
الجذور والأغصان
🌿 بين جذورٍ لا يراها أحد ، وأغصانٍ تتمايل أمام العيون ، تولد الحكايات التي تحمل في طياتها أكثر من معنى... يسعدني أن أضع بين أيديكم قصة قصيرة جديدة من سلسلة حكايات عمي منصور ، بعنوان : ⚽🌿 « الجذور والأغصان » حكاية بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح نافذة للتأمل في أشياء كثيرة نعيشها كل يوم ؛ في الرياضة ، وفي المجتمع ، وفي الحياة نفسها . أتمنى لكم رحلة قراءة ممتعة ، وأترك لكم اكتشاف الرسالة بأنفسكم بين كلمات عمي منصور وحكمة الزيتونة العتيقة . 🌿 الجذور والأغصان ⚽ 📜 بقلم : عبد المجيد قناوي
🌿 الجذور والأغصان ⚽
📜 بقلم : عبد المجيد ڨناويفي مساء صيفي هادئ ، كان فناء البيت يغرق في سكينة دافئة .
جلس « عمي منصور » تحت شجرة الزيتون العتيقة ، يحتسي كأس شاي بالنعناع ، وكانت بين حين وآخر تسقط زيتونة ناضجة قرب قدميه ، فيلتقطها ويقلبها بين أصابعه كما لو أنه يقرأ فيها حكاية قديمة .
كان يراقب بصمت لغة جسد حفيده « آدم » ؛ لم يعد آدم ذلك الطفل الذي يركض خلف الكرة وراء الأزقة ، بل صار شاباً يافعاً ، يجلس بثبات ، يقلب هاتفَه ، وعيناه تقرآن ما ينشره الناس بنضج وعمق بدا واضحاً على ملامحه الصامتة .
كان آدم يتابع سيل التعليقات الغاضبة التي ملأت الفضاء بعد خروج المنتخب الوطني من المونديال .
رفع رأسه نحو جده وقال بنبرة يملؤها الاهتمام :
— " يا جدي ، الناس غاضبون في كل مكان.. الشارع كله في حالة غليان بسبب الخسارة الأخيرة أمام سويسرا ، والكل يلوم المسؤولين عن الكرة لأنهم صرفوا أموالاً ضخمة في عقود طويلة مع المدرب ، ولم نحصد في النهاية إلا الخيبة واعتزال محرز . "ابتسم عمي منصور هازاً رأسه ، وأخذ رشفة من شايِه ثم قال بابتسامته الحكيمة المعتادة :
— " وهل تعرف يا آدم لماذا يشتد الغضب في قلوب الناس بعد كل هزيمة ؟ "
صمت آدم للحظة ، كمن يزن كلماته ، ثم قال :
— " لأن الهزيمة أوجعتهم يا جدي ؟ "
— " هذا ظاهر الأمر يا ولدي ، أما باطنه فأن الهزيمة مثل الغربال ؛ لا تأتي بالجديد ، لكنها تكشف العيوب التي غطتها الوعود .يا ولدي ، الهزيمة لا تولد يوم المباراة ، بل تكبر قليلاً قليلاً في الأيام التي قبلها ، يوم يُترك العمل للصدفة وتُغلق الأذن عن النصيحة . "
التفت الجد إلى حفيده ، وأشار بيده إلى شجرة الزيتون الشامخة وسط الفناء وقال :
— " انظر إلى هذه الشجرة يا آدم . إذا رأيت غصناً يابساً سقط فجأة ، فالخطأ ليس في الريح التي هبت ، بل في الجذور التي أُهملت تحت التراب ولم يصلها الماء . "" الناس يصرخون للأغصان الظاهرة لأنها تملأ أعينهم ، وينسون أن قوة الشجرة تبدأ دائماً من الأسفل ، حيث لا يراها أحد . "
تنهد آدم وقال :
— " أتدري يا جدي ؟ ابن جارنا أنهى دراسته منذ سنوات وما زال يبحث عن فرصة عمل ، بينما لا يتوقف الناس عن الحديث عن الملايين التي تصرف هنا وهناك . "تغيرت ملامح عمي منصور ، وبدت على وجهه طيبة الأجداد الممزوجة بالجدية ، ثم انحنى قليلاً ، وأخذ حفنة من التراب المخفي تحت ظل الشجرة ، وتركها تنساب برفق بين أصابعه قائلاً بصوت دافئ :
— " هنا الجرح الحقيقي يا بني.. الكرة تسلية تجمعنا وتفرحنا يوماً وتحزننا يوماً ، لكنها لا تبني وطناً .هل ترى هذا التراب ؟ هنا تختبئ الجذور الحقيقية.. المعلم الذي يربي الأجيال ، والباحث الذي يصنع المستقبل ، والطبيب الذي يداوي الوجع.. هؤلاء لا يصفق لهم أحد في الملاعب ، ولا تتصدر صورهم الشاشات ، لكنهم هم الذين يحملون أعمدة البيت قبل سقفه .
وإذا تركنا هذه الجذور تجف ، فستسقط الشجرة كلها ولو دهنّا أغصانها بالذهب . "تابع آدم وعيونه تلمع :
— " لهذا رأيت الناس اليوم يشكرون كل صحفي شجاع خرج في التلفزيون ليقول الحقيقة دون نفاق أو تبرير . "أجابه عمي منصور وهو يعيد كأسه إلى الطاولة :
— " الكلمة الصادقة هي مرآة الوطن يا آدم ، وإن كانت مُرّة .من يحبك بصدق يريك عيوبك لتصلحها ، أما الذي يبرر الخطأ ويزينه ، فهو كمن يسقي الشجرة بماء مالح . "
ثم نظر الجد إلى حفيده وقال ببساطة هزت قلب الشاب :
— " يا آدم ، الشجرة لا تسأل عن لون أغصانها ، بل عن قوة جذورها . وكذلك الوطن . "" إذا كرم علماءه ومعلميه وأصحاب الكفاءة ، اشتد عوده وأثمر خيرًا . وإذا أهملهم ، فلن تنفعه كثرة الزينة فوق الأغصان . "
سكت عمي منصور ، ورفع بصره إلى شجرة الزيتون التي زرعها والده منذ عشرات السنين . كانت الريح تحرك أغصانها برفق ، بينما بقي جذعها ثابتًا لا يتزحزح .
عندها فهم آدم ما لم تقله التعليقات ولا البرامج ولا البيانات .
فهم أن الهزائم لا تبدأ يوم المباراة ، كما أن النهضة لا تبدأ يوم الاحتفال .
كلاهما يبدأ في مكان لا يراه الناس كثيرًا...
في الجذور .وبينما كانت الشمس تميل نحو المغيب ، خُيّل لآدم أن الزيتونة العتيقة تردد حكمة الأجداد :
" من أصلح جذوره ، أراح أغصانه . "ابتسم آدم يومها ، وأعاد هاتفه إلى جيبه .
أما عمي منصور ، فظل ينظر إلى الزيتونة العتيقة ، كأنه يطمئن على شجرة... وعلى وطن في الوقت نفسه .