أبعد من حدود المستطيل
قصة

أبعد من حدود المستطيل

12 جويلية 2026243 مشاهدة4 دقائق للقراءة

🌿 « أبعد من حدود المستطيل » ✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي ⚽ هل تنتهي الحكاية عند صافرة النهاية ؟ في مساء هادئ ، وعلى شرفة تفوح منها رائحة الشاي والذكريات ، جلس عمي منصور وحفيده آدم يتأملان ما وراء نتائج كأس العالم... حديث بدأ بكرة القدم ، لكنه قادهما إلى معانٍ أكبر : 🏆 ما الفرق بين من يربح المباريات ومن يربح القلوب ؟ 🌍 وهل تستطيع الرياضة أن تجمع الشعوب أكثر مما تفرقها ؟ 📖 وما الدروس التي تبقى حين تنطفئ أضواء الملاعب ويعود الجميع إلى حياتهم ؟ حكاية دافئة تمزج بين الحكمة والفكاهة والحنين ، وتدعونا للنظر إلى الحياة من زاوية مختلفة... 🌿 « أبعد من حدود المستطيل » 📜 حين تنتهي المباراة... تبدأ دروس الحياة ✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي 👇 اقرأ القصة كاملة واكتشف بنفسك ما الذي وجده آدم خلف الأرقام والنتائج...

🌿 أبعد من حدود المستطيل

📜 حين تنتهي المباراة... تبدأ دروس الحياة

✍️ بقلم : عبد المجيد قناوي

كانت شرفة المنزل تغتسل بنسائم مغربية عليلة مع اقتراب المساء .

اتكأ عمي منصور على أريكته الخشبية العتيقة ، يرتشف شاي النعناع من كأسه الزجاجي الصغير ، بينما كان بخار « البراد » يتصاعد في هدوء كأنه يحكي حكايات زمن بعيد .

أمامه جلس حفيده آدم ، غارقاً في مطالعة تحليلات كأس العالم 2026 على حاسوبه المحمول .

كانت إضاءة الشاشة تنعكس على ملامحه الهادئة ، فتمنحه مسحة من التأمل والنضج ، وكأنه يحمل في ذهنه أسئلة أكبر من سنه .

آدم ( يغلق الحاسوب قليلاً ويتأمل الأفق ) :

ـ أتدري يا جدي ؟ كلما قرأت آراء الناس عن المونديال ، ازددت اقتناعاً بأن هناك فرقاً كبيراً بين ما تقوله الأرقام وما تشعر به القلوب .

عمي منصور ( يبتسم في رضا ) :

ـ ما شاء الله عليك يا ولدي ... يبدو أن عقلك بدأ يقرأ ما بين السطور . حدثني ، ماذا وجدت ؟

آدم :

ـ خذ مثلاً المقارنة بين المغرب ومصر . المغرب بلغ ربع النهائي واستحق ذلك بجدارة ، مؤكداً أنه أصبح رقماً صعباً في الكرة العالمية منذ مونديال قطر .

لكن مصر صنعت شيئاً مختلفاً ؛ لم تذهب بعيداً في البطولة ، ومع ذلك تركت أثراً لا يُنسى . واجهت الأرجنتين بشجاعة ، وحققت أول انتصار لها في تاريخ كأس العالم ، وقدمت كرة ممتعة بروح قتالية عالية . لهذا أشعر أن أثرها المعنوي في الجماهير كان أوسع من مجرد حسابات الأدوار والترتيب .

عمي منصور ( يهز رأسه موافقاً ) :

ـ أحسنت يا آدم . هناك من يربح النقاط ، وهناك من يربح القلوب .

الناس لا تتذكر دائماً من بلغ دوراً أبعد ، لكنها تتذكر من قاتل بشرف وأشعل الحماس في النفوس . ولهذا بقيت بعض المباريات خالدة في الذاكرة رغم أن أصحابها لم يحملوا الكأس .

آدم ( متفكراً ) :

ـ وربما لهذا السبب تعاطف كثير من الجزائريين مع المنتخب المصري . رأوا فيه روحاً وعزيمة تذكرهم بالأيام الجميلة للكرة العربية والإفريقية .

عمي منصور :

ـ صحيح . والجميل أن الرياضة ، عندما تُفهم على حقيقتها ، تقرب الشعوب ولا تفرقها .

فالجمهور الواعي يحترم المنافس القوي ويصفق له مهما كان علمه أو جنسيته .

صمت قليلاً قبل أن يضيف :

ـ أما ما يثار دائماً حول التحكيم والكواليس ، فهو جزء من حديث الجماهير في كل زمان ومكان .

قد يخطئ حكم ، وقد يظلم فريق ، وقد تختلف وجهات النظر حول بعض القرارات .

لكن الحكمة تقتضي ألا نجعل ذلك يحجب عنا الدرس الأكبر : أن النجاح الحقيقي يُبنى بالعمل والاستمرار لا بالبحث الدائم عن الأعذار .

آدم ( مبتسماً ) :

ـ يبدو أنك توجه الكلام لمنتخبنا الجزائري أيضاً يا جدي !

عمي منصور ( ضاحكاً ) :

ـ بل أوجهه لكل إنسان في هذه الدنيا . في الدراسة والعمل والرياضة ستجد من يعارضك أو يسبقك أو يختلف معك . المهم ألا تفقد تركيزك على هدفك .

ثم ارتشف جرعة من الشاي وقال :

ـ أكثر ما أعجبني في هذه البطولة ليس النتائج ، بل تلك اللحظات التي أظهرت أن الشعوب العربية ما زالت قادرة على الفرح لبعضها البعض . رأيت جزائريين يشجعون مصر ، ومصريين يصفقون للمغرب ، ومغاربة يساندون الأردن . تلك هي الصورة التي أحب أن أراها .

آدم :

ـ فعلاً يا جدي . شعرت أحياناً أن الجماهير كانت أكثر نضجاً من بعض المحللين والإعلاميين .

عمي منصور ( وقد أخذت نبرته طابعاً أبوياً ) :

ـ وهنا بيت القصيد يا بني . الإنسان الواعي يستمتع بالمباراة ، ثم يعود إلى حياته وأهدافه . أما أن تتحول كرة القدم إلى سبب للكراهية والخصام ، فذلك خسارة أكبر من أي هزيمة في الملعب .

وأشار بيده نحو السماء التي بدأت تتلون بأحمر الغروب :

ـ الفوز الحقيقي ليس في المستطيل الأخضر وحده ، بل في أن نبني أوطاننا ، ونرتقي بعلمنا ، ونحفظ أخلاقنا ، ونتعاون فيما ينفع الناس .

أغلق آدم حاسوبه تماماً وقال باقتناع :

ـ إذن العبرة ليست بمن فاز فقط ، بل بما تعلمناه من التجربة .

عمي منصور ( وقد انفرجت أساريره ) :

ـ الآن بدأت أفهم لماذا أطمئن على مستقبلك .

ثم ضحك ضحكته المعهودة وقال :

ـ لكن بما أننا تحدثنا كالحكماء طويلاً ، فلا بأس بقليل من الدعابة . قرأت بالأمس تعليقاً طريفاً يقول : « الجزائر أخرجت فرنسا من أرضها ، لكن المغرب لم يستطع إخراجها من الملعب ! »

انفجر الاثنان ضاحكين .

آدم ( مازحاً ) :

ـ وتونس يبدو أنها فضلت الاختصار ، فأنهت الحسابات مبكراً وعادت إلى البيت قبل ازدحام الطرق !

ازدادت ضحكات عمي منصور حتى اهتزت لحيته البيضاء .

ثم ربت على كتف حفيده وقال :

ـ اضحك يا بني ، فالحياة تحتاج إلى شيء من الفكاهة . لكن تذكر دائماً أن المستقبل لا يبنيه المشجعون في المدرجات ، بل يبنيه العاملون في الميدان .

نهض آدم متجهاً نحو المطبخ .

عمي منصور ( يناديه ) :

ـ وأحضر معك براداً آخر من الشاي ... فحديث النهضة أطول من حديث الكرة بكثير !

وتلاشت الضحكات في هدوء المساء ، بينما ظل بخار الشاي يرتفع نحو السماء كأنه يحمل معه حكمة جديدة من حكم عمي منصور .

شارك هذا المقال:

فيسبوكتويتر