
أبعد من مجرد لعبة
⚽ أبعد من مجرد لعبة 🏆 ماذا يحدث عندما تتحول مباراة كرة قدم إلى درس في الحياة ؟ وماذا يحدث عندما يقف شاب غاضب أمام شاشة هاتفه ، بينما يجلس إلى جواره رجل عجوز خبر الدنيا وتقلباتها ؟ بين خيبة الخسارة ، وضجيج المنصات ، وطرفة " سوسو " التي اجتاحت مواقع التواصل ، ومشهد مؤثر للجالية الجزائرية في المهجر ، يأخذنا عمي منصور في رحلة قصيرة لا تتحدث عن الكرة فقط ، بل عن الوقار ، والهوية ، والأخلاق ، ومعنى الانتماء الحقيقي . قصة قصيرة حوارية جديدة من سلسلة « حكايات عمي منصور » ، تمزج بين الابتسامة والتأمل ، وتطرح سؤالاً بسيطاً : هل المشكلة في الكرة ... أم في الطريقة التي نحملها بها ؟ ✍️ تأليف الأستاذ : عبد المجيد قناوي
⚽ أبعد من مجرد لعبة 🏆
« قصة قصيرة من سلسلة حكايات عمي منصور »☕ خيبة خلف الشاشات
جلس عمّي منصور على كرسيه الخشبي العتيق في شرفة المنزل ، يرتشف رشفات وئيدة من فنجان قهوته المسائية ، بينما كان حفيده آدم واجماً ، يقلب هاتفه الذكي بنقرات متسارعة ، وعيناه تلمعان ببريق القلق الضائع . لم يعد آدم ذلك الطفل الصغير الذي يركض خلف الكرة في زقاق الحي ؛ لقد اشتد عوده ، وبانت على ملامحه سمات الشاب الذي يقف على عتبة الرجولة ، يملأ قامته الفتية بالحماس ، لكن عاطفته ما زالت أسيرة الشاشات الزجاجية .
التفت آدم نحو جده وقال بنبرة متهدجة :
— " يا جدي ، لقد خسرنا أمام الأرجنتين ! انهار كل شيء ، وتلاشت أحلام المونديال .. اللاعبون غائبون بلا روح ، والمدرب ضيّعنا ! "
ابتسم عمي منصور ابتسامة هادئة ، وضع فنجانه جانباً ، ثم قال بصوت رزين يحمل دفء السنين :
— " يا بني ، هون عليك .. إنها كرة منفوخة بالهواء ، تتقاذفها الأرجل على عشب أخضر .الأرجنتين بطلة العالم ، والخسارة أمامها ليست نهاية التاريخ ، بل هي حجم الواقع الفني . لماذا تحولون المتعة إلى مأتم ؟ "
رد آدم بحماسة الجيل الجديد :
— " لكن الجميع في الفيسبوك وتيك توك كانوا يضمنون الفوز ! والآن ، نفس الوجوه تنال منهم بوابل من الشتائم والانتقادات اللاذعة ، ويتهمونهم بقلة الوطنية ! "
هز عمي منصور رأسه أسفاً ، ونظر إلى البعيد قائلاً :
— " هذا هو المرض الجديد يا آدم .. جيلكم يعيش في منصات افتراضية تصنع الوهم ، يرفعون الفريق إلى عنان السماء بغرور مفرط ، ثم يجلدون ذواتهم ويسقطونهم إلى سابع أرض عند أول عثرة .الوطنية يا بني ليست هدفاً يُسجل ، بل هي وعي ورزانة . "
💬 حكمة في ثوب طريف
سكت آدم برهة ، ثم تصفح فيديو آخر ، وضحك بخجل يشوبه الاستنكار ، وقال محاولاً تلطيف الأجواء :
— " أتعلم يا جدي ؟ هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك في مباريات أخرى .. صانع محتوى أُرْدُني أفرط في الثقة قبل مباراة منتخبه ضد منتخبنا ، وتحدى الجمهور علناً قائلاً : ( إن فازت الجزائر سموني سوسو ! ) .وبمجرد أن انتهت المباراة بفوزنا بنتيجة هدفين مقابل هدف ، انقلبت عليه المنصات ! "
تابع آدم والابتسامة قد عادت إلى وجهه :
— " الجمهور الجزائري لم يرحمه ؛ أمطروه بملايين التعليقات ، بل إن تجار الأقمشة في أسواقنا أطلقوا اسم ( قماش سوسو ) على أحدث السلع بجميع الألوان ، والأطرف من هذا كله أن شاباً نشر صورته حاملاً باقة ورد يعلن فيها تقدمه لخطبته وسط موجة عارمة من الفكاهة ! "
تغيرت ملامح عمي منصور قليلاً ، وظهرت على وجهه صرامة رجل عركته الأيام وتشرّب قيم الأصالة ، ومزج في نظرته العجب بالشفقة ، وقال بنبرة حازمة تحمل خبرة السنين :
— " يا بني ، الجزائري إذا ضحك من أمرٍ ما ، جعل منه حكاية تتناقلها الألسن .كلمة واحدة قد تتحول عند الناس إلى قماش ، أو محل ، أو نكتة تعيش سنوات .
ولذلك قيل قديماً : « لا تضع نفسك موضع السخرية ثم تلومن الناس إن ضحكوا . »
أومأ آدم برأسه موافقاً ، ثم أردف متسائلاً :
— " ولكن يا جدي , ألا ترى أن في الأمر استرخاصاً كبيراً للهوية من أجل مجرد توقع لمباراة ؟ "
وضع عمي منصور يده الحانية على كتف حفيده وأجابه بعمق :
— " المشكل يا آدم ليس في الخسارة ولا في التحدي ، بل في أن بعض الناس يبيعون هيبتهم بثمن المشاهدة . الإنسان قد يخسر مباراة فيربح احترامه ، وقد يربح ضجة عابرة ويخسر وقاره . "📞 من طرائف الواقع إلى عمق المحبة
ساد صمت قصير بعد موجة الضحك ، وكأن عمي منصور أراد أن يترك للنكتة وقتها الطبيعي قبل أن يعود إلى المعنى الأعمق . وفي تلك اللحظة بالذات رن هاتف آدم ، وكان اتصالاً مرئياً من ابن عمه المغترب في أمريكا .
فتح آدم الخط ، لتنفجر من الشاشة ألوان مبهجة وأصوات أهازيج حية . قال المغترب بحماس :
— " آدم ! انظر حولك .. أنا في شوارع نيويورك الآن ! "
وجه الكاميرا ليظهر مشهد مهيب : الآلاف من الجالية الجزائرية والمصرية يمشون جنباً إلى جنب ، الأعلام الوطنية تلاحمت واحتضنت بعضها البعض ، تعلو الطبول وتعانق الضحكات الصادقة عنان السماء .الجزائري يهتف لمصر ، والمصري يحمل العلم الجزائري ، في عفوية تامة وأخوة خطفت الأنظار في كبرى مدن أمريكا .
انبهر آدم ، واقترب عمي منصور لينظر إلى الشاشة ، فتعلقت عيناه بذلك المشهد الحضاري الراقي ، وتألق وجهه بارتياح كبير وانبسطت أساريره فخراً . أغلق آدم الهاتف بعد حين ، وقال بنبرة متأثرة :
— " فعلاً يا جدي .. المشهد هناك في المهجر يختلف تماماً . وكأنهم أرادوا إيصال رسالة للعالم . "
🌟 جوهر الرسالة
أخذ عمي منصور نفساً عميقاً ثم قال :
— " هذه هي المفارقة الكبرى التي يجب أن تعيها يا بني ؛ في الوقت الذي يسترخص فيه بعض شباب الداخل هويتهم وكرامتهم وراء الشاشات من أجل « البوز » والتحديات الممسوخة ، نرى إخوانهم المغتربين في أقصى الأرض ، وسط قسوة الغربة وبعد الديار ، يتمسكون بتلك الهوية كأنهم يبحثون عن دفء وطن مفقود .لقد جعلوا من هذه الكرة المنفوخة جسراً لرفع الراية برقي ، ولإحياء أخوة حقيقية مع أشقائهم ، بعيداً عن حساسيات الماضي السخيفة . "
صمت آدم طويلاً ، ونظر إلى هاتفه الذكي ، ثم وضعه مقلوباً على الطاولة ، والتفت إلى جده بملامح أكثر نضجاً ورجولة ، وقال :
— " الآن فهمت يا جدي ... ليست المشكلة في الكرة ، بل في الطريقة التي نحملها بها . فمن الناس من يجعلها سبباً للفرقة والخصام ، ومنهم من يجعلها جسراً للمحبة والتعارف . "
تبسم عمي منصور ، ونظرات الفخر الأبوي تشع من عينيه ، وربت على كتف حفيده قائلاً :
— « أحسنت يا بني .الكرة تبقى كرة ، أما الأخلاق فهي التي تحدد إن كانت ستجمع الناس أو تفرقهم ، وتبقي أثرهم جميلاً بعد أن تنتهي المباراة . »