
العقل ، القلب ، والقدم
🧠⚽ ماذا يحدث عندما تتوقف الأقدام عن التفكير ؟ منتخبٌ كان متقدماً بهدفين... وجمهورٌ يحتفل بالنصر... ثم في دقائق معدودة تغيّر كل شيء ! لكن... هل كانت الهزيمة في القدم ؟ أم بدأت أولاً في العقل ؟ في حكاية جديدة من سلسلة : ✨ « حكايات عمي منصور الحكيم » يجلس آدم حزيناً بعد مباراة مثيرة... فيأخذه جده عمي منصور في رحلة أبعد من كرة القدم... رحلة إلى : 💭 العقل الذي يقود... ❤️ القلب الذي يؤمن... 👣 والقدمين اللتين تصنعان الإنجاز . حكاية قصيرة... لكنها تحمل درساً قد يغيّر طريقة نظرتك إلى النجاح والفشل والأحلام . 📖 « العقل ، القلب ، والقدم » ✍️ عبد المجيد قناوي / لأن الهزائم الكبرى لا تبدأ دائماً من الأقدام... بل من لحظة غفلةٍ في العقل .
🧠 العقل ، القلب ، والقدم : حكاية من حكايات عمي منصور الحكيم 🌅
✍️ عبد المجيد قناوي
جلس عمي منصور على كرسيه الخشبي المعتاد في شرفة المنزل ، يرتشف رشفة من شاي النعناع الدافئ ، وعيناه تراقبان قرص الشمس الذي يغرق ببطء خلف أفق مدينة الجزائر .
كانت ملامحه هادئة ، لكن في عينيه بريق حكمة رجل عاش وعركته التجارب والمناصب .
بجواره ، كان حفيده آدم ، الشاب اليافع الممتلئ بالحماس والطموح ، يقلب شاشة هاتفه بحسرة والغضب يكسو وجهه . أطلق آدم زفرة طويلة وقال بنبرة حزينة :
— " غير معقول يا جدي ! السنغال كانت متقدمة بهدفين نظيفين حتى الدقيقة الرابعة والثمانين ! كيف يضيع كل شيء في عشر دقائق ؟ كيف تتبخر أحلام « أسود التيرانغا » بهذه السذاجة أمام بلجيكا ؟ "
ابتسم عمي منصور ابتسامة خفيفة ، وضع كوب الشاي جانباً ، وقال بصوته الرزين :
— " يا ولدي آدم ، الكرة تعطي من يحترم دقائقها التسعين ، وليس من يظن أنه فاز في الدقيقة خمس وثمانين . المشكلة ليست في أقدامهم ، بل في عقولهم . "
نظر إليه آدم مستغرباً :
— " عقولهم ؟ لكنهم يملكون نجوماً في أكبر الأندية الأوروبية يا جدي ، ولديهم لياقة بدنية هائلة ! "
أخذ عمي منصور نفساً عميقاً ، وبدأ حواره الداخلي يتردد في أعماقه :
> ( آه يا آدم .. شباب هذا الجيل يهرولون في عالم سريع ومعقد ، يظنون أن القوة في السرعة والموهبة الاستعراضية ، ولا يدركون أن المعارك الكبرى ، سواء في ملاعب الكرة أو في مسارح الحياة ، تحتاج إلى بوصلة ) .
التفت عمي منصور إلى حفيده وقال :
— " اسمعني جيداً يا آدم . في الأدوار الإقصائية ، عندما تكون متقدماً بهدفين ، فالمطلوب ليس الاستمرار في الركض العشوائي نحو الهجوم . المدرب أخطأ بتغييرات غير مدروسة ، واللاعبون أصابهم التراخي وظنوا أن المباراة انتهت .
هنا تظهر « الرعونة الذهنية » . المنافس الأوروبي لم ييأس ، ظل هادئاً ، منظماً تكتيكياً ، ويلعب ببرود أعصاب حتى اللحظة الأخيرة . غاب التركيز عن السنغال ، فاستقبلوا هدفاً ثم ثانياً ثم ضربة جزاء قاتلة . "
صمت آدم قليلاً ، بدا وكأنه يستوعب الكلمات ، ثم قال :
— " لقد تكرر هذا الأمر مع منتخبات إفريقية أخرى في هذه البطولة يا جدي .. كوت ديفوار ، الكونغو ، وجنوب إفريقيا .. كلهم سقطوا في الدقائق الأخيرة ! هل العيب فينا دائماً ؟ "
هز عمي منصور رأسه بموضوعية :
— " بالفعل ، وهذا هو الدرس الذي يجب أن يستفاد منه ، لا سيما لمنتخبنا الوطني وجيل الشباب الواعي .
انظر إلى ابننا رياض محرز .. لماذا نجح في أوروبا وفي آسيا ؟ لأنه لاعب « ذكي » بسم الله ما شاء الله عليه ، يملك هدوءاً ، يعرف متى يحتفظ بالكرة ، ومتى يمرر ، وكيف يمتص ضغط الخصم . إنه يدير المباراة بعقله .
لكن دعني أصدقك القول يا بني .. اللوم لا يقع على الشباب وحدهم في ملاعبنا أو في مجتمعاتنا .
المشكلة ليست أن الشباب يركضون بسرعة ، بل أن بعضهم يركض دون بوصلة .
والمشكلة ليست أن الكبار يملكون الحكمة ، بل أن بعضهم يحتفظ بها لنفسه ولا يعرف كيف ينقلها للأجيال . "
هز آدم رأسه بإعجاب وقال مقتنعاً :
— " فهمت قصدك يا جدي . العقل هو القائد ، والقدم مجرد منفذ . "
ابتسم عمي منصور وقال بنبرة دافئة :
— " ليس تماماً يا آدم . "
رفع آدم حاجبيه مستغرباً :
— " كيف ذلك يا جدي ؟ "
ارتشف عمي منصور رشفة أخرى من الشاي وقال :
— " العقل وحده لا يكفي ، كما أن القدم وحدها لا تكفي . النجاح يحتاج إلى ثلاثة أشياء : عقل يفكر ، وقلب يؤمن ، وقدمان تتحركان . "
سكت لحظة يترك للكلمات أن تستقر في ذهن الحفيد ، ثم أضاف :
— " جيلكم يا آدم يملك طاقة عظيمة .
أنتم أسرع منا تعلماً ، وأوسع اطلاعاً ، وأقدر على التعامل مع التكنولوجيا والعالم الحديث .
لكن السرعة وحدها لا تصنع النجاح . السيارة الأسرع في العالم قد تضل الطريق أو تتحطم إذا غاب عنها السائق الحكيم . "
شعر آدم بأن الكلمات تمسه شخصياً ، وبأن جده لا ينتقد بل يحتضن ، فابتسم وقال :
— " كلام جميل يا جدي ، لكن كيف يقود العقل كل هذا ؟ "
🏺 مَثَلٌ من التراث .. حكمة حاملات الجرار 🚶♀️
اعتدل عمي منصور في جلسته ، وكأن ذكرى قديمة عادت إليه من أيام دراسته وتكوينه الإداري ، وقال :
— " أتدري يا آدم ؟ عندما كنت طالباً في الجامعة قرأت قصة أثارت انتباهي كثيراً . كانوا يتحدثون عن نساء يقطعن مسافات طويلة وهن يحملن جرار الماء فوق رؤوسهن . بعض الجرار كانت من النحاس ، وبعضها من الطين . ثم تساءل الباحثون : كيف تستطيع المرأة أن تمشي بين الحفر والأحجار والعقبات دون أن تسقط جرتها ؟ "
أصغى آدم باهتمام ، فتابع الجد :
— " العينان تريان الطريق من بعيد ، والعقل يدرك مواضع الخطر قبل الوصول إليها ، ثم يرسل أوامره إلى الجسد ليعدل خطواته أو يغير توازنه في اللحظة المناسبة .
والأعجب من ذلك أنها لا تبقى منشغلة بالنظر إلى قدميها عند كل خطوة ، بل تمضي نحو هدفها بثقة وتركيز . "
سكت قليلاً ثم قال :
— " ولعل في هذا يا بني إشارة بديعة إلى أهمية التفكير والتدبر قبل الحركة ؛ فالعاقل ينظر إلى ما هو أبعد من موضع قدمه ، ويرى العواقب قبل وقوعها . أما من يعيش أسيراً للحظة ، فإنه قد يرى الطريق بعينيه لكنه لا يراه ببصيرته . "
هنا صمت عمي منصور لحظة وقار ، وتذكر قول الله تعالى : ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ .
ثم تابع مسنداً الفكرة بالدليل الحسي :
> 💎 " العين يا آدم ترى الحفرة ، أما البصيرة فترى نتيجة السقوط فيها . "
— " والعين ترى الكرة ، أما العقل فيرى المباراة كلها . والعين ترى المكسب السريع ، أما الحكمة فترى ما بعد سنوات .
ولهذا خسر بعض اللاعبين في الدقائق الأخيرة ؛ لأن أقدامهم كانت تركض ، لكن عقولهم توقفت عن القيادة . "
التمعت عينا آدم بفهم عميق وقال :
— " إذن المشكلة ليست في القدم التي أخطأت ، بل في العقل الذي غفل . "
ضحك عمي منصور وقال مغتبطاً بنباهة حفيده :
— " أحسنت يا ولدي . القدم جندي منفذ ، أما العقل فهو القائد . وإذا نام القائد ، تاه الجنود مهما كانت قوتهم . "
🤝 تكامل الأجيال .. رفقاء لا قادة 🧭
ثم التفت مجدداً وأشار بيده نحو الأفق حيث كانت آخر خيوط الشمس الذهبية تختفي خلف الأفق مفسحة المجال للظلام الهادئ :
— " انظر إلى الشمس يا آدم . لو أنها توقفت قبل دقائق من الغروب لما اكتمل هذا المشهد الجميل .
وكذلك الإنسان في مشاريعه ، ودراسته ، ومبارياته .. كثيرون يبدأون بقوة وحماس ، ثم يتعبون أو يتراخون قبل النهاية بقليل فيخسرون كل شيء .
أما الناجح فهو الذي يحافظ على تركيزه وانضباطه حتى آخر خطوة .. حتى آخر ثانية من صافرة الحكم . "
شعر آدم بمهابة الموقف ، وسأل جده :
— " وهل تعتقد أن الشباب يحتاجون إلى من يقودهم دائماً ؟ "
ابتسم عمي منصور وقال :
— " لا يا بني . الشباب لا يحتاجون إلى من يقودهم بالأوامر ، بل إلى من يرافقهم .
هناك فرق كبير بين القائد والمرافق ؛ القائد التقليدي يأمرك أين تذهب ، أما المرافق فيسير بجانبك ويمنحك الثقة ويساعدك على اكتشاف الطريق بنفسك .
لهذا أقول لك دائماً : لا تخف من أن تحلم أحلاماً كبيرة ، ولكن تعلم أيضاً كيف تحرس حلمك بالصبر والانضباط والتكامل مع من يملكون الخبرة .
فالأحلام لا تضيع دائماً بسبب صغرها ، بل تضيع أحياناً بسبب الغفلة عنها في الأمتار الأخيرة . "
ابتسم آدم ، وزال عنه ضيق الخسارة الكروية ، إذ وجد في فضاء الشرفة ما هو أكبر من مجرد مباراة ، وقال وهو يغلق هاتفه باحترام :
— " بارك الله فيك يا جدي .. اليوم تعلمت كيف أحرس أحلامي . "
وضع عمي منصور يده على كتف حفيده بحنو بالغ ، وحدّث نفسه للمرة الأخيرة :
> ( ما أجمل هذا الجيل إن وجد من يفهمه .. طاقة تبني الأوطان ، إذا ما التقت بحكمة تسدد الخطى ) .
ثم قال جهراً :
— " وفيك بارك الله يا ولدي . خذها قاعدة من جدك : اترك قدميك تتحركان على الأرض بقوة ، واجعل قلبك مؤمناً ، لكن أبقِ عقلك دائماً في أعلى درجات التركيز .. في الملعب ، وفي الحياة . "