انتهى كل شيء ؟ " >
— " لا يا وليدي… هذا مجرّد فصل من كتاب الضمير . الباقي تكتُبُه الأيام… أو تكتبه أنت ، إذا قرّرت تْنقّي نفسك وتبدأ من جديد . "
في هذه اللحظة ، لم يكن الحكم في الأوراق فقط ، بل في النفوس…
فمن سُجن جسده قد يتحرر قلبه ، ومن أفلت من السجن ، قد لا يهرب من تأنيب داخلي لا يرحم .
رفع عمي منصور نظره للسماء ، وهمس :
— " الحق عمرو ما يضيع… ولو بعد حين . "
🔚 الخاتمة
حين يُضاء الداخل…
يسقط الزيف 🕯️🪞
في زاوية منسية من المدينة التي كانت ضحية الصّمت ، جلس عمّي منصور على مقعده الخشبي العتيق ، لا ينتظر أحدًا ، ولا يودّع أحدًا… فقط يُنصت .
الصمت أحيانًا أبلغ من كل الخطب…
لكن الليلة ، بدا أن هناك همسًا خفيًا في الهواء ، كما لو أن الأرواح التي عايشت الحكاية ما زالت تهمس بما لم يُقَل .
فتح كراسه الصغير ، وكتب :
> “ بعض الحكايات لا تنتهي عند النقطة… بل تبدأ منها . >
> فالعدالة ليست فقط في قاعة المحكمة ، بل في نَظرة أم ، في تأنيب أب ، في اعتراف شاب ، وفي دمعة ندم لم يَرها أحد . >
> والذكي الحقيقي ، ليس من يُحسن التّمْويه… بل من يواجه الحقيقة ، ولو كانت عارية وباردة . ” >
مرر أصابعه على الرقم 19 المكتوب في أعلى الصفحة… وتأمل للحظة…
> — رقم 19 ؟
> هو عدد حروف البسملة... ميزان الدقة ، وأول آية نكتب بها كل حساب . >
> وها نحن اليوم... نفتح خزانةً حملت هذا الرقم ، علّ الضمير يقرأ بدايتها قبل فوات النهاية . >
تنهّد :
> — " كان رقمًا... فصار ضوءًا .
> وكان سرًا... فصار مرآةً لكل من تجرّأ على النّظر . " >
ثم أطفأ النّور لكنه شعر أن النور الحقيقي قد اشتعل للتّو… في الدّاخل .
أما المدينة ، فقد غفت في صمت ، لكن الوجدان استيقظ عند من فهم الرّسالة .
ولربما ، فقط لربما ، هذه الحكاية ستوقظ ضميرًا آخر… يكتب الفصل القادم بصوته ، لا بصوتنا .