
العقل السليم لا يشيخ
✨ العقل السليم لا يشيخ ✨📖 ✍️ عبد المجيد قناوي / في زمنٍ تتسابق فيه الأخبار والشائعات عبر الشاشات الصغيرة ، وتتشابك فيه الآراء حتى يصعب أحياناً التمييز بين الحقيقة والوهم ، يبقى العقل السليم هو البوصلة التي تهدي الإنسان إلى الطريق الصحيح . في هذه الرواية الحوارية الهادفة ، نأخذكم إلى أمسية صيفية هادئة تجمع بين عمي منصور وحفيده آدم ، ⚽ حيث يتحول حديث عابر عن كرة القدم ⚽ إلى رحلة ممتعة في عالم الفكر والحكمة والخبرة الإنسانية . ومن خلال حوار بسيط وعميق في آن واحد ، نتأمل معنى الشك ، وقيمة الدليل ، وأثر الخبرة في حياة الإنسان ، وكيف يمكن للعقل الناضج أن يرى ما تعجز عنه العيون المتعجلة ، وأن يفسر الأحداث بمنطق هادئ بعيداً عن الأوهام والتعصب . إنها رواية لا تتحدث عن مباراة أو لاعب أو نتيجة فحسب ، بل عن الإنسان عندما يختار أن يفكر ، وعن الحكمة عندما تنضج مع السنين ، وعن الحقيقة التي لا تظهر إلا لمن يبحث عنها بعقل منفتح وقلب متزن . متابعة ممتعة وقراءة ملهمة نتمناها لكم بين صفحات هذه الرواية . 🌿 فمرحباً بكم في عالم عمي منصور وآدم ، حيث تتحول الأسئلة البسيطة إلى دروس عميقة ، وتصبح التجارب جسوراً تعبر بنا نحو الحكمة والنضج . 🌿 📖✨ العقل السليم لا يشيخ ✨📖 ✍️ عبد المجيد قناوي
🌿✨ العقل السليم لا يشيخ ✨🌿
🎭 حوار بين عمي منصور وحفيده آدم 🎭
✍️ عبد المجيد قناوي
🌌 فناء الدار القديمة يغرق في عتمة هادئة بعد انقطاع مفاجئ "للتريسيتي" ( الكهرباء électricité) . نسمات الليل الصيفية تداعب أوراق شجرة الليمون ، فتحدث قعقعة لطيفة كوشوشة خافتة .
على المائدة الخشبية ، ينبعث ضوء دافئ وضئيل من فانوس شحن قديم ، يضيء وجه عمي منصور الوقور وهو يسكب الشاي من الإبريق ببطء شديد ، بينما وجه حفيده آدم يلوح في الظلام ، مغطى بوهج أزرق بارد ينبعث من شاشة هاتف ذكي .
💬 « آدم » ( يرفع رأسه فجأة ، وعيناه ممتلئتان بالحيرة ) :
— يا جدي ... والله الناس حيروني !
« عمي منصور » ( يضع إبريق الشاي بهدوء ، ويعدل شاشته البيضاء مبتسماً ) :
— "خير يا وليدي ، واش صرا " في هذه الظلمة ؟
آدم ( يلوح بهاتفه في الهواء كأنه يمسك دليل إدانة ) :
— مباراة البارحة قلبت الدنيا في مواقع التواصل ! الناس لم تعد تتحدث عن تكتيك أو لعب . بعضهم يفسر كل شيء بالمؤامرات والقوى الخفية ، حتى خُيّل إليّ أن الكرة لم تعد كرة بل لغزاً غامضاً ! مخي كاد ينفجر يا جدي ... هل يعقل هذا ؟
عمي منصور ( يضحك ضحكة خفيفة دافئة تهتز لها أطراف شاربه الأبيض ) :
— سبحان الله يا "وليدي" ... إذاً الكرة أصبحت أذكى من اللاعبين الذين يجرون خلفها !
🧠 حديث النفس عند عمي منصور :
" يا للحسرة على هذا الجيل المسكين ... يعيشون وسط سيل جارف من الكلمات والصور ، تتقاذفهم أمواج التعليقات يميناً وشمالاً حتى تاهت منهم البوصلة . يعتقدون أن كثرة الكلام هي المعرفة ، بينما الحقيقة تحتاج إلى صمت وتدبر . المشكلة اليوم ليست في الجهل بالمعلومة ، بل في كثرة الصخب وقلة التفكير ... كيف أعيد لقلب هذا الولد سكينته ويقينه ؟ "
آدم ( يسأله بنبرة جادة وهو يقترب بمقعده ) :
— لكن يا جدي ، أليس من حق الناس أن تشك ؟ العالم مليء بالكواليس والمال الفاسد ، والشك خطوة نحو كشف الحقيقة ، أليس كذلك ؟
عمي منصور ( يرفع إصبعه ملوحاً به في الضوء الخافت ) :
— بلى يا ولدي ، الشك أحياناً هو بداية المعرفة وطريق الفهم ...
( يصمت قليلاً ليشرب رشفة من شاي النعناع ، ثم يكمل )
لكن هناك فرق كبير كبعد السماء عن الأرض ، بين « الشك الذي يبحث عن الدليل » ليرى الحقيقة ، وبين « الشك الذي يهرب من الدليل » ليحمي وهمه !
آدم ( مستفسراً ) :
— كيف ذلك يا جدي ؟ لم أفهم ...
عمي منصور ( يتكئ على الطاولة ) :
— سأبسطها لك . إذا رأيت طبيباً ناجحاً يداوي الناس ببراعة ، أو تاجراً مجتهداً كبّر تجارته ، أو لاعباً فوق العشب يحقق المعجزات ... فما هو أسهل تفسير يتبادر لعقل الإنسان الكسول ؟
أسهل شيء أن يقول : " أكيد هناك سر خفي أو كواليس غامضة ! " ... لماذا ؟ لأن هذا التفسير يعفيه من بذل الجهد ، ويبرر له عكازه وفشله .
أما أصعب تفسير ، فهو أن يرفع قبعته ويبحث عن سنوات التعب ، والتضحية ، والعمل بصمت ، والدموع التي سُكبت في الظلام حيث لا توجد كاميرات ولا تصفيق .
آدم ( يطأطئ رأسه مفكراً ) :
— كلامك منطقي ... لكن يا جدي ، ألا تجد غريباً أن لاعباً شارف على الأربعين من عمره ، لا يزال يقدم مستوى يعجز عنه الشبان في العشرين ؟ أليس في هذا ما يدعو للريبة ؟
عمي منصور ( يبتسم ويضع يده على ركبة حفيده ، وتتحول ملامحه إلى حنين هادئ ) :
— أتعرف يا آدم ؟ عندما كنت شاباً في مثل عمرك ، كنت أفسر أشياء كثيرة بالعاطفة والغضب . كنت أحياناً أتهم الناس قبل أن أفهمهم ، وأسير خلف الإشاعة تلو الإشاعة لمجرد أنها تروق لقلبي المتحمس .
لكن ، مع مرور السنين وتوالي الأيام ، اكتشفت أن الحقيقة أعقد بكثير مما نظن ، وأن العقل يحتاج إلى صبر أكثر مما يحتاج إلى ذكاء . الحكمة يا وليدي لا تأتي من الكتب ببنود جاهزة ، بل تأتي من جروح الخطأ والتسرع التي داواها الزمن .
آدم ( ينظر إلى جده بإعجاب وتقدير شديدين ) :
— يعني يا جدي ... حتى أنت مررت بهذا الشك والتسرع ؟
عمي منصور ( يضحك بصدق ) :
— طبعاً يا وليدي ! ومن لم يخطئ لم يتعلم . لهذا أقول لك اليوم وعيني رأت جيلين أو ثلاثة : لا تستعجل الأحكام .
هل السن وحده هو الذي يلعب في هذه الحياة ؟
انظر إلى عمك السعيد النجار ... أليس عجوزاً ؟ إنه لا يستطيع حمل ألواح الخشب الثقيلة كما يحملها ابنه الشاب ، لكنه بلمسة واحدة من يده يعرف أين يضع المسمار من أول ضربة مطرقة ليعطي للباب قوته ومتانته .
وانظر إلى الفلاح العجوز في قريتنا ... هو لا يستطيع الركض في الحقل تحت الشمس الحارقة مثل ابنه ، لكنه بنظرة واحدة إلى السماء والتربة ، يعرف متى يزرع ومتى يحصد ليتجنب تلف المحصول .
الخبرة يا وليدي هي " سرعة أخرى " ... سرعة لا تقاس بالأقدام ، بل تقاس بنضج العقل . العقل السليم في هذا السن يدير الجسد ، يعرف متى يركض ومتى يقف ، وكيف يقتصد طاقته للحظة الحاسمة .
آدم ( تلمع عيناه بوضوح ) :
— يعني يا جدي ... العقل يمكنه أن يعوض نقص قوة الجسد ، بل ويوجهه ؟
عمي منصور ( يبصم بيده على الطاولة دليلاً على التأكيد ) :
— ليس يعوضه فقط يا بني ... بل أحياناً العقل السليم هو المحرك الوحيد الذي يجعل الجسد يستمر في العطاء عندما تنهار كل العضلات .
( تسود لحظة من الصمت المطبق ، لا يقطعها سوى حفيف أوراق شجرة الليمون وصوت ارتشاف الشاي )
آدم ( يواصل تساؤله ) :
— حسناً يا جدي ... وماذا عن الفوز في الدقائق الأخيرة ؟ هذا السيناريو الذي يتكرر دائماً كأنه مكتوب مسبقاً ؟
عمي منصور ( يتنهد بنبرة أبوية ) :
— لأن أغلب الناس ينظرون إلى اللحظة الأخيرة وينسون ما قبلها يا آدم .
عندما ترى جداراً ينهار فجأة أمام عينيك ، هل سقط في تلك الثانية بعينها ؟ لا ... لقد سقط لأن هناك شقوقاً صغيرة ، وتصدعات تراكمت فيه طيلة سنوات تحت المطر والشمس دون أن ينتبه لها أحد ، حتى جاءت نسمة هواء بسيطة فأسقطته .
وكذلك المباريات ، وكذلك معارك الحياة ... قد يسجل الهدف في الدقيقة التسعين ، لكن أسبابه بدأت في الدقيقة الستين عندما تراجع الخصم للدفاع واستسلم للخوف ، وعندما واصل الطرف الآخر الضغط بثقة وإصرار وثبات .
آدم ( مبتسماً بشغف ) :
— يعني ... ليس كل ما يحدث في آخر لحظة يولد في تلك اللحظة ؟
عمي منصور :
— أحسنت يا وليدي ! وهذه قاعدة ذهبية خذها معك في حياتك كلها ، وفي دراستك ، وفي عملك ... لا في كرة القدم فقط . النجاح تراكمات خفية تظهر للعيان في اللحظة الأخيرة .
آدم ( ينظر إلى شاشة هاتفه التي لا تزال تتدفق بالتعليقات الغاضبة والمتشنجة ) :
— يا جدي ، أرى الناس يتشاجرون ، ويتراشقون بالتهم والشتائم والسياسة ، كأنهم في معركة مصيرية ... أشعر أنهم يتألمون أكثر مما يستمتعون !
عمي منصور ( يهز رأسه بأسى ) :
— لأنهم نسوا أن الكرة في النهاية مجرد لعبة للترويح عن النفس ، وليست عقيدة نوالي ونعادي عليها .
يا ولدي ، قرأت منذ أيام تعليقاً لرجل مصري عاش خمس سنوات كاملة هنا في الجزائر ... لم يكتب حرفاً واحداً عن النجوم أو المباريات ، بل كتب عن كرم جيرانه ، وعن دفء المعاملة التي لقيها ، وعن حزنه الشديد يوم حزم حقائبه ليغادرنا ... تمنى فقط أن يجد بنت حلال ليستقر ويبني معها بيتاً هادئاً .
هذه هي الأهداف الحقيقية يا آدم ... أهداف المحبة والأخوة التي لا يمكن للتكنولوجيا أن تلغيها ، وهذه هي البطولات الإنسانية التي لا تنتهي بصافرة حكم .
🧠 حديث النفس عند آدم :
" يا الله ... كنت أظن أننا نتحدث عن مجرد مباراة كرة وعن لاعب مثير للجدل ، فإذا بجدي يأخذ بيدي برفق ليدخلني من باب المباراة الصغير إلى فضاء الحياة الواسع . حدثني عن العقل ، والخبرة ، والصداقة بين الشعوب ، واحترام سنن الكون . جدي لا يدافع عن أحد ... إنه يرمم عقلي أنا بصدق اعترافه وحكمة سنين تجاربه ، ويحميني من التلوث بالوهم والتعصب . "
آدم ( يطفئ شاشة هاتفه ، ويضعه على الطاولة مقلوباً على وجهه بملامح هادئة وراضية ) :
— فهمت الآن يا جدي ... العقل السليم لا يصدق كل ما يقال دون دليل ، ولا ينكر الحقيقة لمجرد أنها لا تعجبه ، ولا يهرب من تفسير الواقع بنسج الخيالات الواهمة .
رفع آدم بصره نحو السماء . كانت النجوم القديمة تلمع فوقهما في صمت ، وكأنها تبتسم لكل هذا الضجيج الذي يصنعه البشر على الأرض .
عمي منصور ( يمد يده الدافئة ويربت على كتف آدم بكل حنان ) :
— بارك الله فيك يا وليدي ، هذا هو كنزك الحقيقي .
تذكر دائماً : كلما تقدم العمر بجسد الإنسان ، احتاج إلى عقل أكثر نضجاً ليرشده . أما الذي يعطل عقله ويسلمه للشائعات والوهم ، فقد يشيخ جسده ويوارى الثرى وتفكيره لا يزال طفلاً صغيراً لم يكبر بعد .
( ثم يرفع كأس الشاي ويغمز لحفيده ضاحكاً ) :
— والآن ... قبل أن يعود هذا " التريسيتي " ويفسد علينا هدوء العتمة ، هاتِ إبريق الشاي الساخن يا آدم ... فالعقل السليم يحب الشاي المنعش أيضاً !
💡✨ الخلاصة التربوية للرواية :
ليس كل نجاح مؤامرة خفية ، وليس كل تفوق معجزة خارقة ، وليس كل شك حقيقة مطلقة . إن العقل السليم هو ذلك الذي يبحث عن الأسباب المادية والمنطقية ، ويزن الأمور بميزان الحكمة ، ويجعل من الخبرة والتجربة نوراً يهتدي به صاحبه مهما تقدم به العمر ومهما عصفت به رياح الشائعات .