
الألوان لا تُباع في المزادات
📜 رواية قصيرة جديدة ⚽ « الألوان لا تُباع في المزادات » ✍️ بقلم: عبد المجيد قناوي / ⚽ في زمنٍ أصبحت فيه كرة القدم أكثر من مجرد لعبة ، وتحولت فيه نتائج المباريات إلى أفراحٍ عارمة أو خيباتٍ جماعية ، جلس عمي منصور ذات مساء هادئ يتأمل ما خلفته هزيمة قاسية في نفوس الناس . لم يكن ينظر إلى المستطيل الأخضر بوصفه مساحةً للتنافس الرياضي فحسب ، بل كان يراه مرآةً تعكس قيم الأمانة والانتماء والمسؤولية ، وتكشف معادن الرجال عندما تشتد المحن وتختلط المشاعر . ومن خلال حوارٍ شيّق بين الجد الحكيم وحفيده آدم ، تأخذنا هذه الرواية القصيرة في رحلة تتجاوز حدود الرياضة ، لتلامس أسئلةً أعمق تتعلق بالوفاء للوطن ، ومعنى التضحية ، وحدود العلاقة بين المال والضمير . فهل يمكن للأموال والعقود أن تصنع الانتماء ؟ وهل تكفي الشهرة والخبرة وحدهما لحمل أمانة الألوان الوطنية ؟ أسئلةٌ يطرحها عمي منصور بطريقته الهادئة ، تاركاً للقارئ مساحةً للتأمل واستخلاص العبر . ⚽📜 « الألوان لا تباع في المزادات » ✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي 🌿📖 نتمنى لكم قراءة ممتعة ومثمرة .
⚽📜 « الألوان لا تباع في المزادات »
✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي
كانت الليلة باردة في حيّنا العتيق ، لكن بيوت الجزائريين كانت تغلي كالبراكين الثائرة من شدة الغضب والخيبة .
في ساحة البيت الصغير ، تربع « عمي منصور » يرتشف زنجبيلا محاولاً تهدئة الأنفاس ، وبجانبه راديو قديم تنبعث منه أصوات محللي البلاطوهات الرياضية وهم يصرخون في جدال عقيم ، يعلو تارة ويهبط تارة أخرى .
تأرجح الباب الخارجي ودخل الحفيد « آدم » ؛ ذلك الشاب اليافع الذي يخطو في عامه التاسع عشر ، ووجهه يقطر حزناً غائراً ، مرتدياً قميصه الوطني المفضل .
رمى بمحفظته على الكرسي كمن يلقي بحمل ثقيل ، وفتح هاتفه وعيناه تتفحّصان الأخبار العاجلة ، ثم قال بصوت مخنوق تملؤه الحرقة :
> " يا جدي.. الصحافة فجّرت المفاجأة الليلة ! أحد الصحافيين كشف عبر موقع « فوت أفريكا » أن المدرب بيتكوفيتش بات على أبواب الرحيل ، وأن رئيس الاتحادية صادي يقيّم الوضع لإقالته بعد نكسة الإقصاء المونديالي أمام سويسرا .> لكن الصدمة الأكبر يا جدي هي الفاتورة ! إنهاء عقده سيكلف خزينة البلاد ما يقارب مليون يورو كتعويض عن رواتبه ، ناهيك عن المنح والمكافآت التي نالها سابقاً.. كيف يعقل لمدرب يقود رايتنا أن يترك لاعبيه يبكون حسرة في غرف تغيير الملابس ، ويسرع بخطى ضاحكة ، متهللة ، ليهنئ لاعبي سويسرا ، ثم يغادرنا بمليون يورو لجيوبه ؟ إنه لم يكتفِ بهزيمتنا تكتيكياً ، بل جاء ليثقل كاهلنا مالياً علناً.. كأنه كان يلعب ضدنا ومعهم في آن واحد ! " >
تبسّم «عمي منصور » بوقار الشيخ الذي عركته الأيام ، ووضع كأس الزنجييل جانباً ، ثم أشار لآدم بالجلوس إلى جواره وقال بنبرة حانية :
" لسّ يا ولدي ، وخفّف من روعك ؛ فالغضب نار إذا اشتعلت في الصدر أحرقت بصيرة صاحبها .الكرة يا آدم ليست مجرد جلد منفوخ يتدحرج فوق العشب ، بل مرآة تكشف ما تخفيه النفوس حين تشتد المحن .
وما رأيته اليوم لم يكن خسارة مباراة فحسب ، بل امتحاناً للأمانة والمسؤولية ، ففي الأوقات العادية يختبئ الجميع خلف النتائج ، أما ساعة السقوط فتظهر معادن الرجال كما يظهر الذهب في أتون النار . "
💼🤖 حديث الشيخ عن آلة المال وبرودة السلوك
سأل آدم وهو يتأمل تفاصيل التقرير الصحفي في هاتفه مستغرباً :
" الطامة الكبرى يا جدي ، هي أن الاتحادية كانت قد مددت عقده إلى غاية سنة 2028 قبل انطلاق كأس العالم بحجة « ضمان الاستقرار الفني (» ! والآن نسدد فاتورة العشوائية..كيف لمدرب يحمل سيرة دولية ويتقاضى هذه الأرقام الفلكية أن يكبل مواهبنا الشابة في الميدان بخطة عقيمة أشبه بـ (0-6-4) ؟ خطة بلا هجوم ولا هوية ، حتى تعجب منها خصمه نفسه ! لقد شعر القائد رياض محرز واللاعبون في غرف تغيير الملابس ببرودة هذه القرارات ، وكأن هناك أموراً تُطبخ في الكواليس المظلمة.. حتى خُيِّل للجماهير أن المنتخب تُرِك يواجه مصيره وحيداً ، ونكافئه بنحو مليون يورو ؟ "
تنهد عمي منصور ، ونظر إلى فنجان الزنجبيل ثم قال مسترسلاً بنبرة هادئة :
" يا بني ، يشبه الأمر رجلاً استأمنته على بناء بيتك ، فمنحته المال والثقة ، ثم اكتشفت بعد أول عاصفة أن الجدران خاوية والأساسات هشة .ليست المشكلة في المطر الذي هطل ، بل في اليد التي قصّرت في البناء .
بعض الناس ينظرون إلى الأوطان بعين الرسالة ، وبعضهم ينظر إليها بعين الصفقة .
الأول يفرح لفرحها ويتألم لألمها ، أما الثاني فيغادرها كما يغادر موظف مكتبه عند نهاية الدوام .
هذا المدرب الذي سماه أهل البلاطوهات بالـ " داهية " ، لم يأتِ إلينا حاملاً حلماً ليرفع رايتنا ، بل دخل غرفنا بعقلية « الثلاجة الآلية » التي تحصي ملايين الدولارات ولا تتحرك فيها شعرة من حماس . وحين تغيب « الڨرينتا » والروح القتالية عن القائد والمسؤول ، يتحول الفريق إلى جسد هامد بلا روح . "
😢🦅 ميزان الغيرة.. ودموع الرجال الصادقين
انتفض آدم ، والغيرة الشابة على ألوان بلاده تحرك كل جوارحه ، فاسترسل قائلاً :
" يا جدي.. لقد استوقفتني بشدة كلمات الكابتن محمد أبو تريكة ؛ ذلك الرجل المصري الأصيل الذي تحركت فيه غيرة الانتماء العربي والإسلامي ، فشعر بحرقتنا وتحدث بنبض قلوبنا وكأنه واحد منا ! تذكرت كلامه وتذكرت معه كيف كان مدربنا السابق جمال بلماضي ؛ فرغم أنه نشأ في ديار الغربة ويحمل جواز سفر فرنسي ، إلا أن عروقه تجري بدم جزائري حُر ، وهو ابن هذا الشعب الطيّب الذي يعرف نبضه ويتقاسم معه الآلام.. لقد رأيناه في الأمس القريب يسقط أرضاً على ركبتيه ويبكي بحرقة على الراية والقميص !وحتى البوسني " خاليلوزيتش " .. رغم أنه أجنبي لغة ووطناً ، إلا أنه رجلٌ عركته الحروب والمحن في بلاده ويعرف تماماً معنى آمال الشعوب البسيطة وحبها للأوطان ، لذلك لم تملك عيناه إلا أن تفيضا بالدموع مع اللاعبين وسط الميدان.. يا جدي ، لماذا استبدلوا تلك الدموع الحارة والصادقة ببرودة الروبوتات الجافة ؟ وكيف يُكافأ هذا الفشل بتجديد عقد مسبق وشروط تعجيزية ترهق خزينة البلاد قبل أن يضمن لنا حتى حلم المونديال ؟ "
وضع عمي منصور يده الثقيلة بالحكمة على كتف حفيده وقال بنبرة تمتص غضبه :
" هنا يكمن جذر الداء يا آدم.. العيب ليس في المدرب الأجنبي الذي جاء بعقلية الموظف أكثر من عقلية صاحب الرسالة ، بل في المسؤول المحلي الذي فتح له الباب ، وأدار ظهره للمصلحة الوطنية ، ووقع معه عقداً ممدداً ومتهوراً يُهدر فيها أموال الشعب دون أهداف مسطرة أو بند للمحاسبة الصارمة قبل تلمس النتائج .المسؤول الذي ينبض قلبه بحب النجمة والهلال ، يكون همه الأول والأخير إسعاد هذا الشعب الاستثنائي الذي لم يبخل يوماً بالدمع أو الدعم .
أما من غابت أمانته وعميت بصيرته ، فيصبح إسعاد الشعب آخر اهتماماته ، وتتحول لديه الاتحادية من صرح وطني وجامع للمواهب إلى « بقرة حلوب » تدر الملايين والتعويضات في جيوب المنتفعين والوكلاء . "
⚖️🌱 نداء المحاسبة.. والعودة إلى الجذور الصالحة
أطرق آدم برأسه قليلاً ، ثم قال وعيناه تلمعان بوعي جديد :
" النقاش محتدم يا جدي ، والكل اليوم في المقاهي والساحات يطالب بمحاسبة شاملة ؛ بدءاً من رئيس الاتحادية صادي وصولاً إلى التقييم الشامل للعارضة الفنية .لقد قرأت الآن أيضاً تصريحاً حكيماً للاعبنا الدولي السابق عبد الحكيم سرار ، يختصر الداء بكلمات من ذهب ؛ حيث يقول إننا لو جلبنا أنشيلوتي أو غوارديولا أو إنريكي ، فسيجدون نفس المنظومة العرجاء ! سيجدون بطولة وطنية تُلعب جولاتها بالمزاج وحسب الظروف ، وسيجدون هجوماً وهمياً ، وسيطالبونهم بالفوز على الأرجنتين وألمانيا والبرازيل ، بينما نحن ننتظر ما تجود به علينا فرنسا مما لا تحتاجه في مدارسها !
سرار يصرخ يا جدي ويقول : الداء استفحل ، والمدرب لن يأتي بالعصا السحرية ولن يخلق لنا « ماجر » جديداً ولا « بلومي » جديداً ، والحل الوحيد هو الذهاب نحو إصلاح رياضي شامل بعيداً عن المصالح والتكتلات . "
ساد صمت قصير في فناء البيت ، ولم يعد يُسمع سوى أزيز الراديو العتيق وصوت الريح وهي تعبث بأوراق شجرة الليمون القريبة .
وقف عمي منصور في ثبات ، ونظر إلى الأفق البعيد من نافذة بيته وقال بصوت جهوري ممتلئ باليقين :
> " هذا هو عين العقل والصواب يا ولدي ، وابن الميدان أدرى بشعابه .كلام سرار يضع الإصبع على الجرح النّازف ؛ فالمدرب القادم ، أياً كان اسمه ، لن يملك معجزة إذا كان الساس خرباً .
> الحل الحقيقي لا يأتي بصب اللعنات في البلاطوهات ، ولا بتبديل الأقنعة لمجرد امتصاص غضب الجماهير مؤقتاً .
الحل يبدأ من « المحاسبة الصارمة ووضع أهل الكفاءة والضمير في مناصب القرار » لقطع دابر لعبة المصالح والتكتلات الضيقة .
> والأهم من ذلك كله يا آدم.. أن نعود إلى الأرض.. إلى جذورنا ومدارسنا الوطنية العريقة التي أنجبت لنا العظماء وكتبت تاريخ كرتنا بمداد الشرف .
لنزرع التكوين الحقيقي للمواهب بأيدينا ونرويها بماء الانتماء والجد .
فالمستورد بلا روح لا يصنع مجداً مستداماً ، والزرع الصالح هو ما نبت في طين الأرض يا بني . " >
أمسك عمي منصور بطرف قميص آدم الأخضر والأحمر ، وقبّل النجمة والهلال المطرزين عليه ، ثم التفت إليه مبتسماً وعيناه تلمعان بالأمل واليقين :
" ارفع رأسك يا ولدي ، فالأوطان العظيمة لا تكسرها هزيمة ولا تهزمها خيبة .قد تسقط راية في مباراة ، وقد يضيع حلم في ليلة ، لكن الشعوب الحية تعرف كيف تحول عثراتها إلى دروس ، ودموعها إلى قوة ، وخيباتها إلى بدايات جديدة .
تذكر دائماً أن الألوان التي يحملها الشرفاء في قلوبهم لا تُباع في المزادات ، وأن الجزائر كانت وستبقى أكبر من الأشخاص ، وأبقى من المناصب ، وأقوى من كل عثرة عابرة ، وخدمة سمعة هذا البلد العظيم هي الغاية الأسمى . "
تنفس آدم الصعداء ، وشعر بالسكينة والوعي يسريان في قلبه ؛ فقد تعلم الليلة من جده ومن نصيحة ابن الميدان أن معارك الأوطان ، حتى الكروية منها ، لا تحسمها أرقام العقود الفلكية ولا الأسماء الرنانة.. بل تحسمها حرارة الروح ، والإصلاح الحقيقي ، وعمق الانتماء الصادق .